رواية ثآليل الذكريات

الكاتبة / دعاء الجابي

تميل دعاء الجابي في روايتها إلى أدب الالتزام، ذلك الأدب الذي انطلق من النظرية الماركسية، والتي تحتم على الأديب أن يلتزم بقضايا مجتمعه وكذلك الأدب الذي دعت إليه رابطة الأدب الإسلامي؛ حيث يلتزم الأديب بقضايا المجتمع والأمة الإسلامية، ويعبر عنهما، وقد جمعت دعاء الجابي بين الالتزامين عند الأدباء الماركسيين والإسلاميين على السواء، وأنا لست ضد أدب الالتزام، فكل أديب له أيديولوجيا يعبر عنها، لكن ينبغي للأديب أن يلتزم بقواعد الفن وخصائصه الفنية، ثم يتحدث بعد ذلك فيما يريد أن يمرره من خلال البنى الفنية. وقد أثرت الثقافة الأدبية والنقدية من خلال دراسة الكاتبة بكلية الآداب كثيرًا في لغة الرواية وخصائصها الفنية؛ حيث يجد القارئ الكثير من أبيات الشعر والألفاظ العربية وخلو الرواية من الكلمات العامية تقريبًا والعنوان “ثآليل” نفسه يجبر القارئ على العودة للمعجم؛ لمعرفة معناها وهي البذور التي تظهر على الجلد ويشير ذلك العنوان إلى الذكريات، التي تترك أثرها الدائم طوال الحياة. تبدأ الرواية من المستقبل حيث عام 2035م ومن ثم تعود الرواية إلى الماضي، حيث تذكر الشخصية الرئيسة -والتي تقوم بدور الراوي أيضًا- قصتها. وقبل الحديث عن أبرز الخصائص الفنية التي تميزت بها الرواية، نتحدث عن عناصر الالتزام في هذه الرواية. من يقرأ هذه الرواية سيلحظ أن السمة الرئيسة هي رفض العلاقات المحرمة بين الذكر والأنثى، لكن بالقراءة المتأنية، سيلحظ القارئ بعض موضوعات الالتزام في ثنايا الرواية مثل:

1-استغلال الأنثى عن طريق الرجل؛ حيث نجد القيصر أو آدم الذي يستغل النساء ويوقعهن في حبه، لكي ينتهك عفتهن ويفحش بهن، وتدور عليه الدائرة ويحدث ذلك مع أخته التي تقيم علاقة مع صديقه ويسبب له ذلك صدمة عصبية.

2-الانتصار للطفولة المشردة؛ حيث يتجلى مشهد الطفل اليتيم الجائع الفقير، الذي يسافر من القاهرة إلى الإسكندرية، بحثًا عن عمل ويرفض الإعانة من ركاب القطار ويكتفي بما يسد رمقه فقط.

3- رفضها لزواج الأقارب عنوة؛ حيث قدمت الرواية نسقًا طيًبا، حينما رفضت الشخصية الرئيسة ابن عمها زوجًا لها، مر ذلك مرور الكرام رغم أن أعمامها من بيئة ريفية؛ لتقدم نموذجا جيدًا على التسامح مع تلك العادة، وهى ضمنيا تنبذ الإكراه على الزواج.

4-الوحدة الوطنية: ويتجلى ذلك في العلاقة التي بين ذكرى المسلمة وصديقتها مارفي المسيحية.

5- نبذ الإرهاب وما يسببه من خراب للمجتمعات وهدم ثوابت الوحدة الوطنية وترويع الآمنين “اليوم الأحد في الحادي عشر من ديسمبر2016م، تم تفجير الكاتدرائية المرقسية في العباسية بمدينة القاهرة. بسبب عبوة ناسفة.. قتل على إثر ذلك 29شخصا وأصيب 31آخرون. قلت والحزن يعتلي صوتي: -إلى متى تظل أحوال البلد هكذا تسوء؟! -عسى الله أن يجعل له آخر.. -اللهم آمين”2 يقدم المقطع مشهدًا مظلمًا لهذا الإرهاب الخاشم الأسود، الذي يتصيد الأبرياء، ثم يعقب ذلك حوار يعبر عن الحزن الذي يعتري الشخصيات، ثم دعائهم بكشف الغمة.

