شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

فصل 11,12

13

على الرغم من أسرته المحترمة فإن معتز كان يختلف تمامًا عن شقيقه اسلام , صحيح أنه لا يحاول الاعتداء على أحد ولكنه عنيف متأهب للمشاجرة في أي وقت , دعك من أن عمله كسائق لتوكتوك جعله يحتك بالكثير من اصدقاء السوء ويدور في كل مكان ..

بالاضافة لسوء الطباع الذي لازمه , لا تكاد فتاة تمر دون أن ينظر لمؤخرتها ولا تكدا امرأة تسير امامه دون أن يتأمل سيرها , هكذا اعتاد مع اقرانه اللذين يتبارون في الاتصال بالفتيات ويحكي كل منهم عن تجاربه او تعثره بالفتاة الفلانية كلما التقيا بعربات التوكتوك ..

في ذلك اليوم التقوه جميعًا وسألوه عن مشاجرته مع مصطفى الدريني منبهرين غير مصدقين وكان ينظر لهم في فخر ويحكي ويبالغ , يلتقي السيد الذي يكبرهم جميعا سنًا ويرعاهم , يأخذ منه خمسة جنيهات , هكذا يفعل مع كل سائق في النهاية يشترون لفافة من البانجو يشربون منها جميعًا , أحيانًا حين يكون مع معتز مال فانه ينفقه في الحشيش , ولكن هذا من المرات النادرة حين تمن عليه والدته او يكون اسلام راض عنه وجيبه مليء ..

راقه ما سمعه من حكايات حول اصطدامه بالدريني , وقد كان بقية السائقين يخشونه ويقلدونه في نفس الوقت , جميعهم يذكرون حكاياته وعلاماته في الوجوه , لقد أصاب ثلاثة في وجوههم بمطواته وفي كل مرة كان الأمر ينتهي بالصلح , الصلح نتيجة الخوف من تطور الاحداث , الصلح لأنهم يعرفون أن شقيقه محامي فذ وهو لا يملك العقل او القلب الذي يعطيه القدرة على التمييز , هكذا تتصالح الضحية في كل مرة ويزداد هو غرورا ..

له فتاة هي سعاد التي تعمل نهارا في أحد مصانع الحرير وتبيبت في منزلها ليلا مع ابوها الغاضب وامها الناقمة , كثير ما ركبت معه في التوكتوك وسار بها لأماكن بعيدة ليجلسا منفردين ويفعلان ما يحلو لهما , وقد كان يروقه أنه غير مطالب معها باي شيء , ويروقها أنها لن تضطر لاختياره زوجًا , هكذا كانا يقضيان الوقت , لكنها لم تكن تأتيه ابدًا عندما يرغب , عليه أن ينتظر فرصة أن تسمح له بلقاءها أو الأجازات التي تستطيع فيها الخروج لأي غرض ..

كانت ترسًا في آلة هي منزلها الذي يقبض لقاء عملها لكن ذلك لم يعنيه ابدا او يهمه وهي كانت راضية طالما تنال مصروفًا يوميًا من عملها ..

يفكر معتز كثيرا في اسلام شقيقه وفي والديه ولكنه لا يعرف كيف يرضيهم , كما ان اسلام بدأ يتجاهل طلباته ولا يأخذها على محمل الجد , لقد طلب منه منذ يومين أن يبحث له عن شيخ ويبدو أن اسلام قد نسي تمامًا , هو بدأ البحث بنفسه وقد كان مقتنعا بشدة أنه ملبوس بالجن , موضوع الصلاة هذا ولا شك يؤيد شكوكه , كما أنه كثيرا ما ينهض ليلا ليجد عينيه منتفختان بشدة وأسفلهما متغير للون الأسود ..

عندما جاءت الرابعة عصرًا , اتصل بصديقه الذي أخبره أنه حدد له موعدًا , قال له أنه ينتظره على المحطة , بعد دقائق أتاه الصديق وأرشده حتى وصلا لمنزل الرجل الذي عرف أن اسمه هو الشيخ صلاح .

