شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

فصل 1, 2

فصل 3 ,4

فصل 5,6

فصل 7,8

فصل 9,10

فصل 11,12

فصل 13,14

فصل 15,16

فصل 17,18,19

فصل 20 ,21,22

23

طيلة اليوم كان إسلام يشعر بانتشاء خاص حتى عندما تواجد بمكتبه مساءًا , أنساه القضايا التي يعمل عليها , أنساهُ شقيقه معتز والجن والمشاكل , أنساه متطلباته المادية , كان منتشيًا فقد كان مع عبير بل دفع عنهَا ظلم السائِق الجبَان ..

صحيح أنه لم يوافق على القبض على السائق ياسر أو التحقيق معه بالقسم واكتفى باعتذاره أمام رجال الشرطة ولكنه كافٍ تمامًا , هو لا يريد عداءًا مع زملاءه من السائقين خاصة أن بعضهم يقف أسفل مكتبه , كما أنه يعرف أن لهذا الوغد أسرة تتحمل كل مصاعب الحيَاة لتجد ما تسد به رمقهَا في هذه الحياة ,,

يفكر , كم عدد اللذين يعرفهم لكنهم لا يعيشون حقًا , ينتظرون اليوم تلو الآخر لإيجاد طعامٍ مناسب وقضاء وقتٍ لطيف وكم هي أمورٌ بسيطَة برغم هذا لا يجدونهَا ..

هاتفته عبير وقالت له :

  • مش عارفة اشكرك ازاي ولا بأي شكل , انتا جدع قوي يا اسلام .

يقُول صادقًا :

  • ما عملتش حاجة , هوا بني آدم عاوز ضرب الجزمة لكن انا بعدته عن طريقك وخلاص مش هيبصلك بعد كدا ان شاء الله
  • عارفة , انا بجد مش عارفة اقولك ايه أنا متشكرة جدا ربنا يخليك .

يتجاوزُ الأمر قائلاً :

  • سيبك من الكلام ده بقى , انتي كنتي شغالة رايقة ؟

تضحك :

  • ايوة , خيطت لولد صغير صعب عليا جدا كان واقع وقعة وحشة عالسلم فتحتله من شفته في وشه فتحة وحشة قوي طول اليوم مكتئبة بسببه ولولا إني بكلمك دلوقتي مكنتش ضحكت .

يتساءل اسلام متصنعًا الجدية :

  • ليه وأنا بقول حاجة تضحك ؟

تضحك عبير مجددًا :

  • لأ بس أنا مبسوطة إني بكلمك , انتا وقفت جنبي , وبعدين انتا مش عاوزني أضحك , خلاص يا سيدي ارجع مكتئبة .
  • لأ لأ أنا مقلتش كدا ربنا يديم ضحكتك علطول طبعا ..

عندما انتهت المكالمة بعد وقت طويل كان إسلام موقنًا انه يعيش أجمل أيام حياته , قال لعبير في الهاتف قبل أن يغلق :

  • مش عاوز بكرة ييجي , انا مبسوط كمان جدا انك سمحتيلي اكون معاكي النهارده ..

وقد كان صادقًا في هذا , يشعر بروحه تتوهج حتى ليكَاد يقفز , يشعر بوزنه يخفُت حتى ليكَادُ يطير , يشعرُ بصوتِ خطوات ويجد حامد الهرميل داخلاً عبر الباب , يقُول بعد أن صافحهُ :

  • مش هتبطل تيجي من غير تليفون ؟ مش هبطل أطلب منك الطلب ده ؟! ارحمني يا رب ..

يبتسم حامد في حرج ويقول :

  • يا باشا اللي بيننا أكبر من التليفونات , أنا قلت أعدي عليك لقيت يافطتك قايدة .
  • تنور يا حامد بيه بس متقوليش بقى ولا شاي ولا قهوة ولا ينسون , عندك المطبخ وعندك كل حاجة قوم اعمل لنفسك ..

ينظر له حامد بخبث ويقول :

  • هي بقت كدا , مش عايز يا عم
  • طب روح هات كيلو سكر
  • كمان ؟ مقلتليش طيب كنت جبت وانا جاي ..

في كل مرة يجلس إسلام وحامد في مشاكسة طويلة على سبيل المزاح , بعد وقتٍ نهض إسلام وأعد كوبين من الشاي , عندما عاد ورشف حامد رشفته الأولى قال لإسلام :

  • أخوك معتز ماشي مع واحدة ايه , طلقة .
  • معتز ؟!!!

يؤكد حامد :

  • آه , البت دي الولا يسري جوافة كان ماشي معاها وسكتها شمال وابوها بيبيع بانجو ..بس اييه , طلقة !