6- التكافل الاجتماعي: فذكرى كانت تعطي مبلغا شهريا لأم أحمد كي تشتري به علاجها.

7- نبذ العقوق: ماتت أم أحمد فقيرة غريبة مريضة، ثم كانت المفارقة أن أبناءها أغنياء، حيث يصطفون بسيارات فخمة؛ لأخذ واجب العزاء”-إيه يا بنيتي.. هذه السيارات لأبناء أم أحمد رحمها الله، أحمد ومحمد ورنا، لم يذهبوا، بل أصروا على أن يأخذوا العزاء هنا. -أي خير هذا الذي يملأ قلوبهم؟! يقدرونها بعدما رحلت! أين هي منهم عندما كانت في أحلك الظروف، وهى في أشد ما تكون الحاجة، تركوها لمرضها يأكلها رويدًا رويدًا، نعم الأبناء! نعم الأبناء! -هكذا الدنيا يا ابنتي عندما تلهي الأبناء”3

8-رفضت الرواية الإفك ورمي الفتيات بالباطل.

9- رفضت بعض أشكال التسلط من وجهة نظر الكاتبة. أما أبرز الخصائص الفنية التي امتازت بها الرواية:

1-دلالة أسماء الشخصيات وسأكتفي بذكر شخصيتين فقط: -شخصية ذكرى: هي الشخصية الرئيسة، التي تتذكر كل ماضيها وتروي كل أحداث الرواية، فجاء معنى الاسم موافقا لأفعال الشخصية. شخصية المهندس فارس: وهى شخصية نبيلة، تتمتع بأخلاق الفرسان ولم تقع في براثن الشخصيات الأنثوية التي حاولت إغوائه، مثل ضحى ابنة خالته وابنة مدير الشركة التي يعمل بها ووافق على الزواج من ذكرى رغم علمه بماضيها، عندما كادت أن تقع في الخطيئة مع القيصر.

2- التحليل النفسي لشخصية الأنثى وبدى هذا واضحا في هذا المقاطع “لكن المرأة يا أعزائي تذيبها الكلمات الكلمات الناعمة، فمفتاح التحكم عند المرأة يكمن هناك حيث أذنها، تعشق لأجل كلمة، تغضب، تحزن، تكره لأجل كلمة.. هذا الكائن الأنثوي لا يرى جيدًا؛ لكنه يسمع جيدًا جدًا.

“4 “فقانون الأنثى يحتم عليها الانتظار، ولا يحتم عليها الابتداء، فقد تموت الواحدة منا شوقا إلى معشوقها، لكنها تأبى الانتظار!

“5 “وإن قانونا من قوانين المرأة –تلك القوانين التي لا تتزحزح عنها قيد أنملة- ألا وهو الكبرياء. فلا يتسنى لامرأة أن تسمح لأخرى أن تشاطرها في رجل أرادته هي لنفسها، فراودته عن نفسه سنوات شتى فيعرض عنها وينقلب إلى أخرى غيرها، في تلك الحالة ستحرق العالم أجمع، بيد أنها لا تسمح لقانون الأنفة هذا أن يباد

“6 “المرأة تفضل الموت على أن تنثني عن رغبتها لأمر تمنته، ربما تعمر المرأة أكثر من الرجل لأنها تقاوم، لو لم تكن المقاومة من أهم القوانين عند المرأة لماتت كل امرأة بعدما تضع أول مولود لها.”7 من المقاطع السابقة، يتضح أن الرواية تجنح إلى التحليل النفسي للمرأة وذكر الأشياء التي تهزمها والأشياء التي تجعلها تنتصر وقد كثرت هذه المقاطع في الرواية ويكفي ما استشهدنا به.

