شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

فصل 11,12

فصل 13,14

فصل 15,16

فصل 17,18,19

فصل 20 ,21,22

فصل 23 ,24,25

فصل 26 ,27,28

29

أصبَح السيد يظهر في الصورة مرةً اخرى .

منذ عملَ طلعَت معهُ على التوكتوك وقد أصبحَا لا يفترقان تقريبًا , لا يمر يومٌ دون أن يرى كل منهما الآخر عدة مرات حين تسليم التوكتوك أو حساب الايراد أو استلامه أو إصلاح شيء فيه , وقد استفاد طلعت من هذا العمل أكثر من دخله الوفير عن عمله السابق , فقد أصبحُ له العديد من المعارف والأصدقاء خاصةً أنه كان يخلص لعملهِ ويسعى للكسب فقط , السيّد كان يجلس بجواره أحيانًا ولكنه لا يكف عن النظر في المرآة واستعراض نفسه إذا ركبت فتاة جميلة أو امرأة شابة .

كانت سناء مضطرةً لقُبول الظروف الجديدَة خاصة أن طلعت يبدُو مرتاحًا ويمنحها نهاية كل يوم خمسة وعشرون جنيهًا تدخرهم للشهر القادم .

 رغم كل شيء كانت سناء ما زالت تنظر للمستقبل فتراهُ قاتمًا , ما التطور الذي ستشهدهُ حياة سائق توكتوك بلا طموح , صحيح أنّها ما تزال تشغل القطع الحريرية ولكن طلعت أعلن هجرانه للحرير إلى الأبَد , كانت تود أن تخطط لطلعَت اي شيء أو تبحَث له عن وظيفةٍ محدّدة , لكنه يبدو شغوفًا بالتكاتِك وقال لهَا حتّى لو أن السيد أخذ منه التوكتوك سيبحث عن صاحب توكتوك آخر ويأخذه بالوردية .

لكن السيد كان رابحًا , فهو يأخذ ثمن الوردية من طلعت , صحيح أنها لم تعد تراه بثقل الظل الأول , صارت تركب معه كلما وقف لها حين يعترضها وهي ذاهبة أو قادمة من أي مكان وتسعد بذلك , بشكلٍ ما هو رب عمل زوجهَا حاليًا أو شريكه !

تحسن دخل طلعت وصار يدخر معها ثلاثين جنيهًا يوميًا بدلاً من خمسة وعشرين وبالنسبة لهَا مع ما تنفقه من عملها هي كافية لحياة أفضل مما تمنت , كانت تعلمُ أن طلعت يكسب أكثر من ذلك ربما يبلغ إيراد ورديته مائة جنيه لكن هذا كافٍ بالنسبة لها هي التي منذ أشهر كانت تعاني لجعله يعمَل من الأساس .

هل تشتري خاتمًا ذهبيًا لتستعرضهُ أمام لبنى صديقتهَا , أم تدخر وتفتح محلاً كبيرًا كما تطمح ؟ أم تجعله سرًا خاصًا بهمَا , ما زال المبلغ ضئيلاً ولكن عليهمَا المثابرَة .

في هذا الصباح كانت عائدة من السوق , وجدت السيد يقف جوارها بالتوكتوك ويمسك الحقيبة من يدها وهو يقول :

  • ماشية شايلة واحنا معديين يصح كدا يا ست سناء , اركبي انتي مروحة ولا رايحة فين ؟

ويستدير ليحدث الراكبة بالخلف :

  • خديها جنبك يا ست كدا بعد اذنك .

تركب سناء ضاحكةً , تقول :

  • انتا ماشي ورايا ولا ايه , بتخلينا نزاحم الناس كدا وخلاص .
  • لا متقوليش كدا احنا تحت امرك والله .

تضحك وهي تنظر للراكبة بجوارهَا التي تضحك مجاملة بدورها قبل أن يديرا بصريهما إلى الشارع كل من جهته , تصل قبل الراكبة يهبط السيد من التوكتوك ويعاونها في حمل حقائب الخضروات والفاكهة حتى يصل إلى باب المنزل ويعود للتوكتوك مسرعا وهو يقول لسناء :

  • هعدي على طلعت في المعاد , مع السلامة يا ست سناء

تفتح سناء المنزل وهي تتعجب كيف كانت لا تطيقُه , يأتيها الصوت النائم لطلعت الذي ما زال مستلقيًا على الفراش ولكنه يسب الطفل حتى يسكت .

