شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

5

أثناء طريق عودته كان إسلام مشغول الذهن , جاوزت الساعة منتصف اليل بقليل , ومعنى هذا أن إحتمال وجود أصدقائه على مقهى بحري قلت نسبتهُ كثيرًا ..

يجتمع هناك يومياً بشكل شبه يومي مع اصدقائه ممن لا يستطيعون رؤية بعضهم البعض نهارًا بسبب أعمالهم , ورغم انه كان الأقل اهتماما في التلاقي يوميًا مع من يأتي من الشباب لظروف عمله المسائية التي إن لم تجبره على العمل ليلاً أجبرته على مجالسة الموكلين او المتهمين أو الذهاب في جلسة صلح أو مشاهدة عقار أو قطعة أرض ..

لكنّه في هذه اللحظة يشعر بحاجته الشديدة لمجالستهم ومحادثتهم ومشاركتهم أفكاره وضغوطاته , ساهم طلعت بالذهول والبلادة المرتسمين على وجهه في زيادة إحساسه بالضيق , رغم الفارق الضخم بينهمَا لكن إسلام يؤكد لنفسه أنه عرف هذا الإحساس وجربه مرارًا دون ضابط او زنزانة , إذا كانت الحكومة وقوتها تشكل رادعًا كاسرًا لمن يوجد في طريقهم , وتمثل الرعب والاحترام الأكبر لفئة شاربي البانجو والقائمين بكل شيء بلا تراخيص , فإن ما يكسره هو واصدقاءه وزملائه من المتعلمين الذين يملأون القرية , أشياء أكبر كثيرًا , ربما أقل ..

يقتله سؤال الكثيرين , لماذا نحن هنا , يعرف أن عبقري الكومبيوتر حسين ابو راضي صديقه و المهندس صابر ابو هبل , والدكتور سعيد التواجي و نصف اصدقائه على الأقل ينتظرون فرصة مناسبة لترك البلدة إلى أجل غير مسمى أو حتى إلى الأبد ..

يعرف أن هذا ليس خيارًا له , هو هنا ما دامت عبير هنا وسيكون في أي أرض طالما كانت عبير هناك !

عبير هي الشيء الذي لم يجعله ينتحر منذ بدأت الأزمات تنهال على رأسه , هي الشيء الذي لا يجعله يجن عندما كان عمرو بيه ضابط المركز يحتجز معتز شقيقه تعنتًا في كل مرة يصادف أن يراه فيها في شارع ..

لهذا يكره عمرو بيه وشعر بالانقباض عندما علم أنه سيكون خصيمه في قضية طلعت , لهذا يشعر أن قصة طلعت لم تنتهي بل هي تبدأ , في الداخلية بعض الضباط الشرفاء , ولكنهم ليختاروا ضابطًا يتعامل مع القرية يجب أن يكون شريفًا من النوع الذي لا تؤثر الدماء على تفكيره , لا يرهب البلطجية بل يُرهبهم , إذا حاول أحد لي ذراعه قطع هو له ذراعه , باختصار يختارون أسوأ ضابط ممكن للتعامل مع القرية وإن كان الضابط شريفًا نظيفًا فبعض مجرمي القرية سيضطرونه لإخراج أسوأ مافيه ..

لا ينسوا هنا أن يخبروه أن بعض رجال القرية في أماكن حساسة للغاية لا يعرفها أهل القرية انفسهم , بعضهم ضباط جيش وشرطة لا يجدر الاحتكاك بهم مطلقًا , بعضهم يعملون في الرقابة والجهاز المركزي للمحاسبات , لا باس من تجاهلهم , بعضهم يملكون دائرات علاقات عملاقة تصل لوزراء وشخصيات معروفة وضباط كبار أو متعاملين دوليين , لا بأس من غض الطرف , بعضهم يصدرون الحرير بينما يعمل أكثرهم فيه وبعضهم يعملون في الأعمال التي تخدم بعضهم البعض كالمطاعم والسواقة و العمالة و الصناعات اليدوية ..

هناك النائب إيهاب الهرميل ضابط الشرطة الذي يستقيل من الشرطة ويأخذ رحلة مجلس الشعب ثم يعود إليها مجددا , هذا الرجل له اعتباره ونفوذه كذلك ويجب المحافظة عليهما , حتى وإن أسقطته الثورة بعد انضمامه للحزب الحاكم وهو أحد القلائل اللذين لم يكونوا بحاجة لهذا واعتذروا عنه صراحة خاصةً أن مدة مكوثه في هذا الحزب كانت شهرين قبل أن ينتهي تمامًا , لكن ما يعرفه عن الكابتن إيهاب كما يسميه الناس أن له أنصارًا وشعبية كبيرة غير أنه قريب لد. مصطفى الهرميل رحمه الله النائب السابق والعالم و عادل الهرميل رحمه الله أحد رموز الداخلية في محافظة الغربية والأقوى صيتًا وشهرة بحسن الخلق حتى بعد وفاته بأعوام, بالتأكيد مر عمرو بيه بكل هذه النصائح !

