أين ينتهي التاريخ لتبدأ القصة

لا شك أن التاريخ هو واقع سردي يرصد حكاية حقيقة مطولة تبدأ منذ بزوغ فجر البشرية الى يومنا الحاضر … لكن السرد التاريخي يسير في خط مستقيم متنقلا عبر الزمن، مسرعا من نقطة الى أخرى، راصدا الأحداث والحوادث والتغيرات التي واجهت البشر، الى أن وصلنا لما نحن عليه.
لكن وحده الأدب قادر على تجميد نقطة زمنية تاريخية محددة، ليغوص بداخلها… وبدلاً من رصد الحوادث والأحداث، يتخيل تأثيرها في النفس البشرية، ويهتم بآلام وصرعات وتغيرات الفئات التي لم يتوقف عندها التاريخ. كالصعاليك والمهمشين والحرافيش والغلابة …
وحتى حين يتناول الأدب أحد عظماء التاريخ ومشاهيره، فأنه يتناوله من حيث الصراع البشري داخله، ويتخيل ما أدى به الى اتخاذ تلك القرارات التي قد تغير مجرى التاريخ أحيانا … وحده الادب قادر على جعلنا نعيش داخل التاريخ ونحسه بدلا من السماع عنه ورصده.
وبينما يهتم التاريخ بسرد ماذا حدث … يهتم الادب بسرد كيف حدث، ولماذا حدث ….
وحده الادب يعمل كآلة زمنية عملاقة تنقلنا الى لحظة منتقاة بعناية لنعاين ونرى ونعيش مع من عاشوا أو نموت معهم.
وإذ يتعلق التاريخ بالوصف الإجمالي الحيادي للحوادث، تتوقف القصة عند المنظور الإنساني الشخصاني لتلك الحادثة.
ولكن تواجه كل من يتصدى لكتابة القصة التاريخية صعوبة أساسية. فبرغم أن التاريخ يتيح له خطا عريضا للحكاية. لكن المأزق يأتي من ناحيتين …
من ناحية الالتزام بالخطوط التاريخية …. فتغيير الحداث التاريخ يخرج بك من الادب التاريخي الى الفانتازيا. تخيل قصة تحدث في مصر في ستينات القرن العشرين لكن مصر لا يحكمها عبد الناصر ولا ثورة يوليو!! هنا تخرج من الحكي التاريخي الى فنتازيا (ماذا لو) أو الفانتازيا التاريخية.
ومن ناحية أخرى لو التزمت تماما بالسرد التاريخي، فانت هنا لا تكتب قصة بل كتاب تاريخ صرف مكرر…
عبقرية الادب تكمن في الالتزام بالخط الزمني مع ابتكار شخصيات وتفاصيل تعمل على إثراء القصة دون الإخلال بالحوادث الرئيسية … فالأدب يقوم على الانتخاب، وتجسيد المتخيل، وطرح السؤال، وهتك سر الأسطورة، ونحت أشخاص يأتون دائماً عبر الذاكرة والخيال، وفق فضاء السرد الأدبي من صنع الكاتب.
ربما اتفق التاريخ والأدب في اشتراكهما في الخطاب الثقافي والأيديولوجي، لكن يظل اختلافهما الأساسي في الشكل وطرق المعالجة والبناء والاستبصار، وفي النهاية يظل الأدب ينظر إلى التاريخ باعتباره مادة خاماً يمكن الاستفادة منها لتجسيد عمل أدبي متخيل، والدليل على ذلك تلك الروايات التي أبدعت وكان التاريخ مادتها…. ولنا امثله عديدة على ذلك واذكر منها على سبيل المثال رواية (الزيني بركات) للأديب الكبير لجمال الغيطاني. و(اسم الوردة) لألبرتو إيكو …

وأخيرا. لتكتب قصة تاريخية جيدة، فلتتكئ على التاريخ قليلا بينما يغوص قلمك داخل الصراعات البشرية الشديدة الخصوصية … فالاعتماد الكامل على التاريخ ينتج قصة سردية جامدة بينما إهماله تماما يخرج لنا قصة فانتازيِّة ليس لها علاقة بالأدب التاريخي ….

فقط تخيل أنك انتقلت لنقطة تاريخية ما بآلة الزمن … ستجد أكثر ما يهمك هو كيف يعيش البشر في ذلك الزمان .. تفاصيل الحياة وصراعتها ، كيف يحبون ويكرهون … ماذا يأكلون أو يلبسون .. كيف يتخاصمون أو يتقاتلون …وكيف يتعاملون مع الأحداث في زمانهم …

تذكر ..اركب آلتك الزمنية، و اتكئ خفيفا على التاريخ … واختر نقطة داخل مساره … واستمتع وامتع قارئك بالتجول في نفوس البشر وأفراحهم وآلامهم….. وصراعاتهم …

تعليقات على فيسبوك