عندما دخل معتز وصديقه وجلسا لدى الشيخ صلاح في البدء أجبرهم على شرب زجاجات المياه الغازية , قال له , انتا بقى بتحس بايه :

قال له معتز :

  • معرفش بتحصلي حاجات غريبة , ببقى نايم وفجأة اصحى مخضوض , وبطني بتوجعني علطول ورحت لميت دكتور ومفيش اي نتيجة ..

يصمت بينما ينظر له الشيخ صلاح منتظرا أن يتابع , فيعاود الحديث بلهجته البطيئة :

  • وكمان بعمل حاجات مبفتكرش عنها حاجة ومكنتش بعملها قبل كدا , اصحابي بيقولوا عليا عفريت مسلم عشان دخلت اصلي ومكنتش بصلي قبل كدا خالص ..

يبتسم الشيخ صلاح :

  • خير ان شاء الله خلينا نشوف في ايه .

يأمره الشيخ صلاح بالوقوف , ويقف قبالته ويضع اصبعه الابهام في نقطة بين بطن وصدر معتز ويبدو في الهمس ببعض الكلمات ومن آن لآخر يتلو آية قرآنية , في النهاية قال موجها خطابه لمن يظن أنه داخل معتز :

  • بسم الله لو انتا موجود تخرج دلوقتي , اخرج , اخرج

يصيح الشيخ صلاح بينما يقسم الصديق أن عيني معتز تتغيران ويتحرك البؤبؤ فيهما بسرعة , بعد دقائق ينزع الشيخ صلاح يده ويريح معتز على المقعد ..

يجلب كراسة للرسم وقلمًا أحمر ويشرع في رسم بعض الرموز والدوائر ..

يقول لمعتز الذي بدا أنه عاد لطبيعته أخيرًا وتساءل :

  • ايه اللي حصل ؟
  • مفيش انتا فعلا عليك عفريتين مش عفريت واحد , واحد مغربي وواحدة سودانية بس خير ان شاء الله , اعمل اللي هقولك عليه وان شاء الله وقت قصير ومش هيبقى فيك اي حاجة

ينظر معتز لصديقه بينما يتابع الشيخ صلاح رسم الرموز , يطبق بعض ورقات أخيرا , يقول لمعتز:

  • الورقة دي تحطها في مية منقوع فيها ورق كافور لمدة يوم وتستحمى بيه , ورق الكافور تجيبه من عند العطار , ودي تحطها تحط مخدتك , ودول كمان زي الاولانية تستحمى بيهم , وتجيب شوية من ورق الكافور تنقعهم في مية يوم وتمسح بيهم الشقة اللي انتا قاعد فيهم ..وتجيلي كمان اسبوع.
  • طب ما تيجي انتا البيت .
  • لااا..

يقولها الشيخ صلاح بحدة والحقيقة انه كف عن زيارة البيوت منذ عامين  كانا زوجن ابين ذهب اليهما لانهما يشكوان من دم قدرهما على تجاوز الخلة , بمهرته في الاقن نجح في كسر حدة الموقف وحل المشكلة , لكن العريس الشاب كان قد اقتنع انه سحر وأنه مسئول عنه بما انه استطاع علاجه , هكذا حبسه في الصالون لساعات , ذكريات هذه الساعات دون طعام او شراب وكيف تبول في سرواله تمنعه عن زيارة المنازل مرة أخرى أبدأ ..

الكارثة أنهم هددوه أنهم سيطلبون الحكومة وهذا معناه محضر دجل وشعوذة وشوشرة كبيرة عليه وربما حبسه كذلك ..

في النهاية يقول لمعتز :

  • على فكرة ده شغلي , انا معنديش شغل تاني ..

يفهم معتز ما يعنيه فينظر لصديقه ويخرجان ما في جيوبها ليجمعان عشرين جنيها يعطيها للرجل الذي ينظر لهما في امتعاض , انا اقل حاجة باخدها في الشغل ده 300 جنيه ..