وجد إسلام نفسه امام بحري وهو غارق في خواطره السوداء , لم يجد أحدًا من اصدقاءه , في النهاية قرر الجلوس وشرب كوب من الشاي قبل إغلاق المقهى ولم يستقر على مقعده حتى التقط هاتفه المحمول , عبث بأزراره قليلاً قبل أن يأتيه الصوت المتلهف :

  • الو ايوة يا استاذ اسلام ..
  • اهلا يا استاذة سناء , اسف اني بكلمك متأخر , انا قابلت طلعت وهوا كويس وهيكون في البيت بكرة الضهر ان شاء الله ..
  • بجد , الله يكرمك يا استاذ اسلام , اكيد الكلام ده ..

بعبارات مترددة تساءلت كثيرًا واجابها مطمئنًا وأخيرًا انتهت المكالمة التي لم تكمل الدقيقتين , فكر اسلام في مدى الفرق بين طلعت وزوجته وكيف أن هذا الأحمق يملك نعمًا كثيرة لا يراها ..

أجرى مكالمة أخرى ليطمئن على معتز , هل ارتكب مصيبة ما أم ما زال منتشيًا بآخر علاماته , وجده نائمًا في المنزل , لا بأس ..بدأت حالة الضيق تخف عنه ..

انتهى من الشاي ودفع حساب المقهى وسار ببذلته السوداء وحقيبة أوراقه في خطوات متأنية , عليه أن ينام جيدًا وفي الصباح سيكون عليه أن يفسد قضية طلعت ..

في تلك اللحظة ملأت خياله صورة عبير , بشعرها الفاحم وعينيها السوداواتين وابتسامتها الساحرة التي تذيب جبال الهموم , عندها فقط شعر براحة كاملة تغمره , حتى وصل إلى المنزل , وجد معتز مستيقظًا جالسا في الصالة , بادره :

  • كلمتك من شوية لقيتك نايم ..
  • مش عارف انام .
  • ليه كدا ؟
  • بطني واجعاني وانتم محدش بيسأل .
  • مهو أكيد مالهباب اللي انتا بتشربه , كام مرة هقولك يعني
  • تاني الهباب اللي انا بشربه , خليكوا كداهوه

يرمقه اسلام بنظرته المتشككّة وفي أعماقه يكتم ضيقًا بدأ ينبعث مرة أخرى , يقول له :

  • امال ايه يعني يا عم معتز , وانتا تمشي طول النهار مع الصيع وتبلبع برشام و مش عاجبك ان بطنك وجعاك ؟ ما احنا رحنا لخمسين دكتور وقالوا معندكش حاجة

يقول معتز بجدية :

  • ما كل اصحابي بياخدوا برشام اشمعنى انا , انا اصحابي بيقولوا عليا عفريت مسلم !!

يضحك اسلام ساخرًا :

  • عفريت وكمان مسلم , اشمعنى
  • ساعات ببقى معاهم والأدان ياذن أدخل أصلي لوحدي وبعد كدا مفتكرش حاجة من ده !

يتطلع إليه إسلام مستشفًا جديته , معتز يصلي ؟ يا للمعجزة .. بالتأكيد عليه عفريت مسلم , يسأله مستسلمًا :

  • يعني انتا عايز ايه دلوقتي يا عم معتز ؟
  • عاوز اشوف شيخ يبص عليا ويشوف موضوع بطني اللي بقاله سنه ده ..

يرمق اسلام عيني معتز المحمرتين ولا يبدو احمرارهما طبيعيًا , تحيط بهما هالات سوداء بالغَة , إذا لم يكن هذا أثر السحر فما هو , يقول بعد تفكير :

  • اشوفلك يا معتز ماشي اما نشوف آخرتها معاك , وانتا برضه بطل الهباب اللي بتشربه

يقول معتز وهو ينهض لغرفته :

  • يا ريت تشوف بجد انتا كل يوم تقولي هعمل وهشوف وهوديك وما بتعملش حاجة ..

ويصفق باب الغرفة خلفه

______________________

6

عندمَا استيقظت سنَاء حمدت الله أن السيد طفلها نائم , لوقت متأخر لم تستطع النوم بسبب مزيجٍ  من صراخهِ والأرق , ورغم أن طلعت لم يمض على اختفاءه يومين كاملين إلا أنها مرت كدهر خاصة انها المرة الأولى التي تبيت في المنزل دونه ..