يسأل إسلام متعجبًا في حذر :

  • ابوها بيبيع بانجو ؟

يضحك حامد وهو يقول :

  • ايوة يا عم , بقولك يسري جوافة كان ماشي معاها عايزه يبيع سبح ..

يرشف رشفة أخرى ويضيف في تردد :

  • مش عارف ينفع اقولك ولا لا بس لازم اقول , انا شاكك إن معتز شغال معاه الايام دي لأني بشوفه معاه كتير في التوكتوك .
  • بتشوف مين ؟
  • الراجل اللي بيبيع بانجو اللي بقولك عليه , عم بيومي  .

يسأل إسلام مؤكدًا :

  • ده بيركب مع معتز علطول ؟

حامد مؤكدًا إجابته هازًا رأسه :

  • علطول ..
  • يا حلاوة !

يحترم حامد صمت إسلام الذي يسرح خيالهُ بعيدًا , يبدو أنه سيفقد السيطرة على معتز تمامًا , معتز الذي لا يستطيع أن يفكر كرجل نظيف , معتز الذي يبدو حزينًا أن يحط الانحطاط منه فقرر أن لا يتركهُ وأن يكون أكثر انحطاطًا من الانحطاط ..

بائع بانجو يا معتز ؟! , يشعر بعقله يكاد ينفجر , كان يتحمل الإصابات التي يصنعها في وجوه الناس باعتباره قوي الحجة لا يجد سبيلاً سوى هذا لأخذ حقه ومن عشرات التجارب التي رآها هنا في القرية يستطيع التماس بعض العذر له , لكن بائع بانجو ؟ هذا تطور خطير إذا وصم به فلن يُمحى إلى الأبد ..

وجده حامد غارقًا في الصمت فانسحب على وعد بزيارة أخرى قريبًا , بينما حدث إسلام معتز تليفونيًا فوجده في المنزل , أغلق المكالمة معه وغرق في خواطره مع معتز , لكنه لم يترك للحزن أو الهم مكانًا للدخول إليه في تلك الليلة , ربما بعض الغضب ولكنه سرعَان ما تبدد بالراحة عندما عادت خواطرهُ إلى عبير

______________________________________

24

في المركِز دخل عمَاد برفقة طلعَت إلى غرفة الاستيفاء , حيث كان يجلس شاب وسيم ملازم أول ومعه ثلاثة من أمناء الشرطة يجاورونه .

كان هناك طرفَان لمشكلة ما أمام الضابط يعاونه أميني شرطة بينما يجلس الثالث وهو يخط محضرًا لشخص في جهة أخرى , لدقائق تأمل طلعت الموجودين فاكتشف أنه يعرف الرجل المصاب والدماء تسيل من رأسه وتغرق جانبه الأيمن بينما يحتضن ضمادات ويجلس منتظرًا شيئًا ما , يعرفه لأنه أيضًا من محلة مرحوم ..

يلمح امرأة ممددة على عدد من الكراسي , ينظر خلف الأمناء فيرى صناديق البيرة ودواليب الأحراز , أخيرًا يشير له الضابط الشاب بالاقتراب , يسأله :

  • خير اتفضل ؟

يتذكر طلعت حديث عماد معه قبل أن يدخلا سويًا ويجيب :

  • عاوز اعمل محضر اثبات حالة .
  • ليه ؟!

يتردد طلعت قليلا قبل أن يقول :

  • كنت شغال في شركة بدأت شغل معاها من شهرين , وأول يوم شغل مضوني على ايصال أمانة وكنت عا..

يشير له الضابط الشاب بكفه ويهز راسه مقاطعًا وهو يقول :

  • مفهوم مفهوم , اتفضل الأمين حمدي هيعملك المحضر ..

نظر طلعت إلى عماد متعجبًا ولم يستطع أن يكتم السؤال :

  • سيادتك فهمت مشكلتي يا باشا ؟
  • ايوة فاهمها كويس , كل يوم تلاتة اربعة زيك , اصحاب شغل كتير ولاد حرام
  • وسايبينهم يعملوا فينا كدا ليه ؟

يبتسم الضابط الشاب ساخرًا :

  • يا بيه أنا بنفذ قانون وقانونًا مفيش اخطاء اللي بقدر عليه اني اجيبلك حقك بالقانون , اعمل محضرك بقى واخلص ..

يطلب الأمين بطاقة طلعت فيناولها له , يبدأ بأخذ أقواله , والحقيقة أن طلعت لم يتكلم كثيرًا , كان الأمين يحفظ تفاصيل الوقائع وكأنه كان شاهدًا في النهاية طلب صفات الإيصال الذي وقعه وسأله إن كان وقع غيره , قبل أن يراجع المحضر مع طلعت الذي يتناول القلم للتوقيع .

