شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

فصل 11,12

فصل 13,14

فصل 15,16

فصل 17,18,19

فصل 20 ,21,22

فصل 23 ,24,25

26

لم يعرف مصطفى الدريني ماذا يفعل اليوم ..

يشعرُ بالملل وقد جرّب كل شيء و إنتقم من كل أعداءه كما يحب , بالأمس اختطف زوجة الونش واغتصبها على سبيل الانتقام منه , ذلك الكلب الذي لم يجد ما يأكله حتى آواه في عصابته وأغدق عليه بالمال والبرشام وفي النهاية يتضح أنه مرشد للمباحث , يتعاون معها حتى لا يعود للسجن , كان يستمتع بصراخ زوجته بالأمس ورضوخها له , لم يكتف بذلك بل جعل اثنين من أصدقاءه  المجرمين يتابعون الليلة ..

علمته حياة الشقاء أن المسجل خطر عندما يتحول لمرشد يكونُ جبانًا , فليجرأ الونش أو أخوه أو أبوه على القدوم إن كانوا رجالاً .

يدس مسدس فرد مصنوع بورشة حداد في حزامه , لا ينسى أن يضع به طلقة خرطوش خضراء ضخمة , وينتقي مطواة من على مائدة في صالون شقته يفترش عليها ما يقرب من عشرين قطعة من السلاح الحاد يضعهَا في جيبه .

الحقيقة أنّه كان ظاهرة عجيبَة ..

هناك نسبة من البلطجية والمسجلين بالقرية ولكنهم المعدمين اللذين لم يجدو لهم مكانًا وسط أصحاب المصانع أو الصنعات أو الموظفين أو المتعلمين ..

أما الدريني فقد كان أثرى أثرياء القرية وله ممتلكات تفوق أباطرة للصناعة والتجارة ووسامة وقوة شخصية وشعبية , فما الذي يجبره على هذه الحيَاة ؟

سيظل هذا لغزًا ؟

قديمًا كان يشعل السجائر بالأوراق المالية , هكذا يأخذ ورقة المائة جنيه ويشعلها , يفعل هذا على المقهى ببساطة أمام الجالسين , يريد أن يثبت لنفسه أن المال ليس كل شيء , أن المال لا شيء , هل هذا المال هو سبب شقاءه ؟ أم أنه يميل ليحيا كما يريد , هو لا يخشى أحدًا , حتى الحكومة والقضاة بكل قاضاياهم , والسجن والأحكام به , كل هذه الأشياء تنتهي بمحامين , والمال يجلب أكبر المحامين ..

يخرج من المنزل ويمر مصافحًا والده الذي يدير مصنعًا واسع الأطراف ويجاوبه على مضض , يمضي بينما تشيعه نظرة الأب بمزيج من الحنق والشفقة والفخر .

جلس على أحد المقاهي بمنطقة المحطة , أتى أحد المعارِف ليشرب كوبًا من الشاي على المقعد بجوارِه , سأله عن ما يواجهه في القضية التي أطلق الرصاص على الفتى في قدمه , كان هذا أكثر مما يطيقه الدريني الذي لا يطيق تدخلات الأصدقاء فمن هذا إذن ؟

كان يضع علبة سجائره على الطاولة , مد يده والتقطها وفتحها ونظر داخلها قبل أن يقول :

  • العلبة دي كان فيها صابعين حشيش يا ابن ال…. , قلب نفسك بالذوق كدا .
  • انتا بتقول ايه يا مصطفى يعني انا حرامي .
  • حرامي ولا مش حرامي يا روح امك انتا هتحكّي معايا , يا تجيب الصابعين يا تجيب تلتميت جنيه وتتكل على الله .

يقول الرجل المغلوب على أمره :

  • والله ما معايا ميت جنيه حتى

يلتقط الدريني هاتف الرجل من جيبه العلوي , بينما لا يجروء الرجل على منعه , يقول له وهو يخرج شريحته ويناولها له :

  • تجيبلي حاجتي او فلوسها وخد موبايلك والا هسيحه على آخر النهار .

لا يحتاج الدريني للهاتف , ولا للمال , ولم يكن هناك حشيش في علبة السجائر , لكن هذا درسٌ لمن يحاول أن يقترب أو يتودد منه , لم يكن ضالاً على طول الخط ولم يولد كذلك , لكنْ على من يخشون مواجهة كل شر في هذه الدنيا أن يتجنبوه , هو فقط لا يواجه الشر , هو الشر .