تعد لهُ إفطارًا سريعًا وتخرج الطعمية والخبز من إحدى الحقائب التي جلبتها وتوقظه قائلةً له أن الفطور جاهز , بينما تداعب سناء السيد وتطعمه علبةً من الزبادي ينهض طلعت و ينادي عليها ليتشاركا الإفطار .

يتناول طلعت إفطاره ويشاهد التلفاز قليلاً , يدخن سيجارتين ليجد أن الساعة قد صارت الثالثة عصرًا , خلال دقائق كان السيد واقفًا بالتوكتوك وهو يطلق آلة التنبيه ويناديه .

ارتدى طلعَت حذاءه وخرج , ركب مع السيّد الذي توجه نحو منزله قبل ان يترك المقود لطلعت ويقول له :

  • متتأخرش عن تسعة باليل بقى .

ينطلق طلعت في رحلته اليومية لإيصال أكبر عدد من الزبائن , بالأمس نسي زبون هاتفه وقد احتفظ به طلعت لنفسه لم يره لأحد حتى لزوجته , إذا سأله الزبون فربما يعطيه له وربما يقول أنه لم يره , لا يعلم ماذا سيفعل ضميره ولكن يبدو أنه هاتف متوسط القيمة , إما أن يستخدمه بعد فترة أو يبيعه في شارع طه الحكيم بطنطا .

يوصل عدًدا من الزبائن ويدُور حول القرية حوالي خمس عشرة مرة , يقضي ساعة من الراحة وهو يشاهد مباريات الكرة الجارية في الملعب العملاق القرية , ذلك الملعب المهيب الذي يتولى مهمة إدارته والحفاظ عليه أحد القيادات الشعبية والتنموية فوزي الجندي .

يأتيه زبون ذاهب لقرية منيل الهويشات المجاورة , يتفق معه على الأجرة ثم ينطلق به , يعود ليدور دورة أخرى ويصل لمحطة البنزين على مدخل القرية من جهة طريق مصر الاسكندرية الزراعي , يملأ خزانها ويقرر العودة للمنزل والاتصال بالسيد حتى يأتي أو يذهب إليه هو .

يقوم بركن التوكتوك جوار باب منزله , ويحصي حصيلة اليوم وهو يخرج ما سيعطيه لسنَاء وما سيعطيه للسيد وما سيتبقى له , يهبط أخيرًا ويدلِف إلى المنزل , يُحادث سنَاء قليلاً ويحتضن السيد ويرفعه إلى صدره ..

يجلس أمام التلفاز بحثًا عن فيلمٍ يراه حين يسمع طرقَات عنيفَة على الباب , ينهض ليفتح غاضبًا , فيجد رجلا ذو شارب يسأله مبادرًا :

  • انتا طلعت ؟

يجيب في حذر :

  • ايوة ياباشا فيه حاجة ؟ مين سيادتك ؟
  • تنفيذ احكام , عليك حكم سنة

يشير الرجل لرجال خلفه يدخلون ليأخذوا طلعت من ذراعيه , بينما يهتف به طلعت مستنكرًا :

  • حكم ايه يا باشا ؟
  • والله مش شغلي اعرف من النيابة .

كانت سناء مفزوعة مقهورة لا تعلم هل تصرخ أم تصمُت , كانت مأخوذة بالمفاجأة الغير متوقعة , حكم سنة ! , كيف حدث هذا ..

أما طلعت فقد ركب في السيارة وهو لا يعلم , هل هي قضية السلاح , هل هو ايصال الأمانة لا يعلم لكنه في طريقهِ لعمرو بيه صار لون كل شيءٍ في عينيه أسود.

___________________________________________

30

كانَ الألم في معدتهُ رهيبًا ..

