شكر خاص لصفحة ( محلة مرحوم – الصفحة الرسمية ) على فيسبوك و للكاتب وحيد فريد ولكل من نشر عن الرواية في نشرها السابق لحلقات محدودة , ننشر الرواية كاملة هذه المرة على حلقات يومية مسلسلة على موقع Arabooks

إهداء

إلى كل من يعيش على هذه الأرض

وكل من دفن فيها

طارق عميرة

1

في خطوات بطيئَة يسير طلعت في الشارع الضيق المتلوي الذي لا يزيد عرضه عن مترين ويتكون من منحنيات عشوائية كثيرة بامتداد الشارع , ورغم كثرة المنحنيات وبطء خطواته إلا انه ترك قدميه تقُودانه إلى نهايته , حيث الصحبَة المنتظرَة .

تسمي الحكومة هذا الشارع بالقادسية , وهو لا يعرف سبب هذا الاسم او صلته بالموقعة الاسلامية الشهيرة , يصر كمعظم الأهالي والمارة على تسمية هذا الزقاق بالثعبان للشبه البالغ بين منحنياتهما ..

سبب بطء خطوتهِ هو السيجارة الملفوفة في فمه , مع كل نفس يشده يزداد احمرار عينيه ولكنّه لا يعبأ  , حتى مع مرأى الجامع الأثري في نهاية الزقاق والذي يطوي تاريخ أمم مضت منذ فجر دين الاسلام وما زال قابعًا على تلة عالية ميزها أهل القرية باسم ” العلواية “بينما سموا المسجد نفسه مسجد المدرسة .

لم يكن الجامع يحوي رادعًا بل لقد اعتاد منذ الصغر أن يجتمع بأصدقاءه على المقهى أسفل المسجد , دائمًا كان المصلين يدخلون من باب المسجد بينما يجلس هو يشد أنفاس المعسل أمام الباب , لكن في هذه المرّة كانت بانتظاره مفاجأة ..

لم يكن عماد صديقه ينتظره كما قال له بعد أن أنهى عمله في مصنع الحرير الذي يملكه , ولم يكن السيد بعد ان وضع عربته التوكتوك في الجراج , كانت سيارتان كحليتان طراز نصف نقل ذات مظلة وأمامها يتناثر مجموعة من الرجال بأزياء كلاسيكية , رآهم فعرف أنهم صادوه ورأوه فعرفوا أنهم وجدوا غنيمتهُم ..

أقبلوا عليه هاشين محيطين , سأله أحدهم وهو بشارب وقد رآهم جميعًا بشواربٍ مختلفة الأحجام :

  • ايه اللي في ايدك ده ؟

يناوله طلعَت سيجارة الحشيش في صمت دون أن يفتح فمه , هو يعلم ان اي كلمة لن تفيد , أي كلمة بصوته الذي خشنته اصناف البرشام وطريقته الخشنة التي اعتادها في التعامل ووجدها تؤتي ثمارًا جيدة مع الضعفاء والفتيات والمراهقين , هذا لن يفلح الآن وهو خير من يعرف ذلك ..

بطريقة عنيفة جذبه الرجال ناحية البوكس, ولم يعطوه فرصة للحديث بينما عقب أحدهم :

  • فتشوه كويس قبل ما يركب اكيد معاه غيرها .

يعرف طلعت أنه لو تحدث بصوته وطريقته فسينال ضربًا كثيرًا على قفاه , لهذا قال بنبرة من النادر أن تسمعها منه ولو سمعتها لأذللته بها بقية حياته :

  • يا باشا دي كانت سيجارة مالغلب , والله ما معايا غيرها , انا مش هشرب تاني ..
  • لا يا روح امك كله بيقول كدا , هي جت عليك , سبني اشوف شغلي وما تتعبنيش ..

بينما تعبث شتى الأيادي بجيوب طلعت وجسده تترقرق عينيه بدموع يحبسها عندما يرى الأمين الذي يحدثه وقد أشاح بوجهه عنه , يقول لمن يفتشونه راجيًا :

  • أنا متجوز وعندي عيل ومحدش بيصرف عليهم الا انا , والله يا باشا مش هتشوفني بشرب تاني .

كاد الجميع يتجاهلونه لولا أن همس أحد الأمناء في أذنه :

  • ما تقلقش مش هنعملك قضية بالسيجارتين , لو ما طلعش عليك حكم هتروح تنام في بيتكم النهارده .

هكذا سلم طلعت أمره وجلس داخل البوكس مستسلما بعد أن فتشوه وأخذوا بطاقته , لم يتصل بأحد فهاتفه بلا رصيد , دعك من أنه يعرف جيدا أنه ليس مهما لأحد ليهب لنجدته , حتى زوجته سناء لولا وجود الطفل والجنيهات القليلة التي يلقي بها اليها ما بقيت , تفكر في هذا مع بعض العنف الذي يمارسه معها من حين لآخر معتقدا بهذا رجولته ..

في حسرةٍ وفي جلسته تلك داخل البوكس , للمرة الأولى منذ خمسة أعوام , اكتشف أن سنَاء تحملت الكثير جدًا ..

***

2

لم تعرف سنَاء متى تحولّت ..

تذكر أنها في فترة ما ربما من أعوام كانت طالبة متفوقة في كلية التجارة , قبل أن تنقطع علاقاتها بكل ما درسته وتكتفي بحساب تدابير المنزل ومراعاتها .