يعرف أنه لن يرى هذا الرجل مرة أخرى , ربما يوسّط أحد المعارف أو الأصدقاء أو يذهب لوالده في المصنع لكنه سيخشى ذلك , لا أحد يأمن رد فعل الدريني , قصصه تملأ كل مكان وفي كل مرة يذهب ليمُوت لكنه يعود بقصة جديدَة .

ينتهي من شرب الشاي فينهض ويخرج للمحطة , ينظر على المارة قليلاً ويلمح بيومي تاجر البانجو راكبًا في توكتوك فيناديه بصوت عال :

  • بيومي .

يأمر بيومي معتز سائق التوكتوك بالتوقف , يشير له الدريني أن يظل مكانه , ويعبر الطريق إليه ليلتف حول التوكتوك ويجلس بجواره .

  • عاوز اتنين كيلو دخان , تبعتهملي .
  • عالعصر كدا يبقوا عندك بالف و ميتين جنيه لمصطفى
  • هما الف جنيه وابعتهم مظبوطين
  • لا انتا بتيجي عليا كدا وانا مديك الحاجة بسعرها انتا عارف انا مبكسبش منك وانتا عارف السوق .

يرمق الدريني معتز في مرآة التوكتوك اليسرى ويبادله معتز النظر وقد تحفز كل جسمه وهو يذكر مشادته الأخيرة مع الدريني , بينمَا يبتسم مصطفى ساخرًا وهو يوجه كلامه إلى بيومي :

  • هستناهم منك يا حج , انتا عارف اللي عند الدرش مبيروحش .

يهبط الدريني من التوكتوك ليجد في وجهه أحد رفاقه , يناديه ويخرج من جيبه شريطًا من أقراص الترامادول يبتلع منه ثلاثة أقراص ويعطي لصديقه مثله ويترك الباقي في جيبه لوقتٍ آخر قبل أن يخرج شريطًا آخر من الابتريل 2 مجم ويأخذ قرصين  ..

بالنسبة للإنسان الطبيعي فقد تكفي جرعة كهذه لقتله , ولكن الدريني مدمن قديم , كانت هذه الأقراص ربما كافية لإشعاره بالقوة بالكاد .

يقف نصف ساعة يلقي كل من يمر فيها عليه التحية قبل أن يقرر أخيرًا العودة للمنزل وانتظار البانجو .

______________________________

27

لا تعرف سنَاء أين كان طلعت ..

منذ أيام أخبرها أنه ترك العمل , عاد وعد أمامها ثمنمائة جنيه أعطاها منها خمسمائة , قبل أن يعيد الباقي لجيبه , مساءًا خرج قائلاً أنه سيبحث عن عمل , لكنه عاد لصورته الأولى ..

منذ ثلاثة أيام وهو يعود بعد منتصف الليل , لا يكاد يرى أمامه , تشم رائحة الدخان في ملابسه فتعلم أنها كانت ليلة طويلة , تسمعه يهاتف السيد صديقه عن فرح الأمس والحنة التي هو معزوم عليهَا الليلة , والحنة هي الليلة التي تسبق الدخلة في حفلات الزفاف , و تكون دائمًا مليئة بأطباق الفاكهة والبانجو وزجاجات البيرة وربما بعض الراقصات الليليات اللاتي يضاعفن جمع النقوط ويسهمن في زيادة حصيلة الليلة .

رغم ما يحويه هذا المشهد من تناقضات إلا أنه يبدو كعرف سائد حتى بين بعض أسر الفلاحين المحافظة , حتى وإن كان الحشيش والبيرة من المحظورات ففي تلك الليالي تكون هي لغة الواجب وليس عجيبًا أن ترى رجلاً ووالده يشربان معًا على ذات المائدة !

عرفت أن طلعت عاد لقضاء لياليه في الأفرَاح بعد أن ترَك العمَل , عرفَت كذلك كيف ترك العمَل وحتى قبل أن يعود في اليوم الذي فعل فيه فعلته , فقد أرسل له مديره حتى باب المنزل ليستفسر عن ما فعله طلعت , ورغم خوفها من رد الفعل وتعبيرها الغاضب عن عدم حاجتها للمال بهذه الطريقة إلا أنها كانت تشعر بإعجاب خفي لما حدث ..

