شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

3

في شرفة مكتبه التي تطل على المحطة وقف إسلام ينظر إلى المارّة وهو ينفث دخان سيجارته في الهواء ليمتزج بالغازات الخارجة من عوادم السيارات المارة , على البعد تلوح مجموعة من عربات التوكتوك المتراصة بجوار بعضها تنتظر من يأتي للركوب وينهمك بعض السائقين في مسح عرباتهم .

في المقابل تقف السيارات الميكروباص التي تحمل الركاب إلى المعرض ومؤخرًا إلى محطة القطار بمدينة طنطا الملاصقة للقرية ..

رغم اختلاف السيارات والأشخاص إلا ان إسلام يخيل له أنه يحفظ هذا المشهد , بمطعم الجامعة والصيدلية الملاصقة به يقابلها المدرسة الاعدادية بنين لمحلة مرحوم , بعد هذا المحلات المختلفة المضاءة على جانبي الطريق , تجعله الخلفية كمن يرى مشهدًا ثابتًا كل يوم لا يغيره سوى حدث من آن لآخر أو مشاجرة بالاسلحة البيضاء أو النارية كل عدة ساعات !

في كثير من المشاجرات يكون هو المستفيد الأول إذا ما كانت لافتته مضاءة , حين يأتي له أحدهم غارقًا في الدماء ليوكله لعمل محضر ورفع قضية , وإن كان أغلب عمله إداري ويعتمد بشكل رئيسي على كتابة العقُود و السمسرة في الأراضي والعقارات .

تنتهي السيجارة فيشعل سيجارة اخرى في ملل , منذ أيام والعمل في كساد وهو لا يقبل القضايا التي يشعر فيها أنها سيظلم الطرف الآخر , كان يختلف مع أصدقائه دائمًا وعنهم , هناك قضايا يحلمون بها لكنها لا تناسبه هو,  مازال متمسكًا بمباديء يراهَا تستحق حتى لو ضحى بحياته في بطء من أجلها ..

هناك معتز شقيقه الأصغر وعقدة حياتِه , تربى في شوارع القرية ونشأ على منهجهَا , هو الآن سائق توكتوك يحمل علامة في وجهه كانت

 ضربة بمطواة في يوم ما , وهو مشهد معتاد في وجوه وأجساد الكثيرين من أهل القرية , حيث لغة السلاح الأبيض هي ترجمة لحظية للغضب كما أن التميز لتكون قدوة لجميع الشباب بأن تطلق رصاصات مدفع آلي غير مرخص في الهواء على مرأى من الجميع ..

لا يجد له أي رادع أو حل , حاول معه جميع المحاولات التي استطاعها , كلفه مالاً كثيرًا وفي كل مرة يزداد إجرامًا , عدد من شرح وجوههم بالسكين يتجاوز عدد أصابع يده رغم أنه لم يتم العشرين عامًا بعد !

يزفُر في ضيقٍ وينظر في ساعته , ما زالت التاسعة مساءًا , الوقت يمر ببطء وملل وهو لم يجد وجهها جديدًا يدخل عنده منذ أكثر من شهر .

يرتذي جاكيت بذلته تمهيدًا للانصراف , انتظر حتى يسمع انتهاء صوت الخطوات على السلم تصعد للدور العلوي ولكنه للمفاجأة وجد من يطرق على بابه المفتوح

كانت امرأة في العشرينات من عمرها وإن بدا واضحًا من الدبلة الذهبية في يدها اليسرى أنها متزوجة وكذلك من زيها المتواضع الخالي من كل عناصر الجاذبية عكس بنات القرية  رحب بّها اسلام وأجلسها وجلس على مقعده خلف المكتب يتطلع إليها في صمت ..

قالت له :

  • طلعت جوزي محبوس , اتمسك من عالعلواية امبارح ومجاش للنهارده , اللي وصلي الخبر بيقول انه اتمسك بسيجارة حشيش , وأنا كنت عاوز أعرف في ايه ولا اعمل ايه وواحدة صاحبتي قالتلي اني اجيلك انتا محامي محترم .

في شك ينظر لها اسلام ويسأل :

  • سيجارة حشيش بس ؟ وممسوك امبارح ومجاش لدلوقتي ؟
  • ايوة والله .
  • مش معقول .
  • معرفش انا ده اللي وصلني وانا معرفش حتى هوا فين , الناس بتقول الحملة تبع مركز طنطا وانا عندي عيل بصراحه وعمري ما دخلت قسم ولا عارفة اسأل عليه ازاي .

يفكر اسلام قليلاً , يقول لها :

  • ماشي خير هشوف اعمل ايه وان شاء الله يطلع علطول .

يسألها :

  • اسم حضرتك ايه ؟
  • سناء .

