شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

11

عندما عادت سنَاء إلى بيتها لم تجد طلعت , قدرت أنه استيقظ وخرَج بينما هي عند اسلام , ما أثار جنونها أنه لم ينتظر ليسأل اين كانت وترك طفلهما الصغير نائمًا وحده ..

تفكر أنه بالتأكيد علم أنها عائدة على الفور طالما تركت السيد , لكن لماذا لم ينتظرها ؟ تساءلت هل هو طلعت الذي سبها ومضى منذ ليلتين باتما في الخارج لا اكثر , تبدو لها الإجابة أنه تغير رغم انها لم تلقاه الا ساعة واحدة لم يتفوه فيها بحرف وهو يلتهم الطعام قبل أن يخلد للنوم .

تستطيع حصر الجمل التي تبادلتها معه منذ جاء ظهر اليوم , تفكر كما تفكر كالعادة , في مستقبلها ومستقبل طلعت والسيد الصغير , هل ستحيا هذه الحياة للأبد ؟ تفكر أن الله لن يضيعها وما يبقيها حيّة ان يأتي يوم تجد فيه مالا وافرًا تنفقه ولا تضطر معه لحساب احتياجاتها بعده أو لاحناء ظهرها في تزيين الشرائط الحريرية ..

كثيرًا ما طالبت طلعت بالبحث عن عمل مجز , وكثيرًا ما بحثت هي لتخبره أن فلانة أو علان أخبرها عن وظيفة في مكان ما  ولكنها لم تكن تعلم سر ذلك الاحباط الذي يملأ طلعت , الألم الذي يحتله.

تفقدت السيد لتجده ما زال نائمًا , هذه من أطول المرات التي ينام فيها , بعد قليل سيستيقظ ويتحرك كثيرًا حتى لا يترك شيئًا في موضعه , فكرت أنها تمتلك نعمة كبرى رغم كل شيء , كيف كانت حياتها ستكون دون السيد , وهل طلعت سيزال فيها , هذا الطفل يهون عليها الكثير مما تلاقيه في الدنيا قبل أن تجد فيه صحبة وشغلاً أوقات الفراغ القاتل .

قررت زيارة والديها اللذين يسكنان امام مسجد المراعي , على بعد خطوات منها , كانت ما تزال بمبلابس الخروج , اتصلت بطلعت ليأتيها صوت المقهى من حوله , في عقلها تدوي حكمة ساخرة : رجعت ريما لعادتها القديمة , يأتيها صوته :

  • ايوة يا سيد ؟

وهي عادة في خطابه لها تعرف على الفور أن معه صحبة , حيث يعتبر اسمها محرمًا , دائمًا يقول عنها : الجماعة .

كانت عملية فقالت على الفور

  • انا رايحة لابويا وامي شوية عشان ما طلعتش من تلات تيام و اتصلوا كتير .
  • ماشي يا سيد متتأخرش .

أكدت أنها لن تتأخر وأنهت المكالمة , لم تكد تنهي المكالمة حتى أتاها اتصال آخر :

  • الو , ايوة مين
  • ايوة يا سناء انتي مسجلتيش الرقم , انا لبنى .
  • معلهش يا لبنى انا ما بصيتش في شاشة التليفون , ازيك ..

تتساءل سناء في أعماقها عن سر اتصال لبنى بها بعد هذه السنين وهي التي لم ترها الا صباحًا , تقول لبنى :

  • انا حكيت لمحمود جوزي اني قابلتك النهارده , وحكيتله عن صحوبيتنا مع بعض واصر نعزمكم قريب تيجو تتغدوا عندنا.
  • ليه يا لبنى كدا هي مستاهلة يعني , وبعدين مالوش لزوم التعب ده خالص , لو يا ستي عالعشرة اكيد ما تهونش وهشوفك ونقضي ايام احلى من زمان كمان
  • لا والله ابدا , انتا لازم تقولي لجوزك وتقوليلي عاليوم اللي يناسبك , انا ما صدقت شوفتك النهارده , ومش هنسيبك تختفي تاني .
  • ماشي يا لبنى خليني اقول لجوزي الاول وانا مش عارفة اقولك ايه مالوش لزوم اصلا !

تنتهي المكالمة بعد ثلاث دقائق , وسناء تفكر في حل , لبنى التي تزوجت محمود الذي يعمل وكيل نيابة , لا تعرف الكثير عن شخصية محمود ولكن بالتأكيد ينادونه دائمًا محمود بيه , هي كذلك تعرف الكثير عن شخصية طلعت ..