أخذ طلعت رقم المحضر وتاريخه بينما أمسك الضابط بالمحضر , وغمز لطلعت وهو يتناول قلمًا ويكتب على المحضر : طلب تحريات المباحث حول الواقعة .

  • عشان لو اتأكدنا من نظام عمل الشركة وشغلك معاهم واترفع ضدك الوصل اي وقت تقدر تطلع من النيابة إن شاء الله وفي النهاية حاول توصل لحل , بالسلامة ..

بعد خروجهمَا من المركز افترق عنه عماد , قال أن أصدقائه ينتظرونه في مقهى قريب وسيعاود الاتصال به والاطمئنان حال حدوث جديد , بينما اتجه طلعت لميدان اسكندرية لينتظر السيارة وقد هدأت نفسهُ كثيرًا واستعاد قوته و ذهنه .

فكر في طريق العودة كيف يخبر سناء بما حدث , جلس يرتب عددًا من السيناريوهات في ذهنه ولكنه مع الوصول إلى محطة القرية كان قد قرر أنّه لن يخبرها , كيف يحبطهَا وهو أكثر من لمَس تحسن حياتهمَا نفسيًا وماديًا ولو بقدر ضئيل بعد عملِه , كيف سيخبرها أنه مغفل و أن حديثهَا عن السيد وتحذيراتها منه ومن طرقه فإنها كانت بعيدة النظر ..

لن يعطيها مائة وعشرون جنيهًا بالتأكيد ويخبرها أن هذا مرتب الشهر , غدًا سيستدين من أصدقاءه وسيحاول الوصول لمبلغ معقول يعينها على أبسط تكاليف الغذاء والطفل طيلة الشهر المقبل .

عندما دخَل إلى المنزل , استقبلته سريعًا لتحضر له العشاء , سألها عن طفلهمَا فقالت أنه نام منذ نصف ساعة وتدعو الله أن يستمر نومه لترتاح قليلاً , سألته :

  • قبضت ؟

صمت وهو يعيد التفكير ماذا يخبرها قبل أن يحسم تردده :

  • لأ الشغل قالوا بكرة عشان المحاسب كان أجازة النهاردة .

يتسامران ساعةً قبل أن يدخلا للفراش , بعد أن ضمّها إليه نامَت سناء , بينمَا ظل طلعت مفتوح العينين لبرهَة , إلى أين يذهب صباحًا ومن أين يأتي بالمال لزوجته , يعرف أنها لا تنتظر شيئًا منه , يعرف أنّها تدخر ما يكفي ويزيد فهذه أقل دروس الأيام القاسية , ولكنه كان قد قرر أن لا يعود لسابِق عهدِه , وأن ينفِق عليهَا كالرجَال ما دامَت تُفنِي حياتهَا في بيته .

من سيقترض منهُ ؟ لا أحد , يعرف كثيرين ولكن أحدًا لن يمد له يد العون , إنه لم يبتعد عن البرشام الفترة الكافية لتمحو سيئاته , لن يصدق أحدٌ أنه يحتاج المال ليظل رجلاً أمام نفسه وليس لشراء الحشيش أو البرشام .

هل يملك شيئًا يبيعُه ؟ حتّى هاتفهِ لن يساوي خمسون جنيهًا , أخذ يقلّب الأمر في ذهنِه , قبل أن تأت لعقله فكرة بدأت صغيرة ثم أخذت تكبر وتكبر لترتاح نفسه وينَام ..

استيقظ في موعدهِ صباحًا , ارتدى ملابسه و هو يضاحِك طفلهُ السيّد بينمَا سناء تعد له إفطارًا سريعًا , تناولهُ على عجلٍ أثار دهشة سناء حتى أنها ضحكت قائلة :

  • انت في الشغل بقالك شهرين , أول مرة أشوفك بتفطر زي ما يكون حد بيجري وراك علطول كنت بتفطر براحتك خالص .

يجيب متضاحكًا :

  • يوم القبض بقى لازم أكون أول واحد بيقبض .

يخرج بينما تشيعهُ بدعوات بدوام الهداية وصلاحِ الحال , أما هو فيمشي ساهمًا , تارةً يسرع حتى يستطيع تنفيذ ما يخطط له وتارةً يبطيءُ وهو يعيدُ التفكير في تبعَات شيءٍ كهذا ..