تبدد سريعًا مع تبدد حياة طلعت الذي عاد لمصاحبة السيد وشرب المخدرات وسينفذ ما تبقى من ماله خلال يوم أو اثنين , تمنت لو كان شعورهَا بأنه قد صار مسئولاً أخيرًا كان حقيقيًا .

حتى السيد طفلها صار متوترًا أميل للصراخ ..

والسيد صديقهُ عاد لحياتها مرةً أخرى عندما عاد الليلة قالت له :

  • طلعت , انتا مش هتشوف شغل جديد ولا ايه ؟
  • انا بدور يا سناء مش ساكت .
  • ايوة بامارة مشيك مع السيد والافراح كل يوم.

ينظر لها في شراسة :

  • وماله السيد ؟ تاني السيد !

تصمُت سنَاء وقدْ علمَت أن المواجهة خاسرَة , قالت له بعد دقيقَة :

  • الراجل بتاع الشغل بعتلك تاني النهارده وعاوزك تروحله , متشوفه يا طلعت هوا كل يوم هينطلنا هنا .

يشعر طلعَت بالغضب , يرد :

  • هروح لأمه بكرة أما اشوف هتخلص على ايه .

تدخل سنَاء حجرة النوم وقد انتقل الغضب لنفسهَا , تشغل التلفاز وتستلقي على الفراش تداعب السيد الذي التفت إلى التفاز واندمج معه .

تجُول برأسها فكرة , ماذا لو حدثت لبنى لتحدث زوجهَا ليرى عملاً لطلعت , بعيدًا عن هذه القرية وأعمالها , تفكر هل من المناسب أن تطلب منها ذلك ؟ وهل ستوافق على مساعدتها ؟ ثم هل سيكون طلعت واجهةً مناسبة لهَا إذا وجدت له عملاً مناسب , هي رأت ما يفعله العملُ به , ولكنها حتى الآن لا تفهم ما حدث لطلعت في عملِه وما نتيجة ما فعله , وهل هو مسرور لأنه تركه أم كان مضطرًا كما يقول ..

أين مشاريعهُ التي حدثهَا عنها عندما قال أنه سيترك هذا العمل ؟

لن تستطيع إيجاد عملٍ له , هو يستطيع أن يفعل هذا بنفسه عندما يرغبُ في ذلك , عندما جاء ليداعب طفلهما ذهبت في النوم .

عندما استيقظت مبكرًا لم تجد أهمية لإيقاظ طلعت , لم يعد هناك عمل الآن , لكن طلعت عندمَا استيقظ كان عنده رأي آخر .

اتصل طلعت بالسيد أبو هبيل وأمره أن يمر عليه , بعد ربع ساعة كان السيّد يضرب آلة تنبيه التوكتوك على باب طلعت , ركب طلعت معه و أخبره عن وجهتهُ الأولى وهي الشركة التي كان يعمل بهَا , بعد دقائق , كان يدخل في مواجهة رئيسه السابق محمد عبد الحافظ .

قال له عبدالحافظ :

  • لما انتا حلو كدا ما كنت خدت بقيت الفلوس بالمرة .

قال طلعت بلهجة جافة :

  • انا جاي عشان بعتلي البيت خير يا باشا اؤمرني ؟ لو على الفلوس اللي خدتها ده حقي ومرتبي .

يقول محمد عبدالحافظ :

  • انتا ناسي الوصل اللي عندنا ؟ عموما اهدى كدا وروق واقعد عشان نحلها بالعقل .

يجلس طلعت دون أن يعلق بينما يتابع عبد الحافظ :

  • أنا يلزمني منك تمن القطعة اللي ناقصة , ومراعاة لظروفك هعمل معاك الواجب , معاك أسبوع تجيبلي ألف جنيه وتاخد الوصل بتاعك , وإلا هضطر أرفعه , وانا مش هحاسبك على إنك تمد إيدك على فلوس في الدرج ولا اللي عملته .

يقول طلعت بذات اللهجة الجافة :

  • لا مؤاخذة يا باشا لو بتعمل كدا عشان الوصل فتبله وتشرب ميته , لكن أنا ما شفتش قطعة ناقصة عشان أحاسب عليها ولا ألف ولا مية .

يسأله عبد الحافظ مستنكرًا :

  • يعني مش هامّك الوصل ؟

يكرّر طلعت :

  • بلّه واشرب ميته يا باشا , لو هتقبل على نفسك تاخد أي فلوس أو تشتكيني بحق مش بتاعك أنا هستنى اشعار المحكمة .