يهم معتز بابراز مطوته والتفاهم بطريقته لولا ان يقول الصديق :

  • يا شيخ صلاح دي اول مرة ومش عاملين حسابنا وكدا كدا جايينلك بعد اسبوع ..

ويسحب الصديق معتز من ذراعه , يسأله :

  • حسيت بايه والراجل ده كان حاطط صباعه في بطنك ؟

يقول معتز :

  • هوا كان عامل كدا , انا مش فاكر خالص غير انه وقفني ..

يدير عربته التوكتوك وينطلق وفي رأسه تدور أفكار كثيرة ..

_______________________________

14

بعد ايام كان طلعت يتسلم عمله لدى سعد بيه , سعد بيه صاحب شركة تكييف وتبريد بالقرب من محطة المعمل بمحلة مرحوم  على الطريق مباشرة  , وقد صدق السيد إذ لم يمض يومين حتى كان يحدثه عن سعد بيه والعمل في مخزن شركة التكييف , وافق طلعت عندما علم انشغله ينحصر في فتح الشركة ثم الوقوف بالمخزن والجلوس على مقعده عندما لا يكون هناك عمل ..

هكذا اليوم صباحًا جاءه السيد وحمله بالتوكتوك حتى وصل الى سعد بيه , هناك تركه ليفهم ويجلس مع الرجل , رآه سعد فهش وبش ونهض يرحب به ويجلسه :

  • طلعت بيه , فينك يا راجل بقالك يومين السيد قايلي عليك من اول امبارح ..
  • والله هوا لسه قايلي امبارح يا باشا , وانا جيتلك اول ما عرفت ..
  • شرفت والله يا طلعت بيه ,,

يفحص بعض الاوراق أمامه ثم يقول :

  • تشرب ايه بقى ولا تفطر الاول ؟ بس خلي بالك دي اول مرة بس بعد كدا تجيب فطارك معاك او تفطر في بيتكم
  • مفيش داعي يا باشا الله يكرمك , كنت عاوز اعرف مطلوب ايه ؟
  • مستعجل ليه , قول بس تشرب ايه ؟
  • فاطر كويس في البيت يا باشا تسلم ولسه شارب الشاي قبل ما آجي ..

ينظر له سعد متطلعا قبل أن يقول بغتة :

  • انتا متجوز يا طلعت مش كدا ؟ تمنمية جنيه هيكفوك في الشهر ؟

يقول طلعت :

  • ان شاء الله يا باشا , عاوز اعرف بس هشتغل في ايه ؟؟
  • تعالى معايا ,

ينهض سعد ويدور حول المكتب ويقوم طلعت ليتجه معه الى مخزن خلفي في الشركة , يدخل سعد ومعه طلعت ويضيء الأنوار ويقول له :

  • كل ده , لما اطلب منك حاجة تديها للزبون او الصنايعي اللي هقولك تديهاله انا او الاستاذ محمد عبحافظ اللي هتعرفه حالا .
  • بس كدا ؟
  • بس كدا يا عم , في شغلانة اريح من كدا ؟

يقولها سعد مبتسمًا ثم يسحب طلعت من يده ويعودان لغرفة داخل مكتب الشركة يجد بداخلها رجلا في الاربعينات يعرفه :

  • الاستاذ محمد عبحافظ , محاسب الشركة ومديرها وانا مش موجود ..

يصافحه طلعت ويجلس قبالته بينما يجلس سعد بيه على مكتب آخر يعلوه جهاز كومبيوتر وطابعة على جانبه , يقول سعد فجأة :

  • ها معانا يا بطل ؟
  • ان شاء الله .
  • طيب , مبروك , انتا عارف طبعا ان البضاعة اللي في المخزن دي تمنها كبير , عشان كدا هتمضيلنا على وصل امانة بقيمة تقديرية للبضاعة دي وتستلم شغلك علطول ان شاء الله
  • وصل  ليه يا باشا , لزومه ايه ؟
  • عشان انتا مسئول عن الحاجة دي لو حاجة ضاعت منها هتبقى مسئول قدامنا عنها وملزم بيها , وانتا فعلا هتكون اللي بتتصرف في الحاجات دي , انتا ناوي تاخد حاجة ؟
  • ازاي يا باشا ؟
  • يبقى احنا استحالة هنعمل بالوصل ده اي حاجة !

