شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

7

دائمًا رأت عبير في اسلام شخصًا لطيفًا , رجلاً يمكنه حمايتها بل وحماية شعورها نفسه كذلك , لكنها أبدًا لم توافق على مجرد الارتباط به , دائمًا حملت العقل الذي أتاح لها التفكير بعقلانية , العقلانية الكافية لتعرف أنه سيواجه رفضًا قاطعًا من والدها الذي يعمل في السعودية ويجيء في إجازة الصيف من كل عام .

والدها شخص صعب , ولن يقبل أن تتزوج إلا طبيبًا لا يقل عنها في المستوى العلمي , في عامها الرابع بكلية الطب تقدم لها طبيب اسنان وكان رفض أبوها قطعًا , ما العمل إذا أخبرته أن هناك محامٍ يرغب في الارتباط بها ؟

سيثور عليها بالتأكيد !

 لهذه الاسباب كانت عبير تكتفي بالوقوف على مسافة ثابتة مع اسلام , الحقيقة أن علاقتهما مختزلة في عدد من مكالمات الهاتف على فترات بعيدة , مكالمات للاطمئنان فقط لكنها لا تستطيع أن تتجاهل نبرة الشوق واللهفة في صوته مهما حاول اخفاءهما ..

الحقيقة أنها تشعر بميل إليه أحيانًا , ولكن الصوت العاقل داخلها يمنعها دائمًا من الإفصاح عن هذا الميل , وفي كل مرة تخبره أنها ستقبل إن جاءها عريس مناسب في صالون المنزل , وفي كل مرة يخبرها أنه سيسعد لذلك وإن كان فيه كفهما عن التواصل .

تقضي عبير نهارها  في نوبتجيات مستشفى الجامعة , أحيانًا يجعلونها ليلاً , هي عدة أشهر من التدريب بعدها ربما تتسلم التكليف أو تلحق بوالدها في السعودية , لكن ما كانت عبير تراه في استقبال المستشفى غير فكرتها عن الحياة تمامًا ..

قبل هذا الموضع لم تكن ترى هذه الجروح ولا هذه الدماء ولا هذا العنف ولا هذا الموت .

عرفت اسلام منذ بداية هذه السنة , كان حاضرًا مع موكل له مصاب بجرح في رأسه احتاج اثنتين وعشرين غرزة لاغلاقه , عندما رآها عرفها , لقد رآها مرارًا في محلة مرحوم حيث يجاور منزلها محطة ركوبه يوميًا للذهاب للمحكمة صباحًا عند مدخل كفر العرب المدخل الخلفي لمحلة مرحوم والمواجه لأسوار شركات البترول مباشرة ..

جذبها للحديث ورغم تحفظها الشديد إلا أنه نجح في جعلها تتحدث معه بل أوجد سببًا للتواصل , قال لها :

  • لو حصل اي حاجة بخصوص التقرير او الاصابة هجيلك لو تسمحي ..

ولم تكن تستطيع الرفض , من مهمات الأطباء المقدسة تلبية طلبات المريض , وهي لم تملك الحذلقة الكافية لتخبره أنه لن يحدث مضاعفات ولا حاجة به للمجيء , قالت له :

  • مش مشكلة اسأل عليا في اوضة الدكاترة
  • اسال على مين ؟
  • الدكتورة عبير

لا تعرف كيف تواصل اسلام معها بعد ذلك , كيف اعطته رقم هاتفها وقد كانت مطمئنة , حتى الآن تراه شخصية عاقلة مهذبة , وهو يحافظ على صورته هذه أمامها ..

في ذلك اليوم تأملت عبير حجابها في المرآة بعد ان أنهت ارتداء ملابسها , كانت تعلم أنها جميلة وأن هذا كافٍ للفت الأنظار إليها لهذا كانت ملابسها دائمًا شبابية متجددة ولكنها لم تكن ضيقة تشف عن جسدها أبدًا ..

تحمد الله أن منزلها على الطريق هكذا لا تقف مدة دقائق حتى تستقل إحدى السيارات المتجهة للمعرض حيث تهبط امام أسوار الجامعة و مستشفياتها مباشرة لتسير خطوات قليلة تحمل البالطو الابيض على يد القميص المخطط بالطول والعرض بالوان فاتحة  ..

في الاستقبال تلمح شابًا مضرجًا بالدماء ما ان يراها حتى يقبل عليها وحوله مجموعة .

  • انا عارفك يا دكتورة , مش انتي من محلة مرحوم ..

توميء برأسها في قلق وتسأل :

  • خير ؟
  • احنا كمان من المحلة يا دكتورة , انا ياسر سواق بتركبي معايا ساعات , عايزين نعمل تكرير طبي.

هكذا قالها الشاب بالضبط , تميز وجهه و تلمح جرحه وتتأمل عددا من الروح بساعده ووجهه , تتأمل الوجوه حوله فتجد وجهين أو ثلاثة في حالة مماثلة , تقول في استسلام :

  • تعالى معايا بس لوحدك ,

وتسير في أروقة الطواريء بينما يتبعها المريض لحجرة الكشف .

