شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

فصل 11,12

فصل 13,14

15

على الرغم منها إلا أن سعادة عبير لم تكن كاملة في الايام التالية للقاءها مع اسلام , كانت واقعية وتعرف أن هذا التطور قد لا يكون في صالحهما بينما لا بد ان اسلام الآن غائص في أحلامه الوردية .

لا تعرف ما الذي دفعها للاستعانة به ولكنها رضخت لنداء داخلها , قبل هذا كانت تراه واقفًا ينتظر الركوب أو تلقاه في العربة التي تستقلها فكان اقصى ما تفعله هو التلويح له او مبادلته السلام , كانت واضحة معه منذ البداية ولكنها تعتقد الآن انها أفسدت هذا الوضوح ..

صحيح أنه لم يتصل بها منذ ذلك اللقاء إلا أنها تعلم أنه اخترق روحها في ذلك اللقاء كما اخترقت روحه , كذلك لن تنسى أنها استدعته فجاءها على الفور , وحتى مضى وتركها لم يشعرها قط أنه أتى رغمًا عنه رغم أنها لم تكن تتوقع الوصول له في ذلك التوقيت ..

على الرغم منها أخذت سعادتها في التناقص وحل محلها قلق كبير , ماذا لو تطورت الأمور عن هذا الحد ؟ ماذا لو عرف والدها بشخصيته العصبية أنها تعرف محاميًا وخرجت معه بل وتوافق عليه كزوجٍ لها , سيسبب هذا مشكلة كبيرة ..

صور عقل عبير لها أن نهاية العالم قد تقع إن حدث أمر كهذا ..

ورغم انها كانت تنهمك في عملها وسط المرضى لتنال ما تستطيع من خبرات , إلا أن اسلام كان يزورها في لحظات الصمت والفراغ التي تتخلل العمل , وقد قررت أن هذه مغامرة غير مأمونة العواقب ..

وجود زملاءها حولها وفيهم بعض أصدقاء الدراسة كان يجعل وقتها في المستشفى ممتعًا بالإضافة لأنها تعلم أنها هنا تلقى حالات تتيح لها التعلم لن تلقاها في أي مكان آخر ..

في عملها تلك الليلة أتاها هاتف اسلام , أجابته على الفور :

  • الو
  • الو , ازيك يا دكتورة ؟
  • مش قلنا خليها عبير ؟

يضحك اسلام في حرج :

  • مقصدش يعني , طيب ازيك يا عبير ؟
  • الحمد لله كويسة , ازيك انتا عامل ايه ؟
  • الحمد لله انا بخير برضه هيحصلي ايه يعني ؟ لو حصلي حاجة هجيلك ..

تقول ضاحكة :

  • مش هعالجك ساعتها ..
  • تقدري؟
  • لا طبعًا ..

تصمت الدكتورة عبير قليلا ويبادلها اسلام الصمت للحظة قبل أن تباغته :

  • اسلام انا مش عاوزاك تفهم ان اللي حصل في آخر مرة ده معناه ان كلامنا قبل كدا اتغير , انا حاسة اننا بنقرب من بعض وده مش كويس ..

يصمت اسلام للحظة قبل ان يقول :

  • وانا ما فهمتش حاجة من ده انا بكلمك اطمن عليكي عادي ..
  • انا آسفة والله مش قصدي اضايقك بس انا محبش اكون مدياك امل مش موجود ..

يقول اسلام :

  • متقوليش كدا , وانا عموما مش بغير حاجة من كلامي وهبقى سعيد لو لقيتي بني آدم ترتاحي معاه وعرفت انك اتخطبتي ..

تضحك هي , تقول :

  • ماشي , وانت مش هتخطب بقى ولا ايه ؟
  • يا ستي انا مستعد اتنازل واخطبك انتي في اي وقت , غير كدا ده مشروع مؤجل تلتميت سنة ان شاء الله
  • تلتميت سنة , ليه هتترهبن ؟
  • لا بس على ما اكون نفسي ..

يتبادلان الضحك , يسألها عن يومها وتسأله عن يومه , في النهاية يغلق المكالمة وهو يخبرها انه تحت امرها في اي وقت ان حدث اي شيء او لم يحدث ..

