مشاعر منتهية

جاء إلي بخطوات بائسة و بنبرات حزينة، أخبرني أنه يشعر بالخزي و العار.. يشعر و كأنما اقترف نوعا من الخيانة، فقد أفرغ كل ما في قلبه من أحاسيس.. منذ زمن ليس بالبعيد، في الوقت الذي كنت أغدق عليه بكل ما أملك من مشاعر.. سلم نفسه لامرأة أخرى، سلبت أجمل ما في نفسه، في الوقت الذي كنت أخشى فيه فقدانه، و أبكي غيابه و أشتاقُه.. كان يمليها رقم رصيده و يهديها بطاقة المصرف خاصته، و بينما كنت أصف له الظلام الذي يولده غيابه في ليالي.. كان هو يضيء الشموع، و يعد الدقائق لقرع الطبول. كان ضحكة قلبي و أملي لعمر مقبل، فيما هو يخطط ليُلبسها تاج الحب و الإخلاص.. تركني بكلمة وداع، و لم يعلم أنها رحلت دون وداع، أفرَغت خزينتهُ.. كما أُفرغ قلبي منه. راح يبحث عن صديق عمره و رفيقه ليشكيَ همه.. لم يعلم أنه بدوره ملأ مصرفه و سلب عشيقته.. و تركا الوطن. فلمَا جاءني، لم يجدني كما أنا، لقد أفلست بدوري. و أعلنت حدادي. لقد اعتاد رؤيتي أذرف الدموع من أجله، دموع الحب و الاشتياق، اللوم و الاستياء. لكن عيناي جفت ونظرتي تغيرت، لم أعد كالسابق.. الأمر أشبه بأن ينتهي شغفك فجأة.. أن يتساوى بنظرك كل شيء، كل شيء دون استثناء.. فلا مجال لضجره مني بعد الآن، أو أن يتركني لبحر دموع الحزن و الفراق. حاول إيقاظي ذات ليلة، دون أن يراعي مشاعري المنتهية الصلاحية. ثارت عليه كبريائي و قلت له: كيف أمكنك إيقاظي و أنا لم أكتف من حلمي و من عيشتك أنا مكتفية. فلا تحاول فهمي كما لم تفعل من قبل. ظل صامتا كمن انحشر في زاوية ضيقة، لا سبيل للهروب منها. فعدت أجيب بدلا عنه.. كيف أنني لم أسأل نفسي يوما لماذا لم تقل لي ” كم أحبك؟” أو ” كم أنت جميلة؟”، ” كم اشتقت لك؟” كل هذا الكم كنت أجيب عليه دون أن أنتظر سؤالك.. سنوات و أنا أقول لك: ” كم أحبك” كنت أراك بعيون قلبي، كنت أقول لك ” كم أنت وسيم و جذاب”. كنت أراك بعيون الحياة الجميلة، بعيون الوفاء و الأغاني و الأشعار. كنت أشتاق لك حتى و أنت تغط في نوم عميق و أنت مستلق في الجهة الأخرى غير مبال بعطري الذي كنت أضعه من أجلك.. لقد فقدت حاسة الشم، لأنك كنت ثمل بعطر امرأة أخرى رخيصة، فقدت حاسة اللمس من كثرة مصافحتك للجنس اللطيف، لأنني فقط زوجة مقيدة بالية، لقد اعتقدت أنني فقدت صلاحيتي كامرأة جميلة جذابة.. لطالما كان حبي فضفاضا إلى حد غطى كل عيب فيك، أما حبك فقد كان ضيقا إلى حد لم تعد تنفع معك مساحيق التجميل و لا أدوات الزينة إلا و رأيتها صبيانية مني و تصغيرا لمكانتي، كنت أحبك بعيوبك، و كنت لحبي تعيب، فلا تحاول فهمي الآن كما تريد.. صعب عليك فهمي مهما حاولت ، فلو أردت روحي لملكتها يوم أهديتها لك. أما الآن ما عاد بإمكاني ذلك.. فقد فشلَتْ محاولتك الأنانية و فشلتُ أنا باسترداد روحي مرة ثانية.

سعاد حمو عمر – روائية من المغرب

تعليقات على فيسبوك