نعمه العبادي

متخم تاريخ الانسانية بالكوارث والحروب والأوبئة والفواجع التي رسمت على وجهها الكثير من الآثار والندوب (المادية والمعنوية) والتي لا يزال الكثير منها ماثلاً بصورته أو بأثره إلى لحظتنا الحاضرة إلا أنها لم تمر بلحظة قاتمة بكل خصوصياتها كما نعيشه منذ شهور في ظل زلزال كورونا البغيض، إذ نزع العالم قدميه طوعاً وترجل عن الحياة التي كان مندفعاً تجاهها إلى الدرجة التي لم يبق فيها إلا القليل من (الخاص) صامداً أمام رغبة الانتشار في (العام) والتواجد فيه، فأنكمش كل شيء حتى ضاقت الزوايا الحادة بكثرة ما انحشر فيها من تراجع طوعي لاذت به البشرية خشية الفايروس الغريب وآثاره.

بعيداً عن الاستغراق في قصة كورونا المبهمة، ومسيرتها المخيفة، وأسرارها المطلسمة، وحاضرها المقلق، ومستقبلها المريب، وبعيداً عن الآثار الصحية والاقتصادية والامنية بل وحتى السياسية، نركز هنا على احد اهم التداعيات التي تسري فينا وبيننا بشكل خفي وبصوت خافت وهي تعيد تشكيل حياة الافراد والمجتمعات ضمن نسقي (الخاص) و (العام)، وتشكل صورة جديدة (نفسية واجتماعية وثقافية) قائمة على فكرة الاحساس بالخطر القريب وضرورة الابتعاد عنه، كما انها تعيد تصنيف (الآمن والخطير) في صياغة مدمجة ينخرط فيها الجميع دون إلتفات.

تختلف هذه الاعادة في اثرها من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى بحسب مديات الخاص والعام في كل مجتمع، لكنها في كل حال، قدمت قائمة ضرورات وأفضليات مختلفة عما سبق، ودفعت باتجاه فكرة البدائل المتاحة، بل شكلت اشكالاً جديدة لجوهر ومظهر الحياة من (غرفة النوم) وحتى (المتنزهات والاسواق) مروراً بمحلات (العمل).

تغلب الشعور بالخوف والخطر من انتقال العدوى على الرغبة الجامحة والحاجة الاكيدة للإتصال في ظل (الخاص) حتى وصلت النوبة إلى درجة يدور الاولاد والاحبة على جنازة اكثر المقربين لهم دون أن يتجرأوا على لمسها، وهكذا سرى الامر إلى العناق والتقبيل والاقتراب وكل ما يشكل اتصالاً حسياً ولو مع الاطفال والحبيب والزوج والآباء فضلاً عن الغرباء، والخطير في الامر، أن احساس ضرورة التباعد والتوقي تجاوز حدود كونه سلوكاً ميكانيكياً ظاهرياً إلى كونه حالة راسخة تكاد تصبح النفوس مجبولة عليه، ومع هذا الانجبال، يختفي أو على الاقل يهفت ذلك الوجد الذي يهمس في النفس (حاجة ورغبة) بهذا القرب بمختلف اشكاله، وطرح الاشارة البعيدة والصوت والكتابة كبديل يتحرك في منطقة تعويض مختلفة، يتصور الكثير (جهلاً) انها تحقق نفس المردودات التي تحققها عملية المس والتماس، فهؤلاء لا يدركون أن احد اسرار المس هي تسريب شحنات الغضب والزعل والخصومة، فقد ورد في الرواية: (أن الرحم اذا مست هدأت).

اضافت كورونا في صياغتها الجديدة قوساً اكثر حصراً لذواتنا التي تطوقها انانيتها بدرجات متفاوتة، فعمقت الذاتي بشكل يكاد يرقى ان يصبح (عالماً مكتفياً) أو على الاقل (عالماً مقطوع الامان)، ومع هذا التغير، تراجعت قائمة اهمية الكثير من الاخطار الصحية والنفسية التقليدية رغم ان بعضها في الواقع اكثر خطورة من كورونا، لكن المدى المبهم الذي يتحرك فيه هذا الزلزال، جعله يستولي بشكل كبير على كل المساحة، ويقف في اول الصف ضمن قائمة القلق والاهتمام.