في موعده قام طلعت بفتح أبواب الشركة , اتجه إلى المخزن لكنه لم يجلس على المكتب الصغير المخصص له , بل إتجه إلى مكتب المحاسِب مباشرة , قام بفتح الدرج الذي يجري التحصيل اليومي فيه ويظل المالُ موجودًا لليوم التالي , وللمرة الأولى منذ وطأت قدما طلعت هذا العمل يأخذ مالاً دون إذن , عشرات الآلاف يحصلها هؤلاء الأوغاد كل يوم ولا يمنحونه راتب شهر بخسٍ ..

يمسك بقبضةٍ من المال والشيطانُ يعبثُ بعقلهِ ويزيغُ عينيه , ثم يتذكر قوة أصحاب الشركة فيترك المال ويخرج قبضة صغيرة يعد منها ستمائة وثمانون جنيهًا يضعهَا في جيبه ويعيد بقية المال إلى الدرجِ قبل أن يغلقه مرةً أخرى .

يجلس على مقعده وهو يخرج مفتاح الشركة من ميدالية المفاتيح , ينتظر قليلا ليجد السكرتيرة أول القادمين , بعد تحيتها يترك لها المفتاح , قائلاً :

  • ادي ده للأستاذ محمد عبحافظ .

ولا يترك لها فرصة الرد , يمشي بينما تنادي اسمه لكنه لا يلتفت , يخرج من الشركة فيتنفس نفسًا طويلاً .

لا يستطيعُ العودة إلى المنزل فاليومُ لا يزالُ في بدايتِه , كما أنه لا يملكُ عملاً الآن , ولا يعرف أيّة نتيجة سيُحدثهَا ما فعَل , هو لم يسرق أحدًا , لقد أخذ حقّه , الوقاحَة ليست في أكل عرقهِ فحسبْ , بل إنّهم يظنُون أنّهُ عبدٌ لهُم طالما يملكُون إيصال أمَانَة !

يدُور في عقله تساؤل : هل سيتهمونَهُ بالسَرِقَة ؟ يخطر بعقلهِ سنَاء والسيّد , يفكر هل يعيد المال ويقرر أنه من حقه , تقوده قدمَاه سيرًا جوار مسجد سيدي الجوهري بداية حدود منطقة الجوهرية , والذي كان أحد قادة جيوش السيد البدوي , يعرف أنّ هناك إحدى المقاهي التي تفتح أبوابهَا فجرًا , يجلس ويطلبُ شايًا وحجرًا من المعسل , ويفكّر في القادِم .

____________________________________

25

كَانَت عبير مستاءة ..

لم يعُد عقلهَا قادرًا على التحكم بعواطفِهَا كما كان يفعَل ! , منذ الأمس وإسلام لا يبارح عقلهَا , هي التي كانت تتذكره من برهةٍ لأخرى من قبلْ .

هل يدق قلبهَا لأنهَا تشعر أنّها تريد الاقتراب منه و أن يكون هو الرجل الذي ستشاركهُ حياتهَا , أم يدق القلبُ لأنّه سكنَ بالفعلِ هنَاك ؟ , تتذكر والدهَا العصبي فيبدُو لهَا إسلام خيارًا مستبعدًا مرفوضًا , هو لن يوافِق وعلى أحسن الظروف سيقول لهَا تزوجيه ولكن لا تعرفيِني مرةً أخرَى , وهي لا تريد مجرد التوتر بينها وبين أسرتها .

منذ ليلة الأمس وحتى ظهر اليوم تحدثا ثلاثة مرات , وهو ما يعادلُ محادثاتهما خلال شهرٍ قبل ذلك, هل أسهم موقفُ الأمس بحدوث تقاربٌ إلى هذا الحد الذي ملك عقلهَا أم أنها ترغب بذلك منذ البداية لكنها تركت العنان لنفسها الليلة ؟

تفكر ما الذي دفعهَا للإتصال بإسلام منذ البداية , تتذكر خوفهَا ورعبهَا الأيام الماضية فتقول لنفسها أنّها لم تجد طريقًا آخر , أمن المستشفى لا سلطةُ له خارجهَا , وزملاؤها الأطباء يفضلون المشي جوار الحائط وتراهم دائمًا يقفون متفرجين في أي مشكلة .

رغم كل محاولاتهَا ألا تراهُ قد فعلَ شيئًا لكن صورة شهامتهُ تغلب رؤيتهَا , الحقيقة أنه وقف من أجلهَا وعرض نفسه للخطر , الحقيقة أنه أتى إليها فورًا عندما حدثته , الحقيقةُ أيضًا أنه يهتم بهَا فعلاً ولم يحاول التجاوز أبدًا دائمًا يلتزم بالحدود التي تضعهَا , قبل الأمس كان يضايقهَا أن يكرر طلب الزواج , لقد وضحت له بصراحَة أكثر من مرّة وما زال يأمل , اليومَ تشعرُ أنّه تحمّل الكثير من أجلهَا .

