أميرة مصطفى محمود

كاتبة وروائية مصرية

مسلسل النهاية

“من النور تبتدي الحياة”، عبارة أخيرة بمقدمة مميزة عميقة موجزة، لمسلسل مختلف يبدو اختلافه واضحا من اللقطة الأولى.
يشارك الفنان يوسف الشريف في الخارطة الدرامية الرمضانية الحالية بفكرةٍ مميزة كعادته وإن كانت تلك الأخيرة غير محسوبة على التميز وحسب وإنما تحسب كذلك على الجرأة وبُعد النظر!
وكانت الحلقة الأولى كفيلة بأن تنقل ملامح تلك الفكرة للمُشاهد بوضوح وإن كنت أراها هي البطل الأول لهذا العمل. وعلى الرغم من اجتهادات البعض في ربط تلك الفكرة وإنسابها، بالاقتباس، إلى السينما الغربية، وبغض النظر عن نفي أصحاب العمل لتلك التأويلات وتأكيدهم على مصريته، فلا يمكن النظر إلى تلك النوعية من الأعمال واعتبارها بعد الآن حصرا أو حكرا على الخيال الغربي، لأن تلك الأفكار لم تعد محصورة على الخيال العلمي بل تجاوزت الخيال إلى أرض الواقع وصار الذكاء الإصطناعي مصطلحا مألوفا واقعيا ملموسا على هذا الكوكب ومتاحا لكل أجناس السينمات. فهي فعليا قد تحررت من النظرة الخاصة الخيالية المستحيلة، إلى العامة المستقبلية المحتملة.
يظهر الديكور مدعما برؤية تكنولوجية متقدمة ملائمة ومتماشية مع الزمن الحديث وفق التصورات المستقبلية للطفرة التكنولوجية والتي كان أحدث ما وصلنا عنها هو الجيل الخامس، ولا أدري تحديدا عدد الأجيال التي قفزها التأليف والإخراج بالعمل. كما يتضح لنا فيما بعد مستوى متقدم جدا من الجرافيك!
وتعكس لنا الحلقة الأولى بشكل توضيحي غير مباشر، فضلا عن الجانب المبهر لتلك التكنولوجيا المستقبلية، جانبا آخر موازيا ومرعبا، أبرزه المخرج ببساطة بلقطة واحدة صامتة، حين قام البطل من سريره ليجد كل شيء معطل من حوله بلا كهرباء وبلا ماء وبلا حواسيب وخدمات صوتية آلية فورية، لمجرد أن نفدت شحنة مكعب الطاقة. ربما أراد أن يضع أمامنا، من أول وهلة قبل أن ننشرح برفاهية المستقبل، التكنولوجيا بصورتها الحقيقية وبوجهيها في آن واحد!
لا ينبغي أن ندع دسامة الفكرة وكثافة التفاصيل بالحلقة تشغلنا عن الأداء التمثيلي المتقن بخاصة بعض المشاهد المميزة. فعلى سبيل المثال، وبداية بالأداء الطبيعي الرائع للفنان المحترم يوسف الشريف بتلقائيته وانفعالاته غير المتكلفة، فضلا عن مساهمته الرائعة بفكرة المسلسل. ولا يمكن إغفال عبقرية النظرة، بالظهور الأول للفنان أحمد وفيق بما تعكسه من شر فضلا عن تعبيرات وجهه الهادئة التي تمثل ببراعة الوجه الرزين المسيطر الآمر للشر، فيما برع مساعده بملامحه المتجهمة وتعبيراته الصارمة، في تمثيل وجها آخر موازيا للشر. كذلك الأداء الطبيعي للفنانة ناهد السباعي خاصة في مشهد لها مع البطل بالشارع ولهجتها المتغيرة الواهنة الطبيعية كامرأة حامل بعد إرهاق المشي وهي تشير إلى وصول الأتوبيس. ولا ننسى البلاهة خفيفة الظل والأداء المرح لصبي الورشة “سعادة” كما التلقائية الظريفة للبائع الذي كان على الأغلب من هواة أكل البط المهجن على أي طائر والسلام!
أما عن الحوار على مدار الحلقة فكان معبرا بغير تطويل. ومن أبرع الحوارات ذلك الذي جرى ما بين زين وعم إبراهيم، ومن أكثر العبارات المؤثرة الصادقة التي قيلت فيه، تلك التي كانت على لسان الأخير حين أهدى ألبوما للصور إلى زين وقال أنه على مدار الحروب والهجرات التي عايشها، لم يجد أي ذكرى تصلح لتخليدها في ألبوم للصور.
ومن ضمن الجوانب المتقنة بالعمل هو البوستر الخاص بالمسلسل والذي يعكس صورة البطل بنصفيه البشري والآلي.
ولا نغفل روعة موسيقى التتر التي تحمل إلينا في بدايتها شيئا خفيا كأنه الصدى القادم من المستقبل البعيد. وكذلك بوستر التتر وإفراده لمساحة بارزة لشخصية عزيز بما ينم عن أهمية الدور أو الأثر الذي سوف يصنعه وهو للفنان المتميز عمرو عبد الجليل!
أما عن تصاميم الملابس فبدت الرسمية منها غريبة لكننا نتفهم ملائمتها لطبيعة ومركز تلك الشخصيات لكنني أتسائل عن لماذا لم يطرأ أي تغيير مقابل على ملابس البطل وسائر الشخصيات العادية إذ بدت ملابسهم عصرية أو بالأحرى رجعية بالنسبة إلى ذلك المستقبل. فكان من المتوقع أن يطرأ شيء من التغير العمومي على موضات وأنماط أزياء هكذا عصر!
في الحقيقة لم يقتصر الرعب الدرامي في تلك الحلقة على النظرة إلى الوجه الآخر القبيح للطفرة التكنولوجية والتطور والذكاء لاصطناعي وحسب، بل كان متمثلا كذلك على المستوى البشري حيث يؤكد العمل، على ما يبدو، على حقيقة مؤسفة بأن التطور التكنولوجي لا يخلو أبدا من وحشية وتدهور إنساني وإنحطاط بشري! فالإنسان بكل أسف حين يتطور، ينسى أن يرتقي.

