يوميات طبيب فى الأرياف

       - ٣ - ولادة طبيعية

اليوم الثانى لى فى عيادة الكفر
رغم ما أحسست به من مهانة من المذيع الذى ربط إسمى بالبطة السمرة …
إلا أنه كان لابد من مزيد من الوقار والإحترام لوضعى الجديد كطبيب القرية الأول …. (والأخير)
ارتديت بدلتى الفرنساوى البييركاردان .. أحكمت رباط الكرافات السيلكا
مسحت ماتخيلته ترابا على حذائى الايطالى
أمسكت بيدى الحقيبة السامسونايت
وصلت القرية عصرا …
مشيت متسللا إلى العيادة واتخذت طريقا ملتويا بين البيوت المتلاصقة ..
خوفا من أن يصل الخبر إلى المذيع
جلست إلى مكتبى حامدا الله أن خبر وصولى لم يصل إليه
دقائق وسمعت نحنحة المذيع ثم بدء الاعلان عن وصول الضقطور والنداء بحرقة على البطة الضايعة ام شريط اصفر
وللكثيرين الذين سألوا عن مصير البطة فقد وجدوها بعد ثلاث ايام ولولا ذلك لارتبطنا سويا إلى الأبد
سمعت جلبة خارج العيادة و اندفع مجموعة من الرجال إلى داخل العيادة يستغيثون…

  • الحقنا يا دكتور حالة ولادة متعسرة
    استقبلتهم بمزيج من الفرح والخوف
    خلعت البالطو و ارتديت الجاكيت … أصلحت رباط عنقى …
    حملت حقيبتى و سرت معهم …
    رغم عملى كثيرا بقسم النسا والتوليد … حتى إننى أجريت العديد من القيصريات … إلا أن القلق كان ينتابنى حول حالة المريضة …
    أخذت افكر كيف ساولدها على السرير؟هل ممكن اطلب منهم عدة مراتب حتى يرتفع السرير و يصبح مثل ترابيزة العمليات …
    كيف ساعقم الالات؟
    أخيرا وصلت المنزل وادخلونى إلى المريضة
    أحيط بى …
    وجدت نفسى فى مكان واسع عرفت أنه الجرن…
    القش مفروش على الأرض … والمريضة تكاد تغوص بداخله ..
    هضبة عظيمة منحنية أمام المريضة تحجب غالب جسدها عنى
  • هى هى دى أم فتحى الداية .. هى هى
    نظرت خلفى للصوت المسرسع والضحكات المتتالية بين كل كلمة والأخرى ..
    حاجة كبيرة السن بيضاء مربربة يهتز جسدها كله مع كل ضحكة … عرفت اسمها من نداء الجميع لها … خاتمشافعى
    فهمت بعدها أن اسمها هو إضغام لكلمات خالتى أم شافعى
    كانت نساء البلد كلهن فى الجرن حولى … أو هكذا خيل إلى …
    دارت الدنيا بى …
    وقفت ذاهلا مما أراه حولى …
    لم أفق إلا على صرخة الهضبة أو الداية أم فتحى …
  • الحقنى يا دكتور
    الحاجة الطيبة خاتمشافعى ربتت على كتفى بقوة. …
    ياللا ياللا يا دكتور إتوكل على الله
    مدت يداها وبحزم خلعت عنى الجاكيت … وضعته على كتفها
  • ماتخافش سيبهولى ها شيلهولك
    خلعت حذائي لأستطيع الجلوس على الارض أمام المريضة … وإذا بخاتمشافعى تأخذ الحذاء بعيدا
    أخذت افحص المريضة وعلقت لها محلول وبعض الحقن فيه حتى اشتد الطلق وبدات الولادة
    أخذ صراخ المرأة يشتد .. والكل يطالبها بالحذق … إحذئى يا زينب ما تضيعيش الحذق فى الصريخ
    سمعت زعيق الحاجة الطيبة خاتمشافعى …
  • حطى الخرقة دى فى بقك وعضى عليها واحزقى
    لمحت الخرقة اللى بتعض عليها وتحزق .. شكلها مش غريب عليا !!!
    بدأ شعر الطفل فى الظهور ..
    مددت يداى لأتلقى رأس الطفل
    وإذا بضربة كوع فى صدرى تبعدنى عن مجرى الأحداث ..
    أم فتحى الداية مادة ذراعيها من تحت أرجل زينب تحاول استقبال الطفل
    كان كل تركيزى على الطفل إللى كان على وشك النزول…
    وفجاة….وجدت الهضبة أم فتحى فى حجرى … جالسة على ركبتى المثنيتين
    قاطعة الطريق بينى وبين الطفل الذى لم أعد أراه وإنما أصبحت الآن أسمعه ..
    فقد نزل على يديها
    نزعت ركبتى بصعوبة من تحتها وتركتها تكمل الولادة …
    كنت قلقا على الام فتحركت على ركبتى لاقيس نبضها وضغطها
    وجدت الحاجة الطيبة خاتمشافعى تمسح عرق الأم بالكم النظيف من الخرقة فقد ابتل الكم الآخر من العض عليه
    اطمأنيت على الأم والطفل وأخذت من الحاجة الطيبة الخرقة التى كانت جاكيت بيير كاردان
  • هى هى هى … والنبى ما حد ملبسك الزاكطة غيرى
    لم أدر كيف لبست هذه الزاكطة ولا كيف كان شكلها
    بحثت عن حذائى الايطالى .. لم أجد أى أحذية فى العنبر .. أقصد الجرن
    نظرت لصديقتى … فهمت وهتفت:
  • حالا أجيبهالك هىهىهى
    دقائق وأتت من الخارج وبيديها شئ أشبه بقالبى طوب لبن وبداخل كل طوبة فتحة
  • إيه ده يا حاجة ؟؟
  • هى هى هى … معلش العيال كانوا لابسينها يعدوا بيها الشارع …
    أصل الشارع كله طين…هى هى هى هى
    حاولت تكسير بعض الطين المحيط بحذاء كنت صباحا أزيل عنه ماتخيلته غبارا
    بحركة لا إرادية حاولت ضبط رباط العنق .. وجدت الكرافات السيلكا تشبه السلك بالفعل فقد أمسكت بها الوالدة وهى تعانى آلام المخاض

أتى إلى والد المولود … مكرمشا بيده جنيهان ونصف … معلش هاعوضهالك الولادة الجاية
ضحكت وربتت على كتفه قائلا له اعطهم لأم فتحى الداية ..
انصرفت سعيدا … رغم كل ما لاقيت
سعيد بنجاة الأم
سعيد بسلامة المولود
سعيدحتى بفرحة أم فتحى
انصرفت أحمل قدماى بصعوبة …
لا أذكر إن كانت من ثقل قالبى الطوب بقدمى ؟
أم أنها الأعصاب المثقلة بالأحداث الماضية؟
ما أدركت قدر ما أصابنى حتى دخلت منزل والدى ..
ووجدت أمى تصرخ بلوعة عندما رأتنى …
محماااد …إنت عملت حادثة ؟؟

يتبع

تعليقات على فيسبوك