يمكنها تخيل كيف سيكون اللقاء , سيمضي بالكثير من الابتسامات والمجاملات الاجتماعية وبعدها لن ترى لبنى أو تحدثها مرةً اخرى , لم تكن تشعر بالعار من طلعت أو تقلل من شأنه , ولكنها كثيرًا ما حدثته في طريقة كلامه التي صار من الصعب السيطرة على الفاظه البذيئة فيها واسلوبه الفظ ..

تعرف جيدًا أن طلعت لن يعرف محمود سوى بصفة سعادة البيه وهي لا ترغب بهذا ابدًا , سينظر طلعت لمحمود على انه رجل العدالة الذي يملك خراب بيته في اي لحظة , هذا هو عقل طلعت الذي تحمد الله عليه قبل كل شيء .

هل تخبر طلعت عن لبنى وعن الدعوة أم تتجاهل الأمر تماما ؟ لا تعرف , لكنها تعرف شيئًا واحد , سواءًا حدث هذا أو ذاك فلن يتم الأمر , هي ليست بهذا الغباء , وعلى الاقل لتظل تحدث صديقتها كما تحدثها دائمًا ..

حملت السيد الذي استيقظ وبدا عابسًا ينظر لكل شيء حوله , نست العالم للحظات وهي تحاول اضخاكه ليتبسم , تمضي بعدها للسير ..

 بعد دقائق تلوح المئذنة القديمة لجامع المراعي , تلك المئذنة المصممة على طراز اسلامي معماري فريد وبجوارها قبة ضخمة وعلى البعد قبة صغيرة هي التي تعلو الحجرة التي دفن فيها مؤسس المسجد سيدنا المراعي , عمر المسجد جاوز المئة عام ولكنه ما زال واقفًا شامخًا كما هو منذ بناءه ولم يتم الا ترميمه منذ سنوات قليلة .

تدخل باب المنزل المجاور للمسجد مباشرة ً , يستقبلها والدها ووالدتها مرحبين ,يسألانها عن طلعت وحاله بعد دقائق تقول والدتها فجأة بعد ان انتقل الحديث لموضوع آخر:

  • انتي عايزة تتطلقي ؟

التفتت في دهشة متفاجئة , قديما قالت لوالدتها مرارًا أنها ترغب في الطلاق وكانت تأمرها بالصبر,

  • لا أبدًا أعوذ بالله , ليه كدا ؟

تنظر لها والدتها نظرة من طراز لم يكن هذا حالك هل يعجبك الآن فتقول سناء متابعة :

  • انا نصيبي اكمل حياتي مع طلعت , وانا راضية الحمد لله , وعلى فكرة حتى لو السيد مكانش موجود كنت هاخد نفس القرار .
  • انتي يا بنتي ايه اللي حصلك مش كنتي عايزة تسيبيه ؟
  • واقتنعت بكلامك يا ماما , مش هسيبه خلاص , وبعدين الكلام ده قديم بتفتحيه ليه تاني ؟

يقول الوالد وكانما تشاور مع الأم في الأمر :

  • يعني يا بنتي بصراحه طلعت شكله عطلان زي ما هوا وكمان هيبقى سوابق , الاصلح لك انتي وابنك ..

تقاطعه سناء وهي تنهض محتدة :

  • انا اللي عارفة اللي اصلح لي يا بابا دلوقتي لو سمحت , وانا راضية بحياتي وحامدة ربنا عليها , وهمشي دلوقتي لحد ما نشوف موضوع تاني تتكلموا فيه ..

تتشبث  بها والدتها لكنها تحمل السيد الصغير من على المقعد المجاور وتنهض , تقول :

  • هبقى آجي تاني , انا كدا كدا كنت ماشية علطول ..

تتملص وتعود للسير في الشارع مرة أخرى لتعود لبيتها , وفي عينيها انطلقت دموع حبيسة ..

_____________________________________

12

انهمكت عبير في العمل في المستشفى ومساعدة زملاءها وتبادل الحديث عن الحالات المختلفة معهم وهي تتحرك بين الاستقبال والطواريء وقسم الأمراض الباطنة وإن منعها المنتظرون عن الخروج للمبنى الخارجي الا انها بقيت في المبنى العام تعمل وترتاح لدقائق بين كل زيارة وأخرى في غرفة الأطباء المخصصة لها بالطابق السفلي .

عندما وصل إسلام فرغم أنه لم يستغرق وقتًا في طريقه الا ان الدقيقة كانت تمر كعام كامل , هكذا وصل وسأل حتى وصل إليها أخيرًا ..

