نشر الكاتب أسامة الرحيمي على صفحته على فيس بوك :

اشهد يا عَرْشْ المندرة!!

كان الغناء وقتها يخرج من القلوب، لا الحناجر وحدها!
يُحلِّق صافياً بهيَّاً ويتماهى على مهلٍ في فضاء الحقول
يمتد لشهر، أو شهرين قبل مواقيت الأفراح
يلمّ بنات القرية يوميًّا ليغنين ويرقصن على إيقاعات باهرة!

وجوههن لفحها قيظ الصيف الجافي
واخشوشنت أيديهن من كثرة العمل
لكن قلوبهن الطرية كانت تخفق طرباً وانتشاء بحلم (العَدَل)!

اشهد يا عرش الأُووضااااااا…
جاي لك عروسة مُووضاااااا…

طيلة النهار يَنْحَنِينَ بدأب في الحقول
يتنقلن من مشقة إلى أخرى بلا كلل في البيوت
بعضهن يعملن بالأجرة لدى الأغنياء
يتلقين التحرش في خفاء الغيطان بمرونة مذهلة
ويبتلعن المهانة في صمت (اللي غصبك ع المر)!
فقط. يُمنّين أنفسهن بمتعة الغناء آخر النهار
ويروّحن عن أرواحهن بالرقص. لينفضن بصمات المذلة العالقة
ويمسحن بقايا الصهد والمكابدة عن أجسادهن المجهدة!

اشهد يا عرش المندرة
جاي لك عروسة منورة
اشهد يا عرش المندرة
جاي لك عروسة مغندرة

يلتئمن يوميًّا بإخلاص في أحواش الدور المفتوحة
وتشاركهن الأمهات والجدات من وقت لآخر
فيضفين على غنائهن مشروعية كبرى
ويضاعفن حماسهن ويمنحن انطلاقهن مشروعية مضاعفة

لكن الأجساد الخجلَىَ لم تكن تشتعل إلا بظهور الجِدعان
يُرعدها شرر النشوة فتمتد أياديهن إلى الُطرَحِ لتُحيلها أحزمة حول خصورهن
ذات الخصور التي قصمها الانحناء في الحقول
يمنحها الحزام تأوَّدا لا يخلو من حياء
ويضربن خِفية على عروق الدلال
فلا تخفي ملابسهن الواسعة المكشكشة لُدُونة أعوادهن المدّخرة لتلك اللحظات المنفلتة

فيستبين الشوق الكامن خلف خشونة الظاهر
تتوهج الوجوه بخفر الأنوثة.. وتلتهب الأكف بالتصفيق
وتستضئ الحلقة بابتسامات مشرقة

بس الوله يِجِيِ
بس الوله يِيِجِيِيِ
يجي ع المحطة ييجي
وادبحله بطِّتنا بس ييجي

ويهل الجدعان يتقدمهم الحياء الرجولي
يشاركون التصفيق بتردد وهم يتلفتون
كل يبحث عن مآل فكره ومناط هواه
بعد قليل. يتحزم أحد الوسماء بتلفيحته ليراقص فتاته
يعرفون جميعًا في صمت أن ولهاً مشبوبا يربط قلبيهما
لا أحد يبوح. فالكامن طيّ المسكوت أكبر من دونه بكثير
وثمّة همس جاد عن عراقيل اجتماعية تعاند العِشق والصبابة
كانت حلقات الفرح هذه الاستثناء الوحيد من ذلك التشدد الاجتماعي
لذا. تكون رقصة المُحبِّين محطّ التهليل والتواطؤ الجماعي
فالضمائر الرحيمة تخالف العادات القاسية ولا ترضى بكسر القلوب

وباقتراب يوم الحِنَّة تصَّاعد منافسات المُحبين
يشعلون الحلقات بهجة وألقاً، والرقص يأخذ مداه
يفك أسر الأجساد من القيود والحياء
ويستحيل التصفيق حماسًا مرسلاً صوب الفضاء

يجي عند دارنا ييجي
وادبحله حمامنا ييجي
يجي ع التسريحة ييجي
واحطله ريحة ييجي

البنت المغبونة تُخلِّص جسدها من قيود الواقع، وتُجسِّد وجعها وشكواها بحركات أليمة، موحية..
متيمة هي بفتاها كما يعرف الجميع، وتريده.
والإرادة تلك كانت شرط المحبة المغدور في مجتمعنا!