في اتجاه آخر، اكتشف الكثير، أن ذواتهم يمكن ان تعيش بشكل طبيعي نسبياً بدون ان تكون منخرطة كل الوقت في هرج العام وابتذاله وحتى كلفته، وهكذا تم اكتشاف الكثير الذي غاب في لحظات الانخراط في ضجيج رغبة المشاركة في الفضاء العام والتواجد فيه.
هل تخلق منا كورونا أشخاصاً إنطوائيين منغلقين على ذواتنا، نفضل الوحدة والابتعاد، ونستغني بذواتنا عن الآخرين مهما كانوا، أم تنتصر رغبتنا في الاتصال والاندماج والتواجد المكثف ضمن الفضاء العام؟ وهل تصبح ثقافة الوقاية بمثابة قيد نفسي ترتب مديات القرب والبعد متغلبة على حرارة الاشتياق ولذة الاشتهاء وحاجة الاشباع أم نفك قيود هذا الاسر البغيض، ونعود للإرتماء في حضن الوصل لنستشعر انسانيتنا بشكل اعمق واكبر؟ وهل وصلت البدائل التي خلقها حصار كورونا إلى درجة الاقناع والرضا، بحيث يتم رسم مسار حياتنا مع هذا النمط الجديد من الحياة؟

اسئلة كثيرة يفتحها هذا النقاش تحتاج إلى الكثير من التتبع والاستقصاء والتفكير العميق ومتابعة المتشابه والمختلف ورصد حاذق ومحيط، يقدم اجابات مناسبة، تشكل خارطة طريق مستقبلية.

وإذا كان هذا الحال في الفضاء الخاص، فإن اعادة الصياغة في الفضاء العام اكبر اثراً، واشد وطئة، فقد طالت الضرورة الجديدة كل ما هو عام ومشارك ومكتظ وبعثرت كل هذه الصور المحتشدة، لتخلق احتفاء رمزياً يقوم على اساس اقل عدد من التواجد كما هو الحال في الاحتفالات والاعراس والمناسبات والمسابقات بل وحتى المواسم الانتخابية.

تكمن المشكلة في ان مخرجات (زحام العام) أمر مطلوب في اكثر من قضية، وتتزايد قدرة الانجاز فيها كلما زاد الزحام والاكتظاظ كما هو الحال في المواسم الانتخابية والمسابقات الرياضية والعروض السينمائية والاحتفالات العامة، وهو امر لا تزال البدائل القائمة على التقليص والالغاء، لا تقدم اجوبة مناسبة لصيغ الانحاز المطلوبة.

في سياق آخر صعد نجم (الفضاء العام الافتراضي) بشكل تماهى معه حتى الذين كانوا يحاربون بشراسة (قبل كورونا) فكرة التواجد الطويل والكثيف ضمن الفضاء الافتراضي، واصبح بديلاً تعويضياً لنقص الخاص والعام بدرجة ما.
يميز العراق وجود فعاليات مخصوصة بشكلها ومضمونها ضمن الفضاء العام، وتشكل هذا الفعليات مكانة مادية ومعنوية تتجاوز حدود عناوينها الظاهرية، وقد افتخر الكثير من العراقيين بثباتهم واصرارهم على ابقاء هذه المناسبات حاضرة في الفضاء العام رغم اصرار عوامل كثيرة في مقدمتها السلطات الظالمة على طمس وتغييب هذه الممارسات والمتمثلة بالشعائر والطقوس الحسينية وفي مقدمتها احياء مجالس عاشوراء والزيارات الى كربلاء، وفي ظل هذه الصياغة الجديدة للفضاء العام، لا تزال الاجابات مجهولة تجاه ما ينبغي فعله وعلى اي شكل بالضبط ما يناسب عملية الاحياء وبالشكل الذي يقدم معادلاً مقبولاً، يتم التصالح معه (نفسياً وعقائدياً).

اعتقد ان الامر فيما يتصل بالحسين وشؤونه يتجاوز حدود الفتوى الصحية والشرعية والقانونية، إذ يحتاج إلى مقاربة نفسية مقنعة وملهمة بدرجة مناسبة، يجد المؤمنون عميقاً بهذا الحب (أنفسهم) في صورة مرضية من الاستجابة لشغف التعبير وفي ذات الوقت مبتعدين بالقدر المعقول عن الخطر، وهو امر تتزايد اهميته، كلما اقتربت اجراس عاشوراء ان تدق، والتي لم يفصلنا عنها إلا بضعة أيام.

تعليقات على فيسبوك