لقد يئس معتز من الأطباء , ويئس من الشيوخ والدجالين , مر عامٌ كامل وهو يمر على الأطباء والشيوخ ولا يجد حلاً أو دواء , قام بتصوير أكثر من إشاعة , عمل كل التحاليل اللازمة أكثر من مرة , حتى أنّه وضع بطنهُ على المنظار , ولا تشخيص مقنع لهُ او حتى للطبيب المعالِج , لا يفهم كيف يكتبُون له علاجًا وهم لا يعرفون مرضه , وهو يعاني وهم يرونه لا يعاني من أي شيء ..

في كل مرةٍ كان الطبيب ينظرُ له كمن ينظُر لساحِر ومعتز يمد يده إلى بطنه ويريه كيف يصل لعموده الفقري إذا ضغط قليلاً على معدته , ولا نتيجَة ..

قال لهُ أحد الأطباء ذات مرة :

  • عندك قرحة جامدة من الهباب والبرشام اللي بتاخده , بطل الحاجات دي بوظتلك جدار البطن خالص .

وقد نفذ معتز نصائحهُ لأسبوعين ولكن دون جدوى , هكذا يمضي في كل علاجٍ , لا يجد نتيجة للعلاج من الأسبوع الأول إذن هو علاجٌ خاطيء , وهو لم يكن يصبرُ على أي علاجٍ أكثر من أسبوعين..

رغم سن معتز الصغير نسبيًا لكن احتمال الألم الذي لا يشعر به أحد هو من شيمِ الكبَار , الكبَار اللذين يئسوا من العلاجِ ولا يحبون الشفقَة .

شرب كل السوائل والأعشاب التي نصحوه بها , وحتى اليوم لا يمر يومٌ دون ان يشرب زنجبيل و ينسون و خلطة و قرفة و قرنفل أو ربما يشربهم جميعًا في كأسٍ واحد .

قال له أصدقاءه أن البيرة جيدة للمعدة ولها مفعول السحر , وقد قضى فترةً يشرب علبتين من البيرة كل يوم دون جدوَى .

لم يعُد يبالي الآن , عندما يكُون الألم ماضيًا كالذي يشعرُ به فمن الأفضل ألا يشعر بشيء , يلف سيجارة من البانجُو سبقهَا بنصف قرص من التامول , ويخرج ليشعلها من خلف مقود التوكتوك , يتأكد من اشتعالها جيدًا قبل أن يدير محرك التوكتوك وينطلق .

سيدُور قليلاً وينهي سيجارته ويجلب إفطارًا له ثم يذهب لبيومِي الذي ينتظره ليذهبا إلى برما أو كفر مسعود أو حتى داخل القرية .

منذ ما يزيد على شهرين بقليل وهو برفقة بيومي , والحق أن الرجل ذو صلات عملاقة , هو الآن صار يعرف الكثيرين من كفر مسعود و كفر خضر و العجيزي بطنطا و برما و حتى بسيون , وجميعهم تجار مخدرات أو سلاح أو كلاهما .

منذ أيام كان ذاهبًا مع بيومي إلى بلشيه في كفر الزيات , هكذا أوهمه ولكن قبل ان يصل إلى طريق بلشيه جعلهُ بيومي يدخل في طريق جانبي ويسير قليلاً وسط الأراضي , ليلتقي برجل يحمل مدفعًا آليًا يوقفهما في حزم , يقول له بيومي :

  • أنا جاي لأيمن الكبير .

يطلق الرجل طلقة من بضعة رصاصات متتالية في الهواء كتنبيه على هذا الوافد , ويتركهما ليسيران بالتوكتوك ما يقارب عشرين مترًا على الطريق الترابي وسط الأراضي قبل أن يجد مجموعة جالسة , بأزياء مختلفة وبجوار كل منهم مدفع آلي , وعلى بعد أمتار يلمح معتز لفائف البانجو الهائلة العدد , كم هذه الكمية ؟ طنان ؟ خمسة طن ؟ عشرة طن ؟ ربما أكثر ..

أيمن الكبير أحد هؤلاء بالطبع لكنه لم يعرفه , لأن المرحبين ببيومي كانوا أكثر الجالسين , سأل معتز بيومي في طريق عودتهمَا :

  • هما كلهم شايلين سلاح كدا ليه ده يوديهم في داهية أكتر من البانجو

يضحك بيومي بشدة ويقول :

  • مهم رايحين في داهية أصلا , أقل واحد من دول هربان من تأبيدة , أيمن اللي مدينا الحاجة دي تلاتة إعدام .

