شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

فصل 11,12

فصل 13,14

فصل 15,16

فصل 17,18,19

فصل 20 ,21,22

فصل 23 ,24,25

فصل 26 ,27,28

فصل 29 ,30,31

32

بينمَا تفكّر سنَاء في حظ طلعَت الرديء من الدنيا ندمَت للمرة الأولى على إصرارهَا على هذه الحيَاة , تمنت لو أن بإمكانها العودة إلى قدمي والدتها لتقبلهما قائلةً أنها لا تطيقُه وأنها لا بد ان تتخلص منه ومن حياتِه ومن مسارَاته .

كانَت ليلةً سوداء عندمَا أخذوه وإن كانت أخف وطأة واقل فزعًا من المرّة الأولى .

 لبرهةٍ جلست متجهمّة وقد بدا صراخ طفلها السيد وصيحاتِه متناسبةً مع ما يحدُث , بعد ساعةً جاء السيد صديق طلعت قلقًا يسأل لمَ لم يوصل له التوكتوك في موعده فأخبرته بما حدث , هدأها السيد وطمأنها أنه سيقوم باللازم , أخبرتهُ أن يأتي لها في الصبَاح إن كان يُريد المساعدة حقًا .

ولم تستطع النوم , ربما ساعتين طيلة الليل بين مجالسة الطفل أو النوم مستيقظةً في غفواتِه , وفي الصبَاح قبل أن يأتي السيد , حدثت صديقتهَا لبنى وشرحَت لهَا ما حدث , ربما تستطيع لبنى توسيط زوجهَا أو يستطيع التدخل في ما حدث , خاصةً ان ما حدث ظلم وطلعت لم يخُن الأمانَة وإنما القضية كيدية لأنه لم يرضخ لأصحاب العمل .

وعدتها لبنى بأن تحدث زوجها وتشرح له الظروف وتُعيد الإتصال بهَا .

لم تترك سناء نفسها عرضة للأفكار حتى تتصل لبنى بل قامت لتعيد تنظيف المنزل , فكرت أين تترك طفلها لعدة ساعَات ترى فيها الإجراءات وما يمكنهَا عمله من أجل طلعَت , عندما جاء السيد كانت قد حسمَت أمرهَا بإيصال الطفل إلى والدتها ولكن الوقت ما زال مبكرًا ولبنى لم تتصل بعد , قالت له أنها ستذهب للمحامي وتريدُه أن يوصلهَا , لم يمانِع , قالت له أنها ستنتظرهُ بعد المغرب ليتركا الطفل عند والدتها حتى عودتها وإذا أرادت أي شيءٍ آخر ستحدثه فمشى .

عندمَا حدثتهَا لبنَى أخيرًا اطمأنت .

قالَت لها أن زوجها طمأنها وأن الأمر بسيط وهذا يحدث في الأحكام الغيابية دائمًا وسيعارض حتى يخرج ليواجه القضية فقط عليها أن تكلف محامٍ ماهِر وسيساعده زوجها في أي إجراءات أو وساطة , والأمر مسألة يوم او اثنين وسيكون في المنزل .

رغم راحتهَا عندما أغلقت معها الهاتف إلا أنها ظلت متشائمة , حزنت كذلك لأنّها كرهَت ذلك الشعور الناجم عن حاجتها للبنى الآن كطوق نجَاة وفي رأسها تدور ذكرياتهما في الدراسة .

عندما جاء السيد ركبت معه وهي تحمل طفلهَا الذي عرجَت بهِ إلى منزل أسرتها قبل أن تتجه إلى إسلام المحامي وتجلس عنده ما يزيد قليلاً على النصف ساعَة .

طمأنها إسلام أيضًا أن الأمر لن يستغرق طويلاً , عندما خرجَت من عندهِ كانت قد ألقت حملاً ثقيلاً من رأسهَا , تهبط السلالم المظلمة مع السيد وللمرة الأولى بدا أنها تشعرُ باطمئنانِ له .

تركب معهُ التوكتوك وتقول :

  • هنعدي الأول عالبيت اجيب الواد .
  • اكيد

يقولها السيد وينطلق بالتوكتوك ناحية الكوبري , تهتف به سناء :

  • انتا رايح فين يا سيد هنروح نجيب الواد من البيت جنب الكنيسة انتا شارب ايه .

يهديء السيد من سرعته ويقول :

  • مش شارب ولا حاجة بس صعبانة عليا قلت اعزمك على سندوتشين من ابوفارس انتي زمانك طول النهار ما كلتيش .