لربع ساعة تالية يجلس إسلام للرد على أسئلة سناء ويحاول طمأنتها في ضوء ما تقوله , يسألها عما تشرب فتخبره أنها ستمشي فورًا لأنها تركت طفلها في البيت وحده , في النهاية تحاول سناء اعطاء اسلام مائة جنيه يرفضها بشدة ويقول :

  • لما اعمل حاجة هقولك اتعابي .

رغم حاجته الشديدة للمال , لكنه لا يضمن بعد أن هناك ما يمكنه عمله , لهذا لا يستطيع أن يقبله , وإن راقت له ابتسامة سناء وهي تشكرهُ قبل أن تنصرف .

____________________________

4

في الزنزانة جلس طلعت وحيدًا , لم يكن بالضعف الذي يجعل دموع القهر والألم تنزف من عينيه , كما لم يكُن بالقوة التي تعينه على الوقُوف من جلستهِ المهينة تلك ..

داخل الزنزانة لم يتحرش به أحد , فالجميع يعرف كيف هي محلة مرحوم بلد مجرمين يعرفونهم بالإسم الذي بلغ طول البلاد وعرضها ..

ولكنه كان يفكر في المستقبل ويحسبه بعيدًا عنه , يبحث عن أمل وقد ظن بنهاية كل الآمال في جلسته تلك لقد كذبوا عليه , قال له الأمين لو لم يجد حكمًا سيتركه ولكنه عندما وجد نفسه امام الضابط مكبل الأغلال , بينما يسأل عن تهمته , قال له لأمين :

  • لقينا معاه سيجارة بيشربها يصطبح يا عمرو بيه .
  • ده كلام , هنعمل  محضر بسيجارة برضه .

ثم ينظرُ لهُ عمرو بيه مليًا ويقول :

  • اعمله سلاح .

يتحدّث في هذه اللحظة وقد أدرك ما يُحاط به :

  • يا بيه انا عندي عيل ومراتي ما تعرفش اني هنا وانا ماليش في اي حاجة .
  • عليا انا ؟ دنتا من محلة مرحوم يا ابن ال…..

يلجمه السباب عن الرد , صحيح أنه اعتاد السب والقذف كثيرًا ولا يكاد يخلو حوار له مع صديق أو معاملة مع زوجته من عشرات الألفاظ البذيئة لكنه للمرة الأولى يجد أنه عاجز عن الرد , حتى في سره ..

يلمح الضابط صمته وذهوله , يهتف :

  • مش عاجبك ولا ايه , ارموه في الحجز ..

يقولها للأمين المجاور له فيجذبه هذا في عنف ويلقيه في حجز مكشوف في حجرة للمحققين , قال له :

  • لما تحب تطلع قولي امضيك عالمحضر .
  • يعني لو مضيت عالمحضر هطلع ؟
  • ايوة دي قضية ورق يا …امك عشان راضيين عنك ..

عندما قرر توقيع المحضر كان الضباط قد انصرفوا ونقلوه لسجن المركز , في اليوم التالي أخبروه بالعرض على نيابة غدًا بعدها سيعود لمنزله , هكذا جلس يدعو على الظلم و الظالمين ويأسى لحاله

في الخارج كان إسلام يبذل جهدا جهيدا في الوصول له , اطلع على المحضر , و ظل يسأل الضباط والأمناء , واستغل معارفه ليخبروه في النهاية أنهم سيدخلونه لملاقاة طلعت ولكنه لن يستطيع استلامه إلا من النيابة غدًا !

قال له اسلام عندما رآه :

  • انا جاي عشانك , مراتك جاتلي وقالتلي انك اتمسكت ..

هاله حالتا الاحباط والذهول المرتسمتان على وجه طلعت , قال له :

  • ما تقلقش دي قضة مفيهاش حاجة والبراءة سهلة ان شاء الله , انتا كان معاك مطوة ؟
  • ولا اي حاجة دول ولاد ستين كلب .

ينظر له إسلام متشككًا :

  • ولا أي حاجة ؟
  • كان معايا سيجارة مش مطوة

أومأ برأسه متفهمًا , قال :

  • طيب انا مش هقدر اطلعك النهارده , بس بكرة ان شاء الله هتروح وما تشغلش بالك بحاجة , انا جبتلك سندوتشات فول وطعمية معايا , لانك اكيد ما كلتش كويس من امبارح .

بلا انفعال يقول طلعت :

  • كتر خير الناس اللي هنا ..

يرمق اسلام بفضول وفي ذهنه تدور كيفية حصوله على اتعابه وهل حصل عليها فعلا , المأساة أنه لا يستطيع السؤال لأنه لا يملك الآن أي مال , كأنما شعر به إسلام:

  • لو ما نمتش نام كويس وبكرة هتنام في البيت ان شاء الله ومتشيلش هم أي حاجة ..

لا يترك له العريف فرصة للرد يجذبه ويعود بهِ إلى الزنزانة , للحظات يقف اسلام مفكرًا , ثم يدور على عقبيه وينصرف ..

يتبع

تعليقات على فيسبوك