يقول عبد الحافظ :

  • دنتا قلبك جامد قوي بقى , ومش هامك حد .
  • ازاي بس يا باشا بس يرضيك تاكل عرقي , انا طول النهار هنا كنت بشيل وبحط والمرتب أصلا ما يكفيش حاجة كمان بيتخصم , عاوزني اعمل ايه يا باشا .
  • يعني انتا مشفتش ومعديتش اللي كان موجود في المخزن , انتا هتستهبل عليا يا طلعت

ينهض طلعت من المقعد :

  • رجعنا للكلام اللي يزعل , تؤمر بحاجة يا باشا .
  • ايوة طبعًا هستنى منك الف جنيه قبل أسبوع من دلوقتي

يهز طلعت رأسه :

  • يا باشا قلتلك مش هجيب حاجة .

يتظاهر عبد الحافظ بالانشغال بأوراق أمامه على المكتب وهو يقول بلهجة قاطعة :

  • إنت حر !
  • سلام عليكم

يقولها طلعت ويخرج من الشركة ويلقي بنفسه داخل توكتوك السيد الذي كان ينتظره على بعد أمتار, يأمره بالتوجه لقهوة مرعي بمنطقة الشبكة التي تقع بها شبكة الكهرباء .

يسأل طلعت السيد :

  • مقدامكش شغل الواحد يقضي فيه الفترة الجاية ؟
  • ايه رأيك تنزل معايا عالتوكتوك ؟ بيبقى فيه مصالح كويسة ومشاوير لحد برما ولا هوشات او كفر المنصورة بتبقى حلوة .
  • لا يا عم وانتا هتعمل ايه انا بتكلم بجد .

يقول السيد :

  • وانا كمان , يا عم انزل معايا شوية كدا لحد ما تتظبط امورك وهنمشيها ورديات وبدل منا بشتغل كام ساعة بالنهار هشغل التوكتوك وردية كمان وهتراضى منها .

يفكر طلعت قليلاً , يحفزه السيّد أكثر :

  • أقل يومية هتعملها اربعين خمسين جنيه في خمس ست ساعات , احسن بكتير من قطمة الضهر اللي كنت فيها في المخزن ده ..

ينظر له طلعت ويتحدث بالكلام الوحيد الذي يستطيع أن يرد به :

  • هنبدأ من امتى ؟

______________________________

28

لا يُصدّق إسلام أنه يعيش أجمل أيامِه بعد , لكنّه كذلك لا يُريد أن يصدق ..

حبّه لعبير الذي أصابهُ باليأس فترةٍ طويلَة  , فيبدُو أن الله سيعوّض صبرهُ خيرًا , الآن يشعرُ انّه قريبٌ منهَا جدًا , يشعرُ أنّه على بعد مسافةٍ صغيرة من أحلامِه وحياتُه التي يتمنّاها , يشعر بسعادة لا حدود لها ينهش فيها في كل لحظَة , ردودهَا السابقَة عن المشكلات التي قد يسببّها حدوث هذا التقارب ..

عبير أيضًا تجيبه مرةً من وقتٍ لآخر الآن , اقتربت منهُ جدًا عندما حدثت مشكلة هذا السائِق , والآن يشعرُ انّها تحاول مقاومته و العودة لنفس المربع اللذي كانا فيه قبل هذه المشكلة .

بنسبةٍ كبيرَة لم يكُن ينتظرُ شيئًا , ربما كان يعلمُ أن هذا ما سيحدُث , لكنه لم يستطع منع نفسه من الاقتراب وقد لاحَت لهُ فرصَة , حتى وإن كانت لن تدُوم طويلاً , ربما يتذكر هذه الأيام فيما بعد كأجمل أيام عمره كما يظن الآن أن عبير هي أجمل ما حدَث في حياتِه وما سيحدُث .

داعبهُ الأمل , وهو شعورٌ قاسٍ إن كان كاذبًا فلا شيء يدعو للشفقِة أكثر من أمل في شيء لا رجاءَ منه , عبير أجابته بوضوح , وما زالت تجيبه بأفعالها , حتى الساعات القليلة المتتالية التي سرقها في الحديث معهَا عرف أنها لن تدوم , فقد عادت إتصالاتهما للتباعد تدريجيًا , تارةً يجدُ هاتفهَا مغلقًا وتارةً لا ترد , هناك ألف سبب يمنع الرد لكنه لا يكرر الاتصال فهو يعلم أن الإنسان يستطيع رؤية مكالمة واحدة كمئة مكالمة وإن لم تكن هناك ضرورة فلم يزعجها ؟

يعُود ويهدّيء عقله ..