ردت سناء :

  • وانا ورايا ايه الا الاكل , ماشي زي بعضه بس انجز .

ينطلق السيد مسرعًا بالتوكتوك مرةً أخرى إلى وجهته , يقف أمام محل الكفتة منتظرًا صناعة طلبه وينظر إلى سناء بين فينةٍ و أخرى فيجدهَا ترمقهُ منتظرَة .

ينتهي أبوفارس من إعداد طلبه فيناوله له فيأخذه السيد عائدًا للتوكتوك , يناول الطعام لسناء ويقول لهَا :

  • خلي بالك أنا عشايا معاكي .
  • خدهم كلهم يا اخويا .

ينطلق السيد مارًا بمنزل أسرتها في الشارع الذي يجاور كنيسة مار جرجس أحد الكنائس القديمة و العامرة بالقرية , ينتظرهَا حتى تجلب الصغير الذي يبدو أنه استيقظ توًا فقد كان مذهولاً , ركبت معه وانطلق مرةً اخرَى ليوصلهَا إلى المنزل .

عندما يصل إلى الباب تهبط سناء حاملة حقيبتها وكيس الطعام بينما يهبط هو ويحمل عنها الصغير حتى تفتح وتدخُل , تدخل إلى الداخل فيدخل خلفها مهرولاً حتى يضع الصغير على المقعد الكبير في الصالة , ينظرُ لسناء فيجدها تثبت نظرهَا تجاهه , يقول :

  • انا ليا تلات سندوتشات في الكيس ده هاتيهم في ورقة بقى او سيبهملي في الكيس اللي تشوفيه .
  • وما قلتلوش ليه يعملهم في كيسين ؟

لا يرد السيد بينما تنقل هي بصرها إلى الكيس وإليه وتقرر قسمة ما فيه , تجلس أمام منضدة صغيرة لتخرج ما بداخل الكيس بينما يقترب منها السيد .

عندمَا تشعر بقبلته على عنقها تحت حجابها القصير من الخلف وذراعه قد التفت حولها ترتعد وتجفل وتتعجب أنها لا تصرخ , تنظرُ لهُ مستنكرة وقد تركت الطعام على المنضدة لكنّه كان مصرًا , تدفعه بعيدًا وهي تريدُ أن تنهرهُ لكن كلماتها جاءت مرتبكة غير مفهومَة .

 يعاود السيد الاقتراب وهو يوجه شفتيه صوب فمها و يطبق عليه , لثوان تحاول سناء مقاومتهُ بشدّة و لكن جزءًا من عقلها كان يقبل ذلك , تكف عن المقاومة وتستسلم للحظات قبل أن تبادلهُ القبلة في وله .

بعد ساعةٍ ينصرف السيد منتشيًا وهو يترك سناء مع طفلها تُحاوِلُ إسكاته وقد بدا أنه لن يسكت , أما سناء فقد شعرت بدوارٍ شديد , بعد أن غادرها السيد أفاقت لما فعلته , عرفَت أنها لن تكُون المرة الأخيرة , وعرفَت كيف يمكن للخائن أن يكون خائنًا , الأمر أبسط مما ظنت كثيرًا , السيد شريكهَا في الجريمة وإذا تحدثت هي أو تحدث هو سيُقتلانِ معًا .

مرّت حياتهَا سريعةً بعقلها وهي تفكر هل ستكُون حياتها طبيعية كما كانَت قبل ذلك , حتى ما حدث لطلعت لم يهزها مثلما فعلَت الخيانة , قدرت أنها فعلَت شيئًا عظيمًا , وتارةً كانت تقول لنفسهَا لا بأس , من حقها أن تخطيء , فقط لا تكف عن التساؤل كيفَ ذهب إلتزامها وإعتزازها ..

 تقضي سناء ليلة منهكة ولكنها ما إن يغرق الطفل في نومهِ حتى راحت في نومٍ عميق , عندما إستيقظت منه في ظهر اليوم التالي حدثت إسلام الذي أخبرها أنه بذل ما بوسعه وأنهى إجراءات المعارضة وخلال وقت قصير ربما في الغد سيكُون طلعت في المنزل , سألته عن طلباته فقال لها أن القضية لم تنتهِ بعد , وأن هذا الخروج مؤقت حتى يُعاد النظر في القضية المحكُوم بها غيابيًا , بعد أن تنهِي سناء المحادثة مع إسلام تتلقى محادثة مع السيد , تخبره بالمستجدات ثم يشرع في الغزل في جسمها ولأول مرة تسترسل معه في حديثٍ من نوعٍ كهذا ..

