“في الحرب يكفيك أشياء صغيرة للأمل , تعاطف عسكري على حاجز , حاجز غير مزدحم , سقوط قذيفة بعد مئات الأمتار عنك على سيارة كانت تزاحمك على أخذ دورك .. حياة جديدة منحتك إياها الصدفة، لو لم تزاحمك هذه السيارة لسقطت القذيفة عليك , هكذا يفكر البشر الذين يعيشون تحت سقف الأمنيات الواطئ في الحرب.”


عن ماذا يدون إن لم يدون عن الحرب من عاشها ؟
وكيف يكون الكاتب كاتباً حقاً.. إن لم يكن لبلاده وعرقه بمثابة الذاكرة..؟.

الموت عمل شاق، والكتابة عن الموت عمل شاق أيضاً.
و #خالد_خليفة كان واضحاً ومباشراً من العنوان للمدلول الروائي، رواية ترشح دماً ونار، والموت هو بطل العمل الأوحد منذ السطر الأول.

تبدأ الرواية في فصلها الأول بأمنية غالية ” فقط لو كنت كيس كمون” …. كيس الكمون يعيش أفضل منك عندما يكون جسدك وهويتك ومكان ولادتك وديانتك لعنة.. كيس الكمون لا يحمل في بطاقة هويته خطايا عائلتك وهفواتهم.. من قال أننا لا نحمل وزر وخطايا غيرنا ؟! .. نحن نظل لآخر أيامنا نحمل في دمائنا أوزار كل من يحمل نفس الدم ونحاسب علي هذا عند كل “كمين” وكل “نقطة حراسة” وكل “مطار وحدود”.


“إن مرور جنازة كان يثير تعاطف الجميع أيام السلم، السيّارات تفسح الطريق، المارة يتوقفون وفي عيونهم تعاطف حقيقي، لكن في الحرب مرور جنازة حدث عادي لا يثير أي شيئ سوى حسد الأحياء الذين تحولت حياتهم إلى انتظار مؤلم للموت.”


“نبيل” و” حسين” و”فاطمة” وجثة ” عبداللطيف” والدهم، في ميكروباص علي الطريق لتنفيذ وصية والدهم الذي يرغب في أن يدفن في مسقط رأسه في قرية علي بعد 250 كم عن العاصمة.
مسافة تستغرق ساعات قليلة ، لولا الحرب لولا الثورة فاستغرقت ثلاثة أيام كاملة.


“الجثث غالباً لا تعنيها الأمكنة”.


في الطريق يعيش كل واحد من الثلاثة أشقاء داخل نفسه يعيد تفنيد واقعه وحاضره وماضيه،بالتوازي مع استحضار واقع البلاد وماضيها، وينظر كل منهم إلى مستقبله الغائم المبهم، علي خلفية من لجان الطريق العسكرية والثورية وتبادل النيران وجثث نافقة وقرى خاوية وتصاحبهم في ذكرياتها جثة أبيهم. تروي هي الأخرى ذكرياتها وماضيها.


“يوم الولادة، يوم الزواج، ويوم الموت، وما بينهما برزخ يجب عبوره بأقل قدر من المشاكل”


لم يفلح أي منهم فيما كان يطمح لنفسه ويريد.
كلهم جميعاً عاشوا كذبة (وان اختلفت الكذبات ) وانغمسوا بها وصدقوها وأوان تصحيح الأخطاء كان قد ولى وذهب. كلهم خسر معاركه مع الحياة. والجثة ليست بأفضل حالا منهم.
عبداللطيف الوالد الثائر لم يكن بذلك الصدق الذي ادعاه لم يناصر أخته ” ليلى ” الصرخة الحقة والروح النقية الحقة الوحيدة بتلك الرواية.
لم ينصف ولده.. كل ما ادعاه فعل عكسه .. حتى زواجه الذي كان يتحاكى الناس بمثاليته لم يكن بتلك المثالية .. حياته التي قضاها كانت محض ادعاء.
نحن جميعاً هكذا نمجد الصور ونمجد الإدعاء، وإن لم يكن بإرادتنا فليكن إجباراً وغصبا.