لا واحدةَ تُشبه عبير , وإن كُتبَ عليهِ أن يحيَا حياة الشقاء هذهِ في هذه البلدة , فسيذكرهَا للأبد وكأن أحدًا لا يشبههَا فلا أحد يشبههَا , قال لهَا أنه غير نادمٍ على أي مشاعرٍ يمنحهَا لها أو حلم يحلمهُ معهَا أو حديثٍ يتحدثُه , يكفيهِ أنّها ما زالت هنا وما زالت معَه , لم تعدهُ بأي شيءٍ ولم يُرد أن تعدهُ بشيءٍ لن يكُون كذلك .

منذ اليومَ الأول الذي أحبّها وهو يعرف أن تتويج هذا الحُب ضربٌ من الأحلام وطريقٌ صعْب , أحيانًا كثيرة يظنّ أنّه يبالغ في حبه لعبير , بل قالت له عبير ذلك مرارًا , لكنّه يعرفْ أنّه لم يعبر أبدًا عما يشعرُ به نحوهَا , كل ما قالهُ أو فعله أو سيقولُه , ربما لن يكفي .

يلملم كل شتات نفسِه ويجعل تركيزه في إحدى القضايَا التي يعد مرافعتهَا لإلقاءها بعد أيّام , لكن في هذه المرة تقفز صورة معتز إلى صفحات القضية لتحتل الورق فلا ترى عيناه الكلمات ..

معتز الذي يشعُر بالخزي كلما تذكر ما يفعلهُ , لقد تحرّى عن ما قاله لهُ حامِد ووجدَ كلامهُ صحيحًا , طيلة اليوم يركب بيومي تاجر البانجو مع معتز أو يرسلهُ لشراء حاجاته , في نهاية اليوم يبدو أنه يمنح معتز مبلغًا يوميًا والأهم بما أنه يعرف معتز جيدًا أن يعطيه مع اليومية عرنوصًا من البانجو !

سيكُون سخيفًا أن يقول لمعتز أن هذا شيء سيء , سيكون سخيفًا أن يقول أن هذه وصمةٌ لن تنمحي وأن اسمه سيصل لمكتب مكافحة المخدرات وضباط المباحث بما أنه يعمل مع هذا الرجل , بيومي أكبر تاجر للبانجو ويعمل في وضح النهار منذ خمسة عشر عامًا على الأقل .

كيفَ يعمل في وضح النهار ويستمر خمسة عشر عامًا ؟ لا أحد يعرف , يُقَال أنه مرشد للمباحث ويقوم بتسليم عدد من الزبائن كقضايا تضاف لرصيد ضباط المباحث ومكافحة المخدرات , يُقَال أنه يدفع شهرية ضخمة لأن تجارته يوميًا قد تصل لما يزيد عن عشرين ألف جنيه بيعصا لصغَار المدمنين .

لا يعرف أحد على وجه الخصوص وبيومي نفسه لا يكف عن إعلان استياءهِ من هذه الإشاعات حتى أنك تشعر به مخبولاً , أوقف إسلام ذات مرة في الشارع ليقول دون مناسبة أو مقدمات :

  • ولاد الكلب عايزيني ابقى مرشد ومفيش حاجة عجباهم , وولاد ستين الكلب يقولك بيسلمنا , ده يرضي ربنا ؟ ده كلام يرضي ربنا ؟ اتقوا الله في الناس

يقولهَا بيومِي تاجر البانجو بإخلاص وبحرقَة , لو أن الحُكم لإسلام لقال هذا رجل طيب مظلوم , لكنّه يعلم ما يعلمُه كل سكّان القرية عن بيومي .

الآن يرى إسلام المستقبل , يرى نفسهُ واقفًا مع بيومي والأخير يبكي ويقسم له :

  • والله يا باشا معتز زي ابني واتمسك من غير حاجة وانا مش هسيبه وهعمله احلى واجب في الحبس

يستعيذ بالله من الشيطان ومن بيومي , ويُفكر كيف يشدّ معتز بعيدًا عن هذا الطريق , لقد حاول من قبل أن يجعله يعمل عند بعض أصدقاءه ولكنه دائمًا يُحرجه , رغم أنه يكسب مودة الجميع سريعًا وبسهولة ولكنه لا يستطيع كسب ثقتهم بل ربما يخسرها من اليوم الأول , هل يبيع التوكتوك ويفتح له محلاً أو يعثر لهُ على عملٍ خارج البلدة ؟ ليتهُ يعلمُ أن معتز سيرضخُ له , في الغالب سيعترض ويعتبره تحكمًا غير مقبُول .