مخاطرةً كبيرةً كانَت , لكن عندما عاد معتز من هذه المغامرة كان يحمل ورقة بانجو ضخمة كهدية , وزع منها على كل أصدقاءه وما تبقى سيكفيه لأسبوع غيرَ أنه أخذ مائة جنيه صحيحة في هذا المشوار وحده من بيومي في ساعتين من الزمن بينما لو قضاهما داخل القرية فلو كان سوبر مان لن يجني أكثر من خمسين جنيهًا .

يلتقي معتز ببيومي في ذلك اليوم فيجعله يوصل ابنته لوجهتها ويعُود له , ولم يكن معتز يفهم هل يستغل بيومي ابنته معه أم أن الفتاة وحدها تأتي له , فقط يعرف جيدًا أنّه لم يسعى لها من البداية وهو لا يمانع حتى وإن سعى , هي من اعترضت طريقه وصارت له ولكنه حتى الآن لا يستطيع النوم معها في مكان مغلق , جرب أن يأخذها بالتوكتوك مرة للحدود الزراعية وكاد أحد الفلاحين يفتك بهما .

يأخذها بجوار نقطة مهجورة تابعة للجيش من النادر جدًا أن يعبر أحد هنالك , بعد ساعة يوصلها إلى محطة القرية فهي ذاهبة لشراء منظفات ولكنها ستجالس صديقة لها أولا , يتركها معتز ويعود ليلتقي ببيومي ويرى برنامج اليَوم .

بعد دقائق من الانتظار والسماع لبعض المهرجانات الصاخبة , يخرج بيومي ويركب التوكتوك فيغلق معتز بينما يأمره بيومي بالتوجه لكفر مسعود القريبة .

على الطريق العشوائي المتلوي يسير معتز بعد أن عبر بالتوكتوك كوبري الملاحة بعد دقائق يصل لوجهته التي جاء لها عدة مرات مع بيومي , ينادي بيومي على أبو موسى فيخرج مرحبًا بهِ وبمعتز.

كل عدة أيام يأتي بيومي ليشتري ثلاث أو أربع علب من الترامادول , تحوي كل علبة عشرة شرائط , وهو يأخذهم لاستخدامه الشخصي أو غذا قصده أحد أحباءه من المدمنين , في هذه المرة اشترى بيومي عشرة علب , قال له معتز ساخرًا :

  • انتا هتوسع النشاط ولا ايه يا عم بيومي , مش كفاية البانجو بورشام كمان؟
  • مش شغلك انتا علطول حاشر نفسك في اللي مالكش فيه كدا .
  • طب ما تجيب شريط .
  • ايه ؟ شريط ؟ طب قول حبايتين , هوا أصلا مش ليا انا جايبه لزبون ..
  • زبون ؟!

يسخر معتز وهو ينطلق بالتوكتوك عائدًا إلى القرية , ينهي الطريق الضيق قبل أن يصل إلى كوبري الملاحة , ينتبه مع صوت بيومي وهو يصرخ :

  • على جنب , نزلني أنا هنا , نزلني أنا هنا .

يتوقف معتز فجأة وهو يلتفت :

  • في ايه يا عم بيومي , هتنزل فين !
  • الحكومة قدامك يا غبي اطلع انت انا هتصرف .

مع إنهاء جملته يقفز بيومي من التوكتوك بينما ينظر معتز فيجد البوكس واقفًا فوق كوبري الملاحة , يلتفت لينظر لبيومي مرةً اخرى فيجده في طريقه للابتعاد بحماسة , ينظر في المقعد الخلفي حيث كان بيومي فيجد علب البرشام , بيومي الكلب يترك له حرزًا ضخمًا ..

ينظر ناحية البوكس فيجده يتحرك تجاهه , يفكر معتز لمدة ثوان ولا يجد أمامه سوى قرارٍ واحد , يهبط سريعًا من التوكتوك ويأخذ كيس البرشام من المقعد الخلفي ويقفز إلى الملاحة , يحاول أحد أمناء الشرطة اللحاق به مسرعًا ولكن معتز يقفز إلى الماء , يأمر الضابط أمين شرطة بالسباحة خلفه ولكنه يرفض ويقول أنه غير مهيأ للأمر .