تفكر , أحيانًا تفكر أنها لو تزوجت طبيبًا أو موظفًا مهمًا فربما لا يستطيع ارضاءها كاسلام , بل غالبًا ستجد فيه غطرسة الوظيفة او احساسه بقيمته الذي قد ينعكس عليها سلبًا , لو تركت لخيالها العنان لرأت أنه الأنسب لها , ولكنها تطابق هذا على أرض الواقع فترى أنها لتفوز بها ستخسر أشخاصًا آخرين ..

تؤلمهما الفجوة بينها وبين الاسرة التي لا تتفهم طلباتها ونفسيتها , ما زال هناك جيل كامل من الآباء والأمهات يقرر لأبناءه , وبعضهم يورث هذا الحق الظالم لأبناءه أنفسهم !

تفكر هل ما قالته لاسلام صائب , لقد قالته على أي حال , تزفر في ضيق وتتوجه لتوقع الانصراف قبل أن تخرج , لتقف متفاجأة , على الجهة الأخرى تلمح ياسر السائق ينتظرها وينظرلها ..

_______________________

16

منذ أيام لا يجد اسلام في نفسه رغبة لدخول المكتب , يقضي وقته في مكتبه بالمنزل أو يخرج للقاء شخص أو معاينة قطعة أرض أو عقار , في الليل يجلس على أحد المقاهي التي يختارها , مع اصدقاءه اللذين لم ير أغلبهم منذ زمن ..

يشكو له الجميع من سوء هذه الأيام , تجار الحرير يشكون له كيف أن السوق صار مضروبًا وهناك من يستوردون الشغل الصيني لضرب الصناعة المحلية ونجحوا في هذا الى حد كبير وحولوا القرية التي كانت تربح كثيرًا الى صنايعية يعملون ليجدون ما يأكلونه ..

الصنايعية المختلفون من كهربائية وسباكون و نقاشون ونجارون ونجارون المسلح يشكون قلة العمل لوقوف الأسواق أو قلة المال الداخل بنسبة حادة عن ذي قبل .

ينصت اسلام لكل هذا ويسألهم الصبر , فهو لا يملك غيره , في تلك الليلة اختار أن يجلس مع صديقه صبري على مقهى داوود المقابل للملعب , يعرف الملعب بالبركة وذلك لأنه كان قديمًا بركة تتجمع فيها المياه قبل ان يتم ردمها وتخصيصها للشباب والرياضة ..

مقهى داوود يمكله الحاج حمدي ويديره ابناءه السيد ومحمد , في شبابه كان حمدي داوود أحد أبطال القوات المسلحة المصرية في حرب اكتوبر وأسره الاسرائيليون ومكث في الأسر أربعة اشهر قبل أن تسترده مصر في صفقة لتبادل الأسرى , يدخل اسلام المقهى ليجد صبري يجلس في المواجهة , يصافحه ويجذب مقعدا ليجلس مواجهته مبتسمًا فرحًا باللقاء ..

يتبادل معه حديث حول آخر القطع المميزة في العمل حيث كان صبري يعمل محاميًا ايضًا وشارك اسلام في بعض صفقات العقارات من قبل , يأتي أصدقاء آخرون ويتحول الحوار الى السياسة فيصمت اسلام ويتابع الآراء المتضادة ..

إذا كانت الثورة تحقق بحرية الكلام فقد نجحت نجاحًا ساحقًا إذ في أربعة أعوام تحول عشرات الملايين من الصمت التام للتعبير عن آراءهم بكل حرية ..

  • دي لعبة كبيرة امريكا واسرائيل مصدرينلنا الناس دي
  • يا عم امريكا ايه وزفت ايه بطلوا جو نظرية المؤامرة ده
  • طب انتا عندك تفسير تاني يعني للي بيحصل ؟
  • بيقولك بنزين العربيات بالبطاقة وهيرفعوا الدعم ..
  • المفروض الدعم يترفع من زمان اصلا ..
  • لو الاخوان كانوا هما اللي عملوا كدا كانوا قالوا بيسرقوا البلد
  • ده شغل تضليل يا قدري الاخوان دول معملوش اي حاجة عدلة ..

يشير اسلام لصبري ويأخذان وضعًا متقابلا على الطاولة بعد أن يجلبا لعبة الدومينو وينهمك في اللعب مع صديقه ..

لا تمر دقائق حتى يسود جو من الارتباك , تتوقف سيارتان كحليتان أمام المقهى ويهبط منهما عدد من العساكر اللذي يدخلون مباشرة الى المقهى والجميع ينظرون لهم لا يجرؤون على النهوض ..