رنين الهاتِف برسالة جديدة , تتطلع إليها في لهفَة :

لكلّ البلادِ ذهبتُ أسير

أطوفُ المدُن والقرَى والهضَاب

وليسَ بقلبِي سواكِي عبير

فرؤياكِ شيءٌ يطيرُ الصوّاب

المرسل : أ . إسلام +201…

مع السرور الذي غمرها والقشعريرة التي شعرَت بهَا عرفَت عبير أنها تجاوزت كل الحدود مع إسلام , لم تستطع اخفاء إعجابها بهِ أمام نفسهَا , لم تستطع أن تمنع محاولاته من مداعبة مشاعرهَا وروحهَا , ومع دقّات قلبها المتزايدة النابضة بالحب , شعرَت بشيءٍ ناقِص , رغم ما تشعر به من سعادَة إلا أنها لم تفهم سر هذه الصورة القاتمة التي تشعر به داخلها ..

تفهم أن عقلها هو المصدر , ما زال يقاوم , ما زال ينذرهَا أن هذا الأمر إن بدأ لن ينتهي على خير , قد تخسر أهلهَا أو إسلام وهو خيارٌ مرّ لظروفهَا , أهلهَا اللذين يعملون ويرسلون لها نفقات الحياة والدراسة ويثقون بهَا ويعتمدُون عليهَا ويختارُون زوجهَا !

كانَ لهَا شعورٌ بالحب في سنوَات دراستها الجامعية الأولى , لكنها وُئدت سريعًا , في البداية كان تقاربهمَا لطيفًا رقيقًا , كان شابًا وسيمًا لكنه مغرور , يرتدي أفخر الثياب والنظارات والساعات ويضع أنظف العطور وبدا مختلفًا متناقضًا مع كل زملاءها في الكلية , لأنه يجد الوقت لهذا , ولأنه يعرف ما يفعله ..

طاردهَا بكلماتٍ خافتة كلما تعثر بها حتى مالت له , وبدأت قصتها الأولى التي لم تطُل ولا تحب تذكرهَا , لا تريد أن تذكر كم مرة التقته , كم مرةٍ خرجَا سويًا والتقيا في مطاعم ومقاهٍ بعيدًا عن كل الزملاء , لكنّها رغم تعددها لم تطل الفترة , كان كاذبًا في كل شيء , هو لا يحبها وإنما يحب كثيرات , هو لا يحلم ببيت ومستقبل بل يخطط للهجرة دون خطة ! , هو لا يسكن في شارع النادي وإنما في قحافَة , والأهم أن هذا كله يعني أنّه لن يريد بها خيرًا , هكذا أغلقت هذا الباب نهائيًا ولسنتين بعد ذلك اكتشفت أقذر الجوانب فيه , الابتزاز , لم يكن معه شيء سوى لقاءاتهما المحدودة في الأماكن العامة لكنها كانت كافية لها هي التي لا يعرف أحدٌ أنها تهوى مصاحبة الشباب حتى الآن !

فقط ما تبقى وتريد أن تذكره أن هذا الشخص كان سيدفعها لمواجهة كل العالم من أجله , لكن بعض النتائج لما حصل في ذلك الوقت تجعل عقلها يمثل حاجزًا الآن , ربما أحبت إسلام لكنّها لن تصنع أي حياة معه فهي لا تريد أن تظلمهُ أو تظلم نفسهَا , كانت مقتنعةً بذلك .

قاطعهَا رنين الهاتِف , كان إسلام هو المتصل , تبادره :

  • ايه يا عم الكلام الجامد ده , انتا باعتلي شعر ؟
  • آه أقل حاجة تتكتبلك
  • لا أنا مش قد الكلام ده , وبعدين انت غيرت الشغل ولا ايه ..

يتحدثان ما يقارب عشرة دقائق , وعندمَا أغلقت شعرت عبير أنه يحتل جزءًا جديدًا منهَا , كما أنها تشعر بتأنيب الضمير , تقرر تأجيل التفكير في الامر حتى تنهي واجباتها وتغلق الهاتف , هي لا تتحدث من خلاله كثيرًا , وأسرتها متواجدة على الانترنت ويمكنهم التواصل معها عبر الفيس بوك وهي تتابعه من جهاز كومبيوتر منزلي .

أما إسلام , فسوف تأخذ موقفًا هل سيكُون المستقبل أم مشكلة أخرى؟! ..

يتبع

تعليقات على فيسبوك