“الحياة في أزمنة العار والصمت الذي عاشوه سنوات طويلة يجري الآن دفع ثمنها، الجميع سيدفعون الثمن، الجلاد والضحية. تصحيح خطأ الحياة المنافقة قد يكون ثقيلاً إلا أنه لا بد منه في النهاية”

“من الصعب اكتشاف أنّك عبارة عن وهم، تحسّب نفسك بعيداً عن قوّة الكتلة الجماهيرية وبطشها، في النهاية تكتشف وهم فرديّتك المتميزة، وما أنت إلا حذاء قديم يسير وسط الحشود”.


تستمر رحلة الأبناء لتنفيذ الوصية رغم ما يلاقوه في الطريق من تعنتات وعراقيل فهم يشقون طريقهم وسط النيران حرفيا لا مجازا… تتحول الجثة تدريجياً من جسد الوالد الحبيب لمجرد جيفة نتنة لا يطيقونها ويرغبون في التخلص منها في أسرع وقت ونقول ليتهم يصلون لقريتهم سريعاً.. فالموت أصبح شاق ولا يطاق من مات .
في روايته #ميتتانلرجلواحد يقول #أمادو علي لسان بطله الميت
“سأدفن كما اشتهي
في الساعة التي أشتهي “
وهو أيضاً ما فعله “عبد اللطيف ” في تلك الرواية.
كان التشابه بين الحالتين يرافقني طوال مدة قرائتي.


طوال صفحات الرواية تتحول مشاعرك معهم من الحزن المصاحب لموت أب إلى ألفة الموت ورفقته فالإعتياد فالنفور … تدريجياً تقبل حقيقة أن الموت عبء على الاحياء ورفاهية إن كانت الحياة تسكنها كل تلك القسوة والألام.


الكاتب ورمزيته … هل هي حقاً رواية عن أسرة سورية وقت الحرب أم ان للاسماء دلالات أخرى ؟
الأمر متروك للقارئ في كلتا الحالتين الأمر متروك للقاريء .. لك ان تري ليلى التي أشعلت النار بنفسها بفستان عرسها رمزا .. ولك أن تراها مجرد فتاة أخرى ظلمها ذويها كما تظلم كل يوم ألف فتاة أخرى .
لك أن تري نفسك في نبيل او حسين او فاطمة او لميا او نيفين او عبداللطيف .
ولك أن ترى كل منهم رمز.


اقتباسات:

🌼”من الصعب رؤية خوائك بعد نصف قرن من الوهم. تعود كتلة متفسخة تنبعث منك روائح بشعة و تتناسل الديدان من خاصرتك. التفسخ إهانة حقيقية للجسد و ليس الموت. الأن فهم معنى تكفين الجسد قبل الموت. إنها اللحظة الأخيرة للكرامة قبل الإهانة و الصورة الأخيرة التي يجب احتفاظ الأحبّة بها قبل الزوال.”
🌼”أسوأ مافي الحرب تناسل الأفعال الغرائبية، وتحول القصص المأساوية إلى حدث عادي.”

🌼”الموت واحد في كل الأوقات إلا إنه عبء ثقيل على الأحياء أحياناً.”
🌼”غالباً تشبه الصورة الأخيرة صورة الولادة الأولى”

🌼”كل الذين يفقدون كبرياءهم يصبحون بخلاء وأكثر عنجهية ، تخبو عيونهم وتتراكم الأحقاد داخلهم.”
🌼”ممارسة السخافة هي دوماً جزء من هالة النفوذ”
🌼”يزداد خوفه كلما تذكر ان البشر مجموعة وثائق”
🌼”الموت الذي لا يراكم غضباً لم يعد يعول عليه.”
🌼”لا يجرؤ على الاعتراف بأن الحياة هي مجموعة افعال تافهة لابد ستنتهي.”
🌼” لحظة المكاشفة في الحب تشبه باقة ورد تطفو علي صفحة نهر لابد التقاطها في الوقت المناسب”.

🌼”المعنى الحقيقي للحب هو ما نفقده لا ما نعيشه.”
🌼”حين تمضي الحياة لا تفيد الذكريات سوى في نبش مزيد من الألم .”


إن أردت قراءة تلك الرواية فيجب أن تجهز نفسك لجرعة مكثفة من الألم.
تقييم 4.5 /5

تعليقات على فيسبوك