3- العتبات النصية في أول كل فصل وهى عبارة عن خواطر تأخذ شكل الحكمة وأحيانا الأمر وما يميز تلك الخواطر أنها لا تأخذ تجليا لغويا داخل الفصل ويفرد لها صفحة كاملة تحت عنوان الفصل من الفصول السادسة والعشرون ومن نماذجها: “لو كان الظلم رجلا لأوقعته أسيرًا في شباك حبي، فإذا ما أحبني وأصبح أكثر الناس عشقا، وليت عنه مدبرة، فيتأوه حتى يقتله العشق” “سينفرط عقدك أنت، حينما تنصهر ذاتك فيما قيل وما سيقال” “تلك الزهور التي ذبلت ستزهر من جديد، وذاك القلب الذي انكسر حتما سيلتئم، وهاتيكم الهم الذي ترسخ لابد أن ينمحي، فقط ثق بالله تعالى” ويلحظ أنها تفتح باب التأويل على مصرعيه ويمكن دراستها على حدة، من خلال استقلالها عن العمل الروائي. *المآخذ الفنية على الرواية: لا شك أن الأعمال البشرية في العموم يعتريها النقصان وكما ذكرنا مميزات الرواية، نذكر المآخذ الفنية، حتى تتجنبها الكاتبة –إن رأت مقالي هذا- في القادم من أعمالها وهى مآخذ لا تقارن بالمميزات وهى قليلة جدًا، خاصة أن هذا العمل باكورة أعمال الكاتبة وكان المتوقع أن تكثر المآخذ أما أبرز المآخذ فتجلت في:

1- الحوارات الكثيرة وكان هناك حوارات لم يكن ثمة داعي لها ولم تثر العمل الروائي وكان الأولى حذفها، مثل المقطع الحواري في نهاية الرواية، الذي لا تبرير لوجوده إطلاقًا وهذا ما أتمناه في الطبعات القادمة وتبقي الكاتبة فقط على الحوارات، التي تخدم مسار السرد وبهذه المناسبة أتمنى من الكاتبة أن تكتب المسرح؛ فلديها القدرة الجيدة على كتابة الحوار وشحن الصراع الدرامي.

2- لم يكن ثمة من داعي لعنونة الفصول؛ فهذا الأمر قد تجاوزته الرواية الحديثة وكان يمكن أن تكتفي بترقيم الفصول؛ لأن العنونة جاءت ملخصة للفصول؛ ما أثر على التشويق في الرواية.

3- كان ينبغي للكاتبة أن تهتم بالوصف والتزيين؛ فلم تصف الأماكن والشخصيات الوصف الذي تستحقه، وجاء الوصف مختصرًا في بعض المشاهد الظاهرية مثل وصف ذكرى بأنها بيضاء البشرة ولها عينان خضراوتان وشعر ذهبي هي وابنتها وقوام ممشوق وأتعجب من مثل هذه الأوصاف التي جعلت مقياسا للجمال!.

4- قولبة الشخصيات والحكم عليها مسبقا وعدم ترك المساحة الكافية للتعبير عن نفسها. 5- بعض الأشياء التي تقتل المنطقية في الرواية؛ ففريدة بنت ذكرى في عام 2035م كانت في العشرين من عمرها، بينما خُطبت أمها في العام 2016م وتزوجت بعد5 أشهر وبالتالي ولدت فريدة في 2017م، بالتالي يصبح عمرها في 2035م 18 لا 20 أتمنى الانتباه لمثل هذه التفاصيل. 6- المقدمة رغم نبل هدفها؛ إلا أنها لخصت الرواية وحددت غرضها. وفي الختام قد أتفق مع بعض طرح الكاتبة وأختلف مع بعضه الآخر؛ لكن تبقى رواية ثآليل الذكريات نموذجًا ينبئ عن مشروع كاتبة روائية متميزة إن شاء الله تعالى وأتمنى للكاتبة مزيدًا من التوفيق مع خالص تحياتي…

إبراهيم أحمد أردش

كاتب وباحث

تعليقات على فيسبوك