ضياء الجنابي
كاتب عراقي مقيم في بلجيكا *

تباينت آراء الباحثين الذين تناولوا مسرح خيال الظل، بين من يعتبره الجذر الحقيقي للمسرح العربي وأحد نتاجات الحضارة العربية، وبين من يعتبره دخيلاً عليها، ولسبر أغوار هذا التباين لابد من تسليط الضوء على المقطع الزمني الذي يمتد ما بين الفترة الواقعة بين النصف الثاني من القرن السابع وبداية القرن الثامن الهجريين الذي نشط فيه هذا الفن في الحياة العربية، ولكي نفهم بواعث حيوية هذا الفن آنذاك، لابد من تسليط الضوء على طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية، فضلاً عن الثقافية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأمة التي وصفت بالفترة المظلمة، ووصمت بمرحلة الانتكاسة الحضارية خصوصاً بعد استباحة بغداد على يد التتار بقيادة هولاكو عام 656 هجرية 1258 ميلادية.
وكان من أبرز ملامح تلك الانتكاسة الحضارية ضعف مكانة الشعر في الحياة العربية سياسياً واجتماعياً، وخفوت بريقه لأسباب عديدة، أهمها عدم اعتناء الحكام والسلاطين به كونهم ليسوا عرباً بالأساس، وهذا ما فسح المجال لظهور فنون أخرى غير الفنون الأدبية، مثل فن العمارة وفن الزخرفة والمنمنمات والخط العربي، وقد فقد الشعر على إثر ذلك حضوره الطاغي الذي كان يتمتع به في عصري الأُمويين والعباسيين، ورافق ذلك ميل الذائقة العامة إلى النصوص التي تستخدم اللغة النثرية المحكية باللهجات المحلية، وفي هذه الفترة برز نجم الشاعر محمد بن دانيال الموصلي المتوفى سنة 711 هجرية الموافق لسنة 1312 ميلادية، بعد فراره من مدينته الموصل وانتقاله عبر رحلة محفوفة بالمخاطر إلى مدينة القاهرة في عهد السلطان الظاهر بيبرس، وذلك عام 1267 ميلادية، وقد استطاع أن يرسي في القاهرة الركائز الأولية لكتابة “البابات” وهي النصوص التي يعتمد عليها مسرح خيال الظل، وهذا الفن المسرحي إذا جازت لنا التسمية محض عروض أدائية تتوفر فيها العناصر الأساسية للمسرح وفي مقدمتها المؤلف والمؤدي والمخرج وخشبة المسرح والجمهور.
ومما ساعد في ريادة محمد بن دانيال الموصلي لهذا الفن كونه لم يكن شاعراً مفلقاً وحسب، بل كاتباً برع في كتابته لنصوص مسرحيات خيال الظل، وأثبت قدرة فائقة في التمثيل والإخراج أيضاً، وكان ذا ثقافة موسوعية رصينة، وملكة نادرة في الفراسة والتحليل النفسي للشخصيات، ومعرفة عميقة بعلم التاريخ، وقد ألف كتاب “عقود النظام فيمن ولي في مصر من حكام”، بالإضافة إلى كونه طبيب عيون ماهر لم يتخلَ عن مهنته حتى وفاته، وقد وصلنا من أعماله “البابات” ثلاث مخطوطات مهمة هي “عجيب غريب” و”المتيم والضائع اليتيم” بالإضافة إلى “طيف الخيال” المحفوظة في دار الكتب المصرية في القاهرة، وهذه النصوص تعتبر من أقدم النصوص المسرحية العربية، ومن محاسن القدر أن بعض الدمى لازالت محفوظة في القسم الإسلامي في متحف برلين، ومن ضمنها دمى ابن دانيال التي كانت لها أسماء طريفة مثل “أبو العجب صاحب الجدي” “عجيب الدين الواعظ” و”عواد الشرماط” و”عسلية المعاجيني” و”ناتو السوداني” و”مبارك الفيال” و”أبو القطط” و”زغبر الكلبي” بالإضافة إلى بعض الدمى التي يعود تاريخها إلى العصر المملوكي.
إن مسرحيات خيال الظل التي كتبها ابن دانيال الموصلي بأسلوب تهكمي ساخر كان ينتقد بها الممارسات الخاطئة في عصره، وهي لا تخلو من الحكمة والظرافة، وكان يتجول بها في المقاهي وفي بعض الأعراس والمناسبات إضافة لقصور السلاطين والولاة، ولظرافتها كانت تعرض في المستشفيات أيضاً لتسلية المرضى والترويح عنهم، شريطة توفر منصة يتدلى منها ستار من قماش أبيض لكي “تنعكس عليه من الخلف ظلال عرائس من الورق المقوى أو الجلد المضغوط، وقد وضع خلف تلك العرائس مصباح يعكس ظلاً على الستار، والعرائس مكونة من أعضاء تتحرك بواسطة مفاصل، وقد علقت تلك العرائس واتصلت بها وبأجزائها المختلفة خيوط تتجمع في يد صاحب الخيال، وبفضلها يحرك تلك العرائس حسبما يشاء، وفقا لمقتضيات الحوار الذي يلقيه صاحب خيال الظل القابع خلف الستار، فيسمعه المشاهدون ويرون الصور المتحركة التي تصاحبه”، حسب ما ذكره محمد مندور في كتابه “المسرح النثري” الذي أكد من خلاله أن المسرح العربي لم يستمر ومسيرته تلكأت لكثرة تعرضه للصعوبات ومواجهته للكثير من المشاكل، الأمر الذي حال دون تبلوره كفن مستقل.
في المقابل هناك باحثون أكدوا على استمرار المسرح العربي لقرون طويلة قبل منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، الذي شهد تلاقحاً حضارياً مع معطيات الحضارة الغربية الحديثة، ومن بين أهم الباحثين في هذا المجال الدكتور علي الراعي المهتم بشكل مكثف بقضايا المسرح العربي، وقد تلمس في أبحاثه وجود بعض الإرهاصات المسرحية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ولكنها لم تجد ما يطورها لتكون فناً واضح المعالم حسب رأيه، في حين أن العصر العباسي قد شهد تقدماً ملحوظاً في هذا المضمار وإن المسلمين “قد عرفوا شكلا واحداً على الأقل من الأشكال المسرحية المعترف بها وهو مسرح خيال الظل”، وقد تناول المستشرق البروفسور جاكوب لانداو في الفصل الثالث من كتابه الموسوم (دراسات في المسرح العربي والسينما العربية) تاريخ مسرح خيال الظل في البلاد العربية وبداياته على يد بن دانيال الموصلي الذي بذل جهداً استثنائياً من خلال مسرحياته الثلاث التي كتبها، والتي لاقت قبولاً حسناً عند الناس.
ويمكننا اعتبار مسرح خيال الظل فن يرتبط بحبل سري مع المسرح الحديث كونه يعتمد على نفس العناصر التي يعتمد عليها المسرح الغنائي المعاصر المعتمدة على الشعر والموسيقى والغناء المتآلفة مع عناصر التمثيل الأخرى كالإضاءة والديكور والأزياء التي يؤالفها ويضبط إيقاعها المخرج ويشكلها في سياق فني مسرحي موحد، وتبرز في مسرح خيال الظل عناصر الموسيقى والغناء بحيث تحتوي عادة على بعض الأغاني العاطفية المناسبة لشد الجمهور وإمتاعه بالعرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
diya.aljanabi@yahoo.com *

تعليقات على فيسبوك