اتفقت مع السيد بعد ذلك كيف سيلتقيان خارج القرية عند وجود طلعِت , قال لهَا أنه سيمر عليها الليلة ويحضر العشاء  وأن تجعل الطفل ينام مبكرًا , وعدتهُ بذلك , أغلقت وأدركت أنها قد غاصت في المستنقع ..

خلال وقت قصير ربما في الغد سيعود طلعت للمنزل ..

33

في طريقه عائدًا من المحكمة تذكر إسلام ما دار بينه وبين معتز بالأمس , معتز الأحمق الذي يصر على إهلاكهم .

كان عنيدًا جدًا , يصر أنه باع التوكتوك وقبض مقدمه وسيجلب بقية المال اليوم , بعد أن عنفه واتبع معه كافة أساليب الإحتيال , إستطاع أن يعرف القصة كاملة .

أخبره معتز بما دار وكيف كان يرافق بيومي في جلب المخدرات وكيف وضع السكين على عنقه ليأخذ هذا المال وينتظر بقية ماله ظهر اليوم , أخبرهُ إسلام بأن مستقبله سيكون قد انتهى تمامًا لو تم ضبطه متلبسًا وأن التوكتوك أهون ما ضاع وعليه أن ينسى المال والتوكتوك ويتعلم درسًا لنفسه .

لكن معتز كان مصرًا ونهض ليغلق باب حجرته إثر مشادة كبيرةٍ بينهمَا بعد أن قال إسلام له أنه سيذهب لبيومي بنفسه اليوم ليجلب بقية المال .

جاءته مهاتفةٌ من سناء فأجابها وطمأنها بإتمامه الإجراءات اللازمة وأنها مسألة وقت , عندمَا أغلق معها الهاتف خطر بخاطر أن يضيف لها خدمة جديدة إن إستطاعها , بحث في الأرقام ووجد رقم بعينه , اتصل به وسأله هل ما زال يعمل في المركز ؟ أخبره عن قضية طلعت والمعارضة وتسهيل الإجراءات له وسوفَ يُراعيه كما يفعل دائمًا .

جرّب أن يتصل بعبير لكنهَا لم ترد , عليهِ أن ينتظرَ إتصالهَا الذي وعدَت بهِ إذن .

إتصل بمعتز يستفسر عن مكانِه , أخبرهُ أنه في المنزل , أخبرهُ إسلام أنه قادم للغذاء وأن ينتظره , وبعد أقل من نصف ساعة كان إسلام قد وصل إلى المنزل , دخل إلى معتز في غرفته وقال له :

  • انتا كلمت بيومي ولا كلمك النهارده ؟

أجابه معتز :

  • لأ , اكلمه ليه مش إنتا قلت هتروحله .
  • ايوة انا هروحله انتا ما تشوفش الشخصية دي تاني ولا تقابلها , وفي ستين داهية التوكتوك وفلوسه .

يصعد الغضب إلى وجه معتز ويقول :

  • انا معادي معاه العصر يكون محضر الفلوس , لو مش هتروح سيبهالي انا اروح اجيبها
  • بقولك ايه , قلتلك اقعد ما تشوفش الشخصية دي تاني , انا هتغدى واروحله اشوفه محضر فلوس ولا محضر كلام ولا حكايته ايه المهم نرتاح منه وتفوق لدماغ أمك شوية .

يترك إسلام الغرفة ويخرج , يلتهم غذاءه على عجل وفيه ذهنه تدور آلاف الصور عن شكل حواره مع بيومي أو كيف سيأخذ المال منه .

عندما خرج إسلام من منزله متجهًا إلى بيومي لم يعلم ما الذي كان يدبرهُ بيومي لشقيقه , فقط عندما وصل إلى منزل بيومي ووجدَ على عتبته مصطفى الدريني ومجموعة من البلطجية يلمح بينهم عبده الذي كان خصمه في قضية ما وياسر السائق متعاطي البرشام الذي تشاجر معه من أجل عبير التي هجرته , و مجموعة وجوه تبدو مألوفة له لكنها مألوفة للسجن أكثر .

كانوا يقفون أمام الباب وبيد كل منهم شومة أو سنجة حادة أو خنجر , حين رأوا إسلام القادم نظروا لبعضهم البعض قبل أن ينزل السلاح , يتجه إسلام نحوهم مباشرة ويسأل :

  • عم بيومي موجود , عاوزه في كلمه .