ويعلن هو برقصةٍ رُجولية علانية أن قلبه منحاز وممسوس
يدعمه الفتيان والفتيات بأكفٍّ حامية، يؤكدون تأييدهم الصامت. وقلة حيلتهم!
تتعالى انفعالات جسديهما وتشتبك بفرحها ولوعتها بتعقيدات طبقية بائسة، يمارسها البسطاء بفجاجة على فتاة لا ذنب لها بأن أبويها تملِّية بالوسايا!
ومن لم يكن تمليَّاً آنذاك؟!
المبكي المضحك، أن أهل الحبيب كانوا أيضًا من التملّية
لكنهم امتلكوا بضع أفدنة إصلاح زراعي من بدايات يوليو

إذن. فليرقصا معا، ويُشهدا الجميع على فداحة الحرمان
ولمَّة الغناء كانت الفضاء العلني الوحيد لإشهاد الناس
ومستراح جسديهما المتاح لبث (الأشواق والأسى)!!

ادلع يا عريس يا بو لاسة نايلون
ادلع يا عريس وعروستك نايلون

كم كانت حلقات الفرح تلك مَظلَمَة للقلوب المصدومة وللتأييد الخفي اليائس!
وكانت مشتلاً لزهور برِّية طلعُها زاهٍ
تنفتَّح على نداءٍات متلهفة
رُمًان بازغ ينبُت، وأيادٍ مشتاقة تستطلع المدى
أنفاس لاهثة تتحسس مسارات النماء في أبدان مبذولة للشقاء وحده
وأرواح هائمة خلف توائمها تستبين مهابطها الآمنة
وعيون مدفوعة بهمس الطبيعة تبحث عن وليفٍ

وفي لمحةٍ وامضة يولد الولهْ ويتأجج لهيب الوجدان
وينخطف الوليفان إلى دوامة الغرام والترقب
يدوران في دهاليز الخوف ومفارم التخمين
فإما يخرجا إلى العلن بالرضا والقبول
أو يُخسف بهما إلى غيابات المسكوت عنه
فيلوذان بالتشبيب الصامت، ولسع كرابيج الحرمان الدامية!
أو يهربان إلى ملاذات الخفاء المُهدَّدة

ماشي ورااايا بعجلتوووه
الله الله
ماشي يطوح في رقبتوووه
الله الله
والنبي يامّه ما كلمتوووه
صايم رمضان وأنا فطّرته
الله الله

في مجتمعات انفلتت لتوها من عنف الوسايا المهيض
ولم تنعتق بعد من مظالم فادحة عانتها لعشرات قرون متصلة
ما تزال وطأة الجهل رابضة باطمئنان فوق الصدور
ورغم هذا كان الناس يعرفون كيف يستلُّون أفراحهم عَنوة من نِنِّيِ المواجع

ويهلّ يوم الحِنَّة المشهود
فتتقدم العروس المتدلّلة بنفسها لتراقص عريسها المتلهف
يختتمان كرنفالهما قبيل الزفاف
فلا يزايد عليهما أحد.. ويهلل لهما الجميع بصخب
يظهران تحويشة شوق عام انقضى بحركات مبهرة
يقدمان (بروفة جِنرَال) لمسرَّتْهِما الوشيكة
ترقّباها مُدّة محصولين، وسنة ثقيلة بالكدِّ والمكابدة

طلبناها من الصيف الماضي
وأبوها مكانشي راضي
وعلشانها بعنا الأراضي
الحلوة اللي كسبناها

ويقترب الزفاف أكثر، فيدنو الغناء من الإيحاءات الواضحة

يا حلاوتك يا استفندي يا بن عم البرتقان
يا حلاوتك وانت طارح في الجنينة في الأوان
عريسنا ف بيت أبووه..
أربعة بيلبسووه
وعروستنا تقول هاتووه..
دا وحشني من زمان