وفي لفتة تناقضية ساخرة غير مباشرة، تعكس موقفا مشابها يكاد يكون مطابقا لآخر نعاصره، كان المخرج خرج علينا ببراعة وببساطة، بمشهدين واقعيين إلى حد كبير، أولهما كان مشهدا مذاعا على الشاشة قبالة البطل زين، يتكلم فيه من يبدو أنه أحد المسؤلين المنوطين بنفي وجود أي مشكلة أو إنسابها إلى المواطنين بشكل ما، قائلا أن نقطة واحدة من مكعب الطاقة تكفي ليوم ونقطتين ليسا إلا سفه..، في حين أن المشهد الثاني كان لزوجة البطل التي ركبت الحافلة ليملي عليها صوت آلي أن تضع نصف نقطة لرحلة الذهاب ونصف آخر، بقية النقطة، للعودة، وذلك بدوره يذكرنا بمشهد مماثل حد التطابق كان قام ببطولته وزيرٌ للتضامن الإجتماعي في الزمن المعاصر، مع اختلاف طفيف في الحوار لا المضمون، في حديثه الذي يبشِّر الذي بجيبه عدد لا داعي لذكره من الجنيهات بأنه قد تخطى خط الفقر بنجاح! ربما أراد المخرج بذلك أن يقول أن ثمة ثوابت لن تتغير على مر القرون والمسؤلين!

لكن السؤال الذي تثيره الحلقة ضمن محتواها المثير، هو ما دام ذلك المستقبل كان قد قام على جثمان دولة إسرائيل وأمريكا، فمن إذن صاحب يد الشر المهيمنة وقتذاك؟!
وجدير بالملاحظة والتأمل، ذلك المشهد ما بين صاحب الورشة والفتاة التي ذهبت إليه لشراء الأعضاء الآلية اللازمة لتصنيع الروبوت الخاص بها، وكانت تحاول اقناعه والتأثير عليه ليساعدها فأخرجت إليه من حقيبتها المكعب خاصتها وقالت بينما تستعطفه أن به ثمان نقاط هي كل ما تملك. يعكس لنا ذلك المشهد المهم استنتاجا منطقيا مروعا مرتبطا بالتصور الذي طرحه العمل حول إلغاء مبدأ العملات النقدية والاستعاضة عنها بمكعبات الطاقة كعملة موحدة، وما وراء تلك الفرضية من هدف خبيث غير مباشر هو ضمان السيطرة والتحكم في دخول ومدخرات الأفراد من خلال محدودية النقاط المسموح بها لكل فرد بواقع حصص محددة من النقاط تصرف لهم إلكترونيا في مواعيد محددة، وفي ذلك الطرح ما هو مطابقا لتصور ما كان تكلم عنه أحد الكتاب الغربيين، والمعروف باسم “هانجر جيم” ربما كانوا تعمدوا التطرق إليه عبر المسلسل أو كان محض توارد خواطر وتصورات!

وبذلك فقد استعرضت الحلقة ومهدت بذات الوقت للعديد من الجوانب الشائكة والقصص المثيرة التي نتوقع أن تتفاقم على مدار الحلقات القادمة!

تعليقات على فيسبوك