منذ أيام وهو يقرر تأجيل مواجهة معتز , وقد أخفى الأمر عن الأسرة ولكنه الآن رأى فجأة أنه لا يحتمل التأجيل , ما الذي يذمن لهُ ألا يتم ضبط شقيقهِ الآن ؟

يهاتف معتز ويسأله عن مكانه فيجيبه :

  • في مشوار كدا , في حاجة ولا ايه ؟
  • آه أنا عاوزة تجيلي حالا على المكتب .
  • طب ساعة كدا عشان معايا زبون هوديه كفر الحما .
  • طب متتأخرش أنا مستنيك بسرعة .

يغلق وفي عقلهِ يدور تساؤل عن صدق معتز , لماذا لا يكون بيومي جالسًا خلفهُ , إن أي مسافة بعيدة داخل القرية أو حتى لكفر الحما القريبة جدا من القرية لن تأخذ نصف هذا الوقت , يقرر التركيز في مرافعته قليلاً حتى يأتي له معتز .

بعد ان يكون قد استغرق في إعداد مرافعته وبناءها على الثغرات في القضية أمامه , كان معتز داخلا محدثًا جلبة من باب مكتبه , دخل إلى الحمام على الفور وهو يلقي التحية ثم عاد ليجلس أمام إسلام , سأله عن أحدث قضاياه فلم يجبه إسلام , قال له على الفور :

  • انتا ماشي مع بيومي بتنيل ايه يا معتز الايام دي ؟

يضحك معتز ضحكة متوترة ويجيب :

  • ماله بس بيومي مهو زبون زي اي زبون يا اسلام .

يقُول إسلام وقد صعد الغضب إلى وجهه :

  • انتا هتستهبل , زبون زي اي زبون , منتا بايظ زيه عايز تبقى وسخ .

تختفِي السخرية من وجه معتز ويحل محلّها التجهّم و يرد :

  • يا عم قلتلك زي اي زبون وبيحاسبني كويس , أنا معدتش بطلب فلوس من حد
  • بيحاسبك كويس ولا بيكيفك كويس , وده اللي بيحاسبك كويس ؟ بيحاسبك ازاي بقى ؟ باليوم ولا بالساعة ؟ ولا بالطلعة يا معتز بيه

يصمُت معتز وقد علم أن إجابته ستستفز شقيقهُ أكثر , أما إسلام فكانَ غاضبًا , لا يبدو أن معتز مستعدٍ لسماع نصيحةٍ أو تقبلهَا , لا يبدو أنّه مستعد لتغيير مسارِه , كان يأمل أن يلمحَ ندمًا أو خجلاً أو تراجعًا , لكن معتز مرتَاح , يعرف إسلام أنهُ ينتظرهُ ليتحدث أكثر حتى يقول له لا شأن لك بي , لا دخل لك .

ينهض وهو يقول لإسلام :

  • انا قلت فيه حاجة , انتا جايبني عشان كدا

يرد إسلام في ثورة :

  • فيه حاجة ؟ عشان كدا ؟ انتا في مصيبة سودة يابني , انتا نفسك مصيبة , لو ربنا يريحني منك , لو الاقي حد ياخد فلوس ويموتني او يموتك .

يهمهم معتز وهو ينسحب , هو يعرف إسلام عندما يكون عصبيًا ولا يلقَي بالاً لكلماتِه , إسلام الذي يظن أنه خبير وعالم , إسلام الذي لم يرهُ نائمًا في الخلاء ولا هاربًا على الملاحة ولا في معاركهِ مع عائلات وشوارع ..

أما إسلام فبانسحاب معتز بدأ يهدأ وهو يلعنُ ثورتهُ وانفعالهُ , لقد جاء بمعتز لنصحهِ والتفاهِم معه , لكن هذا الوغد كان مستفزًا لأبعد حد

اتصل بعبير فربما تجيب فينسى ما حدث في ثانيَة , لكن رنينه كان متصلاً دون رد ..

وضع الهاتف وقد قرر أن لا يتصل بها مرةً أخرى , على الأقل هذهِ الأيام .

يتبع

تعليقات على فيسبوك