يقول الدريني في شراسة :

  • عاوزه في ايه يا متر , ما تتكل على الله من هنا انتا راجل محترم .

يقول إسلام :

  • لا هوا فيه معاده بينه وبين معتز والمفروض منتظرني دلوقتي .

يرد الدريني :

  • لا هوا مستني معتز من الآخر كدا الفلوس معايا انا فيه معتز فيه فلوس مفيش معتز مفيش فلوس , اتكل على الله بقى يا متر ما تشغلناش .

نظر إسلام للمجموعة حولهُ وبدأ يفهم , هذا كمين لمعتز كان سيُضربُ فيهِ حتى يمُوت , لكنه لو استدار ومشى الآن فلن ينال شيئًا وهؤلاء الأوغاد لن يفعلوا معه ما يريدون فعلهُ مع معتز بالتأكيد.

يكرر إسلام :

  • قوله بس إسلام أخو معتز هوا عادي مش هيقول لأ .

يقولها ويحاول العُبور من بينهم فيدفعهُ الدريني للخلف :

  • قلتلك اتكل على الله يا استاذ اسلام .

يحتقن وجه إسلام ويهم بالحركة تجاه باب بيومي مرةً أخرى حين يشعرُ بالنصلِ يخترق قلبه ويسمع صوت ياسر السائق في أذنه :

  • انتا ايه اللي جابك سكتي بس , يله نصيب .

وينزع السائق النصل وهو يركله في صدره لينزف دماءه جوار الحائط , يحاول بعض المارة مساعدتهُ فيزجرهم الدريني ويرمق ياسر بنظرة قاتلة , هذا الوغد سيجعلهم يقضون سنوات جديدة في السجن , سيفتك به فيما بعد أما الآن فعلي الدريني التأكد من أن ما سيدفعه سيكُون كافيًا للرجال ولقضية المشاجرة وإلا سيدفع عمره مقابل هذا الشاب ..

أما إسلام فقد خرجت روحه ببطء يتناسب مع نزف الدماء الساقطة منه بينما عيناه متسعتان ترتجفان ناظرتان إلى السماء , بدا شاحبًا منتفضًا متفاجئًا , هل كان يتخيل عبير ؟ هل كان يتذكر قضاياه ؟ هل كان يفكر في معتز ؟ هل كان يفكر في حياته التي لم تبدأ ؟

بعد ربع ساعة من خروج روحه نقلهُ المارة في توكتوك إلى المركز الطبي , خاصةً أنه لم يبق أحد من المجرمين .

وفي الوقت الذي كان الطبيب يكتب التقرير الطبي لجثة المتوفي بينما أسرته تنتظر بالخارج لدفن الجثة , كان طلعت يركب عائدًا إلى المنزل في محلة مرحوم بعد أن أفرج عنه لمعارضتهِ على الحكم .

عندما وصلَ إلى المنزل سعيدًا بالعودة خجلاً مما حدث , أثاره وجود توكتوك السيد خارج باب منزله , ما الذي يفعلهُ هنا ..

اقترب طلعت من باب المنزل في حذر وأنصت فلم يسمع شيئًا , فتح الباب ودخل إلى حجرة نومه وصدمهُ ما رأى , كانت سناء زوجتهُ وأم طفله تنام أسفل صديقِه وقد أفزعهمَا قدومه حتى أنهما شعرا بالشلل للحظات , كانت كافية له ليخرج إلى الصالة ويلتقط زجاجة من ماء النار ويقف على عتبة باب المنزل وينادي المارة ليشهدُوا الفضيحة , السيد صديقه وزوجته , حاول السيد الهروب عاريًا قبل ان يجتمع حوله الناس ولكن طلعت هدده برش ماء النار على جسمه أو جسم زوجته إذا اقتربا, بعد أن اكتملت الفضيحة صنع لها مجلسًا عرفيًا حكم بالطلاق على زوجته دون أي حقوق وهو ما يعد عفوًا أما السيد فقد استطاع طلعت إذلاله عندما أشعل النار في التوكتوك الذي يملكه .

عانى طلعت من آثار خيانة سناء له , كان يظن أنه شُفيَ إلا عندما بلغه خبر زواجها بالسيد بعد شهور قليلة علم أنه ما زال يكرهها , لكنها أيضًا تحتفظ بالشيء الوحيد الذي يشبهه , ابنه الذي اسمه السيد !

النهاية

تعليقات على فيسبوك