قبل هذا غضبت مرارًا وكانت تبيت في منزل أهلها ولكن في نفس الليلة أو اليوم التالي يأخذها طلعت لمنزلهما الذي غاب عنه طلعت الآن .

صلت صلاة الصبح وهي تحافظ على الصلاة بعكس طلعت الذي لم تره يصلي حتى الجمعَة , لكنّه دائمًا يتعلل بمرضه وتعبه , وهي تعلم أنه مريض , الإدمان هو المرض الوحيد الذي يختاره المريض ..

ارتدت عباءتها للذهاب للسوق , لا بد أن يأكل طلعت اليوم وجبة جيدة مهما كانت تكاليفها فادحة , خرجت لتتجه في البداية إلى بياعي الخضر والفاكهة اللذين يفترشون السوق في ميدان الشهداء ,واللذين يأتون بخير زراعتهم من أراضي محلة مرحوم والقرى المحيطة  لعرضه هنا او البياعات الدائمات , سمي ميدان الشهداء بهذا الاسم لوجود قبر به لبعض شهداء حرب اكتوبر والحروب السابقة لها .

أثناء مفاصلتها مع البائعة في سعر الطماطم , وجدت من يمر سريعا ليصطدم بها بشدة , التفتت سريعًا لتعنفه لولا أن صمتت لوهلَة بعد ان تعرفت وجه صاحبتها وتعرفتهَا هي ..

  • لبنى ؟ مش معقول !!
  • سناء , ازيك ..

ويتحول تعبير وجهها لابتسامة واسعة وهي تصافح سناء بحرارة بالغة  وهي تتابع :

  • انتي فين يا بنتي من زمان ؟؟
  • ابدًا موجودة والله في بيت جوزي ..
  • عاملة ايه معاه ؟
  • الحمد لله كويسة , عامله ايه انتي ؟
  • الحمد لله والله كويسة وانتي وحشاني موت , كتير ببقى نفسي اشوفك وبفتكرك , وساعات بجيب سيرتك مع اصحابنا وبيسألوا عليكي .

لبني زميلتها أيام الدراسة , دائمًا ما كانتا تتبادلان المحاضرات والأسئلة و الزيارات , تزوجت في عامها الأخير من الكلية ولكنها ظلت على علاقتها بها حتى تزوجت سناء , الحقيقة أن حياتها على طلعت لم تنسهَا أحدًا إذا كان هناك من سيلومها , لقد انستها نفسها !

تقول وهي تسحب يدها في رفق من يد صديقتها القديمة :

  • معلهش , انا موجودة والله انتي عارفة مشاغل الجواز وان يبقى عندك راجل محتاج اللي ياخد باله منه في كل حاجه ..

تضحك لبنى ضحكة تبدو صادقة وتقول :

  • واضح ان جالك اللي يظبطك , ايامنا مكانش حد بيعرف يتكلم معاكي .

تحاول سناء أن تبادلها الضحك ولكنها تنجح بصعوبة في رسم ابتسامة , تقودها للحديث في نقطة أخرى فتسألها عن ابناءها وتخبرهاعن السيد , تتحدثان لدقائق وتتبادلان أرقام الهاتف قبل أن تصافح لبنى سناء مودعة  في هذه للحظة , تلحظ سناء أن يد لبنى مليئة بالذهب , الاصابع  المعصم , حتى القلادة لى الصدر ضخمة بشكل كن يتندرن عليه قديمًا , لم تعرف لم آلمها المشهد وآلمها أكثر أنه آلمها ..

في النهاية أخذت ما تريده من السوق وابتاعت نصف كيلو من اللحم البقري من أحد الجزارين و كيلو من الارز . عند الظهر كان طلعت يدخل من الباب , لقد صدق المحامي , استقبلته في حرارة وتركته يغتسل , عندما جلس سألها على الفور:

  • انتي حاسبتي المحامي ؟
  • لأ لسه بس ما تشغلش بالك ..

قالت كاذبة :

  • ابويا اللي بعته وقالي هوا هيحاسبه .

يعرف طلعت أنها تكذب لكنه لن يستطيع إثبات هذا , لن يستطيع لعدم قدرته ولأنه لن يستطيع..

سألته عن أخباره فأجابها , بعد دقائق رصت أمامه أطباق الغداء , لحم وملوخية ورز  , تأملها طلعت لدقائق وكانت هذه المرة الأولى التي تراه يفكر والطعام أمامه , في النهاية استسلم وجلس يأكل في نهم ..

بعد ان انهى غداءه دخل الى فراشه , ونام نومًا عميقًا .. 

يتبع

تعليقات على فيسبوك