ينهال رجال الداخلية على التوكتوك بالشوم حتى لا يظل فيه أي جزء سليم ويأمر الضابط أحد رجاله باستدعاء ونش ورفعه وأمر رجاله بالتحري عن الصبي الذي كان يقود التوكتوك وأين كان وما الذي يفعله .

أما معتز فقد اتخذ طريقه في الماء الذي يعرفه جيدًا منذ كان طفلاً , بينمَا تبقى الدوامات والبوابات فخًا لمن حاول تجربة السباحة ممن لا يعرف تضاريس الماء , حين شعر أنه ابتعد بقدرٍ كاف صعد أخيرًا إلى الشاطيء وهو يتنفس بصعوبة .

كان الجو باردًا ولكنه لا يشعر به , ما بذلهُ من جهد مع ما أخذه من حبوب يجعلان برودة الجو هينة.

فقط عندما تذكر التوكتوك الذي جاء بتعبِ أسرتهِ بكَى في حسرَة .

_______________________________

31

حتى الأمس لم يتلق إسلام اي محادثات هاتفية من عبير طوال أسبوعٍ كامِل , لكنّها بالأمس حدثتهُ باقتضَاب , قالت لهُ خبرًا اشعل النار بداخله , قالت لهُ أنها مسافرة بعد ايام ولا تعلمُ متى ستعُود , مسافرة للعمل بالخارج رغم أن هذا قد يعني ضياع فرصتها في الحصول على ماجستير أو راتب محترم لكنها لم تعد تطيق الجلوس في هذه الأجواء السياسية المحتقنة .

عندما اعتصرهُ الحزن لم يملك إلا أن يتمنى لها التوفيق , طلبَ منها أن تهاتفهُ مرةً أخيرَة قبل المغادرة فوعدته بتلبية طلبه وأنّها تتمنى لو جلست وقتًا أطول فقط لتستمر بمحادثته , لكنّه يعلم أن هذا كلامٌ لا طائل منه , عندمَا أغلقت المحادثة كانت النار ما تزال مستعرة بداخله , وقد رأى كل شيء سيفعلهُ كئيبًا .

قرر أن يدفن همومه في الأوراق أمامه , رغم مرور يوم فما زال يشعر بالقتَامة , كان منشغلاً بمطالعةِ بعض الأوراق حينَ وجد سناء تدخل إلى المكتب ومعهَا شخص قامت بتقديمه إليه :

  • السيد صاحب طلعت جوزي
  • اتفضلوا

جلسا على مقعدين متقابلين أمام مكتب إسلام , بينمَا سألها إسلام :

  • أمال فين طلعت .

قالت لهُ سناء :

  • بتوع التنفيذ خدوه امبارح بالليل , عليه قضية وصل أمانة .
  • وصل ايه خير ؟

تندفع سناء راويةً لهُ ما تعرفهُ من تفاصيل عن عمله مع الشركة وقصة الإيصال , تقول لهُ ان طلعت كذلك أخبرها أنه عمل محضر إثبات حالة يوم ترك العمل أثبت فيه شكل هذا الإيصال , تقول لهُ أن طلعت كان يستيقظ مبكرًا وانه بدأ يستقيم وأنهم قومٌ لا يعرفُون الرحمة حتى يفعلوا به هذا ويتركوها وطفلها دون عائل .

يسألها :

  • فيه مُحضر جاله قبل الحكم بالقضية ولا الحكم غيابي ؟
  • لا يا بيه مكانش يعرف حاجة خالص عن الموضوع احنا اتفاجئنا بيهم .

يفكر إسلام قليلاً قبل ان يقول :

  • إن شاء الله بكرة أو بعده هيطلع معايا من النيابة , انا بس هعارضله في القضية لأن الحكم صدر غيابي وربنا يسهل ونعرف ننهي الموضوع ودي .
  • يا بيه الناس دي شكلها مش بتاعت ودي الراجل راح في ثانية مغدور

يضحك إسلام مهدئًا وهو يقول :

  • ليه بس دول ناس كويسين وأنا عارفهم ولو كنتي قلتيلي من الأول كنت جبتلك الوصل بتاع طلعت وخير خلصانة إن شاء الله ريحي دماغك يا مدام .