يخرج محمد عبد الحافظ من درج مكتبه دفترا للايصالات ازرق اللون , ينزع منه وصلا ويكتب فيه في خانة المبلغ مائتا الف جنيه بالارقام والحروف , ويناوله لطلعت الذي يفكر للحظات ثم يحسم أمره ويلتقط قلما ويوقع ,,

ترتسم على وجوههما ابتسامات كبيرة ويقوم سعد ليأخذ طلعت ويخبره عن مقعده ويبدأ في سرد اسماء القطع والأجهزة عليه ويكررها حتى عرفها طلعت جميعًا وبدأ العمل , الحقيقة أن العمل لم يكن مريحًا كما يظن , الملل يقتله هنا أحيانًا وأحيانًا اخرى يحمل أشياء لا علاقة له بها وهي خارج المخزن , لكنه في تلك اللحظات يضطر لترك المخزن ليعاون في النقل ثم يعود لمقعده ويخرج هاتفه الذي وجد أخيرًا في ألعابه العقيمة متعة لتزجية الوقت ..

في الثامنة مساءًا عاد إلى سناء , تناول عشاءه وجلس يتضاحك معها وهي من المرات النادرة منذ وقت طويل , عرف أنه رغم جهد العمل وقلة دخله إلا أن نفسه هدأت قليلا لوجود دخل ثابت عالاقل , استيقظ السيد باكيًا فجلس يهدئه وهي من مرات يمكن عدها لم يترك فيها هذه المهمة لسناء التي كانت تتعجب هذا التغيير ..

بعد قليل نهض للنوم وهو يخبرها بضرورة استيقاظه في السابعة صباحًا , انشغلت مع السيد قليلا لتعيده للنوم قبل أن تلحق بطلعت وتستلقي الى جواره , كان قد راح في النوم بينما بقيت هي مفتوحة العينين تتطلع إلى السقف وتتساءل عن هذا التغيير الذي طرأ عليه ..

لم تصدق حين اخبرها ببحثه عن عمل وعن وجود مقابلة له , لم تصدق حين اخبرها انه سيعمل حتى جاء الآن ويبدو مرتاحًا إلى حد كبير , هي لا يشغلها كونه مرتاحًا , يشغلها أكثر لماذا لا تراه هكذا دائمًا ..

في النهاية استسلمت لنومٍ تعرف أنه لن يطول حتى يوقظها السيد , في الصباح أيقظت طلعت الذي أفطر سريعًا وتناول الشاي ومضى لعمله , بينما قررت هي قرارًا آخر , عند الظهيرة ذهبت لمصنع حرير آخر لتضاعف الكميات التي تعمل عليها من الشرائط ولتضاعف دخلها , وافق صاحب المصنع بينام قررت هي أنها لا تملك الخلاص من هذه المهنة التي تتاح لها في المنزل فقررت الغوص فيها حتى في جميع أوقات فراغها ..

تتمنى كثيرًا ألا يكبر السيد حتى يكونان قادران على تلبية أي رغبة له , قادران على الانفاق له بما يكفل له تأسيسًا سليمًا وحياة كريمة , كانت تذكر حياتها جيدا ورأت حياة طلعت وهي لا ترغب أن ينشأ السيد كطلعت أبدًا بل يجب أن يتعلم ويعمل وينال ما يريد ..

تأمل هذا كثيرا لكنها لا تعرف ما يخبئه لها المستقبل ..

يتبع

تعليقات على فيسبوك