سألها مباشرة وهو يخفي كل لهفته داخله :

  • في ايه ايه اللي حصل , معلش انا اتأخرت جدا غصب عني والله ؟
  • انا عارفة ان عندك شغلك وآسفة جدا اني قلقتك , بس جالي سواق هنا من المحلة وعالجته ولقيته واقف تحت وانا معدية للاستقبال كذا مرة , مرضيتش اطلب الامن هنا لانه من عندنا من البلد ..
  • فين ده انا ما شفتش حد وانا داخل ؟
  • ازاي كان موجود ومعاه مجموعة اصحابه .
  • يمكن زهق ومشي ..

ثم يسأل :

  • هوا اسمه ايه ما تعرفيش ؟
  • اسم ياسر وبيسوق خط العرب ..
  • يبقى اكيد بيحمل من عند الملعب , اما اشوف حكايته ايه ده كمان , المهم انتي لو شفتيه تاني ما تركبيش معاه ولو حصل جديد قوليلي , انتي بقى عاملة ايه وايه اخبارك ؟

تنظر له عبير وتبتسم وتقول :

  • انا اسفة جدا بجد اني جبتك علطول كدا وانتا ممكن تكون وراك شغل مهم بس انا معرفتش اعمل ايه
  • انتي بتهزري ؟ يا ريت تتصلي بيا علطول لو حصل اي حاجة من دي , انا مبسوط انك اتصلتي بيا ولو ما كنتيش عملتي كدا كنت هزعل ..

يصمت اسلام للحظات ويقول :

  • وانا اللي اسف ان انا اللي اتأخرت قوي كدا , لقيت اخويا بيتخانق عالمحطة وكان لازم اتدخل .

في جزع تسأل :

  • ايه ده وسبته ازاي ؟ هوا كويس ؟ جصل له حاجة ؟؟

يضحك اسلام ويقول وقد بدا له انه ينال اهتمام عبير :

  • لا معتز ما تشغليش بالك بيه , كان بيتخانق مع مصطفى الدريني من شوية وروحته البيت الحمد لله ..
  • مصطفى الدريني ؟ مش ده البلطجي اللي كل شوية يعور واحد او يقتل واحد , اخوك كويس بجد ايه الموضوع ده ؟؟

يقول اسلام مهدئًا :

  • يا ستي محصلش حاجة مصطفى اصلا يعرفني كمحامي ولما عرف انه اخويا سابه , واحنا اصلا مالناش دعوة بالاشكال دي وتقريبا هما كانوا راميينها وعدت الحمد لله , معتز كويس خالص عايز بس مخه يتظبط شوية .

فكر ساخرًا هل يقول لها أن عليه عفريت مسلم , سألها :

  • انتي هتخلصي امتى احنا داخلين على نص الليل ؟
  • ممكن اروح دلوقتي

وتنظر عبير في ساعتها يقول اسلام :

  • خلاص انا معاكي لحد ما تنزلي قدام باب البيت ان شاء الله .
  • مش مشغول ؟
  • انا جايلك وكنت عامل حسابي هتخانق وابات الليلة في القسم , مش مشغول خالص .
  • طيب انا خمس دقايق بس استناني همضي واجيلك .
  • مفيش مشكلة آجي معاكي
  • لا لا مش مستاهلة ما تتعبش نفسك وعشان هقابل زمايلي وكدا .
  • ماشي مستنيكي .

بعد دقائق تعود عبير وعلى شفتيها ابتسامة هادئة أسرت اسلام تماما , قالت له :

  • يله بينا

ينهض ويسير معها لخطوات تبدو له كالحلم , ها هي عبير تسير جواره في الواقع وترافقه واتصلت به دونًا عن الجميع لتشعر بالأمان , جعله هذا سعيدًا , سعيدًَا لدرجة لا توصف , سعيدًا كطفلٍ يركض في الشارع بحرية للمرة الأولى ..

في الطريق يتبادل مع عبير الكثير من الحديث وقد ذابت الفوارق والجدران التي وضعاها , بدت له أقرب اليه من أي وقت آخر , وهي تعرف أنه تقرب منها شخصًا يتلهف لهذا القرب ..

يركب معها السيارة التي تدور لتمر من اسف كوبري المعرض مارة بمحطات كفر عصام وطنطا سكان وسوق الجملة , تتجاوز مدخل محلة مرحوم الرئيسي وتمضي بجوار سور شركة تكرير البترول العملاقة الذي يحتل حيزًا كبيرا في محلة مرحوم , تبلغ مساحته 4, كم 2 بالاضافة لشركة انابيب البترول , بعد هذا المعمل مباشرة المدخل الآخر لمحلة مرحوم وحيها المعروف باسم كفر العرب ..

أخيرًا تتركه وتهبط أمام باب منزلها بينما يتابع هو ليهبط في نهاية المسار عند باب الملعب ..

رغم أن اللقاء قصير جدا ولكنه كان له أثر بالغ في روحيهما ..

يتبع

تعليقات على فيسبوك