تقول له سناء وهي ترفع سبابتها :

  • اوعى تكون بتقول كدا عشان تريحني .
  • لا والله أبدًا .

يلتفت إسلام إلى السيد الذي لم ينطق بكلمة طوال الحديث , ويسأله عما يشرب , يقول السيد :

  • لا يا اسلام بيه اتشرفت بسعادتك , بس لو فيه حاجة تتعمل لطلعت انا موجود .

يقول إسلام :

  • ما تستعجلوش يومين تلاتة بالكتير وهيكون برة بعد المعارضة إن شاء الله وابقوا عدوا عليا بعد بكرة لو مفيش جديد .

تنهض سناء وتعطيه مئتي جنيه قائلةً :

  • خد دي يا بيه تحت الحساب ولو عاوز أكتر قول أنا معايا فلوس .

يتناول إسلام المال منها وقد بدا رفضه غير مبرر هذه المرة , قال :

  • أما أشوفه بكرة وأشوف القضية والمحضر وهقولك أتعابي إن شاء الله .

تغادر سناء ومعها السيد أبو هبيل بينما يضع إسلام المال في جيبه ويرتب ماذا سيفعل ليرى طلعت غدًا , ويرتب اجراءات معارضته ..

ظل جالسًا في المكتب لساعَات لهذا لم يشعُر بما دار في الخارج ..

لقد ذهبَ معتز إلى منزل بيومي وتشاجر معهُ وكاد يشج وجهه بمطواة , لم يتركهُ إلا بعد أن قال له بيومي :

  • طلباتك .

صاح فيه معتز غاضبًا :

  • بتسلمني يا ابن الهرمة , يا ابن ال…., أنا لو مخدتش حق التوكتوك معايا حالاً والله ما هحلك الا أما هسيح دمّك .

يقول له بيومي في خوف :

  • اللي تطلبه يا باشا , والله هديك اللي انتا عاوزه .
  • عاوز خمسة وعشرين الف جنيه تمن التوكتوك بتاعي دلوقتي ومش مسامحك يا مخبر يا بن الهرمة .

يصرخ معتزًا قارنًا كلماته بخبطات من ظهر المطواة في جسد بيومي , الذي يقول له صارخًا بدوره :

  • قلتلك هديك الزفت تمن التوكتوك , متقولش مخبر والله ما كنت اعرف انتا كنت عاوزني اتحبس ولا ايه .
  • لا ياابن الهرمة أنا اللي اتحبس مكانك

ينهض بيومي بعد أن يتركه معتز ويتجه لمكتب بالغرفة يخرج منه مالاً يعطيه لمعتز ويقول له :

  • دول خمستلاف جنيه الحاضرين دلوقتي , تعالالي بكرة الضهر وخد بقيت فلوسك .

ينظر له معتز بريبة ويقول غاضبًا :

  • بقولك ايه يا عم انتا ما تشغلنيش , انا عاوز فلوسي على بعضهَا حالاً

يقول له بيومي :

  • وانا قلت مش هديك حاجة , يا عم بقولك بكرة هديك بقيت الفلوس وخد خمسة اهم , مش ده تمن التوكتوك بتاعك .

لوهلة يفكر معتز قبل أن يلتقط المال ويقول لبيومي وهو يخطو للخارج :

  • هجيلك بكرة الضهر آخد عشرين الف جنيه يا حاج .

يرمقهُ بيومِي من ظهرهِ طويلاً وهو ينسحب , والغل ينهش قلبهُ , يقرر أنه سيلقنهُ درسًا قاسيًا في الغد , لربما جعلهُ يزحَف على ركبتيه نظير هذا المال .

أما معتز فقد عاد وهو لا يعرف كيف سيواجه إسلام أو أمه , إسلام الذي ظل جالسًا في المكتب حتى جاءه أحد أصدقاءه ليخبره عما حدث للتوكتوك ..

اتصل بمعتز فوجد هاتفه مغلقًا , لم يشغله التوكتوك بقدر ما شغلهُ معتز , ولم يهدأ لهُ بال حتى عاد ليجده في المنزل .

يتبع

تعليقات على فيسبوك