يقترب الجميع أكثر، ويستبقون الزمان بمناغشة ثنائية مفترضة بين العروس والعريس حين يصبحان في غرفة الزوجية:

يللِّي ع الترعة حوِّد ع المااالح
وشوف الحلوة اللي عودها سااارح

ثم يدخلون في الموضوع بصراحة نسبية، ليشجعوا العريسان على افتتاح تجربتهما بغنائية رائعة، مكاشفة لا تتورط في الإباحية، ولا تخلو من غمزات لطيفة

يللي على الترعاااا
هيييه
شعري بيوجعني
من إييه
من شدَّك فيه ليلة امباارح
يللي على الترعة حود ع الماالح

سِدري (صدري) بيوجعني
من إيييه
من مسكَّك ليه ليلة امبااارح

وينزلون (واحدة واحدة) من (الرأس إلى الرِجل) في أغنية عفيفة موحية مبهجة، تلهث فيها المخيّلة خلف تصورات بديعةمنقوصة، لا تكفي لإشعال المُجون المستهدف، فينتقلون إلى أغنية أوضح قليلاً في إيحاءاتها، ولا تخدش الحياء أيضًا، لتستثير خيال العروسان والحضور، ببهجة فريدة، ظاهرها الفرح الجماعي الصافي، وفي عمقها لذة كامنة تناغش أرواح الجميع، تخفُّفا من مشقَّات الحياة التي لا تهدأ

صوت فردي: حط إيييده على إيدي
جماعي: ما جاش النوم
فردي: حط بُووقُّوه على بُووقِّيّ
جماعي: ما جاش النوم

وينزلون (حِتّة حِتّة) إلى أن تصيح قائدة الغناء بصوت مفاجئ متلهف للذروة (ولاحظوا المسميات العجيبة)

صوت فردي جسور: حطوا عيسااا على موسااا
صوت جماعي فَرِح: إيجااا النوم.. إيجااا النوم

يهلل الجميع، ويتضاحكون على النوم الذي لا يأتي إلا بـ (موسى وعيسى)، في واحدة من تخريجات الغناء الشعبي الريفي التي عجزت عن استيعاب دلالاتها الحقيقية إلى الآن، أو سر ذلك الاشتقاق العجيب، ما ضاعف استغرابي من حِيَلِ المُخيّلة الشعبية في التوصل إلى صيغة للخروج من مأزق إباحي بعقدة فنية غامضة وفريدة.

وهذه الذروة الاستباقية، ليست نهاية الغناء الذي يصاحب العروسين إلى منزل الزوجية، فيقولون عند وصولهما أمام منزل العريس:

رشُّوا الشارع ميّااااه
عروسة الغالي جايّاااااه

وبعد وصولهم إلى غرفة الزوجية بدار عائلة العريس، ودخوله بها، ينتظر الجميع إشهار (منديل العفَّة)، ليطلقوا آخر أغاني الزفاف:

قولوا لابوها إن كان جعان يتعشاااا
وإن كان زعلان يحطوا في بُقُّه مقشاااا
ويردون بحماس أكبر:

يحيا أبوها وشنبوو
اللي ما حدش غلبوو

تلك المظاهر البهية اختفت تمامًا من حياتنا الآن، والفتيات اللاتي قدن هذا الغناء وصنعن تلك السعادة في مواجهة الشقاء بعضهن أصبحن مسنّات، ومنذ عقود مضت يعانين كل آلام الشيخوخة، وأغلبهن رحلن عن الحياة قبل أن يشاهدن الآلات الكهربائية الصاخبة في الأفراح المسخ، خاصة (الدي جي) الذي حلّ مكان أغانيهن، ومحا حكايات حبّهن، ورقصهن وضحكهن وشقائهن في الحقول من الوجود محواً.

والآلات التي تطلق أصواتا زائفة، تبُخّ أغان لا تعرف طريقها إلى قلوب تشبه الندى والصباح، واحترفت صناعة البهجة من أشواقها وأساها.
بهجة يعجز الجميع عن استعادتها، بعدما ابتلعها ضيم الزمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب «طباطيب العبر».
الغلاف إهداء من الفنان «أحمد اللبَّاد».

تعليقات على فيسبوك