دخل العساكر إلى داخل المقهى وبدأوا في تفتيش الجلوس , نهض اسلام معترضًا وهو يضرب يده في جيبه ليخرج محفظته ويبرز منها بطاقة نقابته , وأقبل على الأمناء المرافقين للعساكر :

  • ايه ايه بتعملوا ايه ؟ في ايه , الناس اللي قاعدة كلها هنا محترمة , انتوا يعني خلصتوا عالمجرمين في البلد ؟

قالها وهو يضع بطاقته أمام عيني الأمين الذي قال له :

  • ماشي يا أستاذ انتا محامي خلينا نشوف شغلنا , مهو ده عشان المجرمين اللي في البلد
  • انتوا تبع ايه اصلا ومين باعتكم هنا
  • تبع المركز يا استاذ وسع بقى الله يسهلك خلينا نشوف شغلنا ..
  • يا بيه اللي انتوا بتفتشهم دول اصحاب اراضي وناس محترمة اللي بعتكم هنا بيضيع وقتكوا.
  • انا ماليش دعوة اطلع كلم عمرو بيه في البوكس .
  • هوا عمرو بيه اللي برة ..

يتبادل اسلام مع صبري نظرة قصيرة قبل أن يخرج اسلام وينظر الى البوكس وقف على الباب يتطلع الى الامين في الداخل والضابط في الخارج , في النهاية اكتفي الأمين بتفتيش اثنين من الموجودين ولم يجد شيئًا فخرج وهو يأمر بقية الرجال باتباعه ..

لم يكادوا ينصرفون من أمامه حتى رفع هاتفه وعبث بالازرار ورفعه الى أذنه , بعد قليل هتف :

  • الو , ايوة يا معتز
  • الو
  • انتا فين ؟
  • في البيت وطالع , عايز حاجة ولا ايه ؟
  • طب خليك في البيت عمرو الرفاعي هنا في حملة وشكله مقضيها في البلد  , ما تطلعش خالص بقى ..
  • هطلع يا عم انا مبشيلش حاجة
  • افهم يا بهيم بتشيل ولا متشيلش ما تطلعش وخلاص ..

يتذمر معتز في النهاية ثم يرضخ لرغبة شقيقه , صحيح أنه لا يقيم وزنًا لأحد ولكن شقيقه الأكبر يعرف كيف يعاقبه , يكفي أن يقطع عنه ما يناله منه من منح , كذلك في أي مشكلة يعلم أنه لولا اسلام لكان في السجن منذ زمن , إما أن اهل الضحية يضعون اعتبارا لأهله أو يتكفل اسلام بانهاء الأمر بصفته محاميًا ..

يعود اسلام للجلوس مع صبري ويجد كل من في المقهى يسبون للداخلية ..

  • مش يتشطروا عالبلطجية ويلموا الناس اللي بتبيع مخدرات ..
  • ما يشوفوا الارهابيين اللي ملوا البلد
  • احنا لازم نقول لشعبان الهرميل يلمهم عننا
  • يا عم شعبان مش هيعمل حاجة
  • عالم ظلمة ده ولاد ….
  • مين اللي قالك مش هيعمل
  • انا مرة ظابط وقفني وانا على …

بدأ الجالسون في التواصل وحكاية حكاياتهم مع الداخلية سلبية كانت او ايجابية , ينظر لصبري وهم غير قادرين على الابتسام , يقول له صبري :

  • انتا قمت ليه كان مالك ما تقعد وتطلعله كارنيهك وكدا كدا مش هيفتشك وخلاص ..
  • دول جهلة بس يا نازلين يتسلوا يا حد ضحك عليهم انا قلت اوفر عليهم .
  • كلامك شكله جاب نتيجة هما ما طولوش ..

ينهض اسلام ويصافحه قائلا :

  • معلش لازم اروح علطول عشان اشوف معتز , انتا عارف انه ما بيهمدش وانا عايز اضمن انه موجود مش عايز اروح اجيبه من المركز .

صبري ضاحكًا :

  • ولا يهمك , خلينا نشوفك ورد عالتليفون بس , ما تبقاش تغيب كدا ..
  • يا عم هقولك تاني مبيبقاش فيه شبكة ..

يتركه إسلام ويتوجه إلى منزله مسرعًا , يطمئن قلبه أخيرًا حين يدخل من باب المنزل فيسمع صوت معتز الصاخب وهو يصيح في أحد أفراد الأسرة ..

يتبع

تعليقات على فيسبوك