___________________________________

8

في المساء اتجه اسلام للمكتب , قضى يومًا طويلا في اروقة المحكمة قبل أن يذهب مع طلعت للنيابة , ويخرجه ويتم بعض الأعمال ويعود ليتناول غداءه في المنزل , وهي من المرات التي ينجح في اقتناص ساعتين في المنزل نهارًا طالما لا يوجد عقد يكتبه أو ارض يعاينها ..

معتز لم يكن موجودا كالعادة , قالت والدته له :

  • شغال على توكتوك ,على الله يكون شغال مش مركب اصحابه الصيع .

بمجرد ان جلس في مقعده وجد اسلام سناء تدخل عليه من باب المكتب :

  • مش عارفة اشكرك ازاي .

مقاطعة

  • لا لا شكر ايه ده شغلي , هوا طلعت فين عامل ايه دلوقتي ؟
  • كويس سايباه نايم قتيل وشكله مش هيصحى قبل نص الليل .

اسلام ضاحكًا :

  • اهو يعوض اليومين اللي فاتوا ..
  • احنا بقى حسابنا كام يا استاذ اسلام ؟

كان اسلام قد عرف ظروف طلعت تماما خلال اليوم السابق من تحرياته ولقاءه وتعاملاته , قدر أن زوجها لا يعرف وقرر استغلال الامر ..

  • خلاص يا مدام انا حاسبت طلعت ..

يقولها بلهجة تقريرية لا تقبل المناقشة , لم يعرف لماذا فعل هذا كان على وشك النطلق بكلمة واحدة لينتقل مبلغ لا بأس به لجيبه المشارف على الافلاس ..

لكنه لم يندم , لا يصح أن يتدفى مرتجف من البرد بملابس من مات منه , قالت له سناء :

  • ازاي هوا كان معاه فلوس ..

يضحك اسلام ويقول :

  • معرفش ازاي يمكن استلفهم ما تشغليش بالك .
  • عموما شكرا يا استاذ اسلام وحقيقي انا مبسوطة ان فيه محامين زيك

يقول اسلام بلغة تجار المواشي :

  • يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم , وانا عملت ايه بس يا ستي ده شغلي , وانا تحت امرك في اي وقت واي حاجة ان شاء الله انتي معاكي رقمي .

تقول وهي تنهض :

  • اكيد يا استاذ اسلام , ان شاء الله متكونش حاجات وحشة زي دي .
  • ان شاء الله ,,

يراقبها وهي تنصرف , ثم ينهض ليدخن سيجارة في الشرفة بينما يرمق المحطة المضيئة في مشهد ليلي بديع ربما لقلة السيارات والمارة أو للهدوء المخيم عليها في هذا الوقت ..

حتى عربات التوكتوك التي لا يكف بعض سائقيها عن تشغيل سماعات تصل ل5000 وات باعلى قوتها على اغاني عجيبة يسمونها المهرجانات الشعبية التي لا تكف عن التردد من هذه السماعات , عربات التوكتوك يمكنه احصاء اربعة فقط على المحطة باكملها ..

على البعد يلمح هذا الهدوء وقد بدا يتبدد , في لحظة ما أتت مجموعة من عربات التوكتوك من جهات متفرقة , جهة الشبكة والكوبري بل وشارع الترعة ..

رنين الهاتف المميز لرسالة قصيرة ..

المرسل : عبير   نص الرسالة : لو فاضي كلمني ضروري جدا او ابعتلي اكلمك ..

يتصل بها فورًا ليأتيه الصوت الرقيق الفاتن :

  • ازيك يا اسلام ؟
  • الحمد لله ازيك انتي ؟
  • كويسة , معلهش لو كنت شغلتك بس انا في الشغل في المستشفى وفيه ناس بتضايقني وجه في بالي اني اكلمك لاني ابتديت اخاف ونبطشيتي لحد الساعة 10 باليل .
  • يعني ايه ناس بتضايقك ؟ ازاي فهميني ؟
  • سواق من المحلة وناس معاه , انا اللي خيطتله ووقف تحت مش راضي يمشي , هوا معملش اي حاجة بس انا قلقانة ..
  • ربع ساعة وتلاقيي عندك .

رغم أنه سيرى عبير وهي من المرات النادرة التي ستسعده للغاية حتما, الا انه كان قلقا من الاصطدام بهؤلاء , قلقًا عليهم ..

لم يترك الشرفة ليهبط الا ليلمح مشاجرة على البعد بين احد سائقين التوكتوك و أحد الأشخاص , يلمح العديد من الاسلحة البيضاء كذلك لكنه لا وقت لديه , عليه الذهاب لعبير واللحاق بها , مهلاً ..

يتأمل المشاجرة بعين ثاقبة , اليس هذا شقيقه معتز ؟ اليست هذه التي في يده مطواه ..

اليس هذا الشخص الذي يتشاجر معه هو مصطفى الدريني مسجل الخطر المشهور في مصر كلها !!

في هذه اللحظة انزوت عبير في عقله وهو يتوجه منفعلا مسرعًا نحو معتز ..

يتبع

تعليقات على فيسبوك