الآن هي منحنية منهمكة في تزيين الشريط الحريري الذي تعلقه أمامها في المنزل , عليها أن تنهي هذه القطعة وتبدأ بالقطعة الأخرى قبل أن يعود طلعت ليشغلها بطلباته , تأخذ قطعة من الكريستال اللامع المعقود بخيط يمرمن منتصفه وتشبكها في متصف المتر السابع والثلاثين من القطعة التي يبلغ طولها خمسون مترًا تقريبًا..

متى بدأ كل شيء , لا تذكر , تذكر تخرجها , حصولها على عمل لفترة وجيزة قبل أن تجد طلعت في صالون بيتها بعد أن طاردها مرارًا في الشارع , كانت أقرب للموافقة عليه رغم أنه يحمل الدبلوم لأنها وجدت أنها معجبة بمطارداته , تميل له ..

لم يمض عام حتى كانَت حياتها قد اختلفت تمامًا , رغم تنازلها عن مميزات كثيرة في حياتها السابقة لكن طلعت لم يحاول لحظة واحدة تضييق هذه الفجوة , تذكر في وقت لم يكن قد مر عام بعد على زواجهما وكانت ديونه لها بلغت عشرات الآلاف ..

لم تكن ملكها جميعًا , اقترضت من والدها , اقترضت من والدتها  , بل اقترضت من صديقتها ذات مرة .

مع الوقت أغلقت كل هذه الأبواب ولم تعد قادرة على استدانة جنيه من أجله وهو الذي لا يحاول فعل شيء لتسديد جنيه واحد عنه .

هل كانت في مرحلةٍ ما تحمل كتبًا وتسير إلى الجامعة وتثبت تفوقًا , لم تعد قادرة على إثبات ان هذا قد حدث , لشد ما تحولت الحياة واختلفت حتى عما كانت تتوقعه وتتمناه , رغم كل شيء طلعت طيب القلب حقًا , طريقته العنيفة وأسلوبه المريض في الكلام يضايقانها ولكنها اعتادت ذلك , ما زالت حتى اللحظة تأمل أن يعود يومًا لوعيه وإنسانيته , كثيرًا ما تراه رقيقًا حين يداعب طفلهما السيد الذي سماه على اسم والده وصديقه , تلك المشاهد هي ما يبقيها متماسكة حتى الآن ..

فكرت في الطلاق مرارًا كان هذا قبل مجيء السيّد , وإن كانت تفكر في مستقبل هذا الطفل وتتساءل لو أن طلعت يفكر مثلها , ولكن حياته تنبئها بالعكس , أحيانًا أخرى حين يضربها او يعنفها بشدة أو يقول ألفاظا بذيئة اعتادت سماعها منه لم تكن تعرفها من قبل , عندها تفكر أن عودتها لحياتها وبيتها حل سحري مناسب , صحيح أن المجتمع المريض هنا يعامل المطلقة كالعاهرَة- إلا القلائل – لكنها لا تابه لهذا طالما تعلم أنها صائبة بما تقرره , رغم هذا لم تجرؤ على طلب هذا قط , أحيانا كثيرة كانت تكتفي بالتلميح وكان طلعت يصمت أحيانًا ويصرخ احيانًا أخرى بأنها لا تملكه حتى تقرر متى تتخلى عنه ..

في أي شيء يعمل طلعت لا تعلم , احيانا يعمل بالحرير صناعة القرية الأولى والتي تتميز بها عالميًا وأحيانًا يعمل أي شيء آخر , هي تلتزم مع صاحب أحد المصانع بتزيين شرائطه مقابل راتب أسبوعي عن ما تنهيه من قطع , بدأت هذا عندما بدأت الضوائق , وعندما بدأت صارت تعتمد عليه , ما يقتلها غيظًا ان طلعت صار يعتمد عليه أحيانًا .

عرفت أن العمل هو منقذها وهي تلد السيد الذي لم يبلغ عامه الثاني بعد و إن تم فطامه منذ أيام , تكلفت عملية الولادة مبلغًا كبيرًا كانت لتستدينه لو لم تكن تتدخر , طلعت في ذلك اليوم لم يرهقها بطلب أي مال بل وجدت معه أربعمائة جنيهًا لا تعلم كيف تحصل عليهم لكن لأول مرة تراه ينفق هذا المبلغ في شيء غير المخدرات حتى وإن كانت ولادة طفله , سرها هذا كثيرًا رغم انها دفعت ضعف هذا المبلغ , سرها لأن والديها كانا حاضرين وهي من المرات القليلة التي شعرا أن لطلعت فيها فائدة وإن كانت لا تذكر .

انتهت قطعة الحرير ذات اللون البنفسجي وقد ازدانت بالكريستالات على امتداد طولها , نهضت لتزيح ما أنهته وتجلب القطعة الأخيرة وتبدا في العمل .

لم تصل للمتر العاشر حين وجدت الطرقات الصاخبة على الباب , نهضت في فزع وهي تصرخ :

  • مين اللي بيخبط ايه , في ايه ..

تابعت صراخها مع فتحها للباب لتجد صبيًا على اعتاب المراهقة :

  • بالراحة شوية في ايه مش كدة , في عيل نايم .

قال لها بشير السوء بصوت حاول تخشينه دون أن يعير صراخها اهتماما :

  • عم طلعت اتمسك , لسه البوكس مركبه حالا من عالقهوة من عالعلواية .

للحظات ألجمت المفاجأة والصدمة لسانها وهي لا تعرف بم تسأل او تجيب ..

هذا ما كان ينقصها الآن بالفعل

يتبع

تعليقات على فيسبوك