النص للكاتب خالد ثابت

تجلي التحرير

الساعة الثالثة عصرا سنة 1975 في شارع البحر – المنصورة
لو كان كلبا لتصرف كالكلاب، كان سيجري خلفه ينبح ويتردد ثم يتراوح ويعود أدراجه في هدوء ليقبع كما كان أمام الجراج، وعلى ذلك الصبي الذي بادر برشق الحجر من اجل تسلية غبية أن يفزع ويركض نحو بيته في رعب تعرقل خطواته بعضها، لكنه ليس كلبا.
لو كان رجلا لوبخ الصبي على قلة أدبه، وربما فعل ذلك بصوت جهوري ووجه عبوس وربما كال له من التهديد ما يقضي على محاصيل الأمان في قلبه الصغير، ربما ضربه كفا أو اثنين، بعدها سيمضي ذلك الرجل ليقبع حيث يقبع الآباء الأخرون تاركا الصغير الغبي منقوعا في خوفه وبوله، لكنه ليس رجلا.
لقد آثر السلامة، قفز ليتفادى الحجر، تراجع في خط متعرج وباشر الشارع بنظرة واسعة، رصد المتحركات والثوابت بدقة ثم عالج مقامه الرقيق بالجري والقفز فوق أقرب سور، في لمح البصر ذهب الى ما يمكن أن يكون أحد حواف الأمان أو ذهب الى حاله، إنه يقف الآن في حاله ويتمطى بحذر وتربص فلا أمان للقطط بين أحجار البشر ونباح الكلاب.

الساعة الرابعة عصرا سنة 1975 في شارع البحر – المنصورة
مازال القط يقف على الحائط يتحصن بالتعالي على قارعة الطريق، مريم تتابع حكاية القط منذ بدايتها، تماهت في تفاصيل وقفته، لم تكن تفهم العواقب الجسيمة لخطيئة الاحساس بالأمان، كانت تقف مع ضفيرتيها الطويلتين وانتظار ممل ووحدة، لقد تأخرت أمها كثيرا عن الموعد المعتاد، تعبث بأصابعها في حقيبة المدرسة وتستكمل متابعة أحوال القط المترفع، تمطط الوقت وتدلل ثم ظهر وجه خالتها يطل من نافذة تاكسي، وجه خافت باهت لم يهش ويبش ويتراقص لرؤيتها كما تجري العادات النسائية.
عندما احتضنتها طويلا أثناء الطريق بدت آثار الشحوب على ملامحها أوضح، اختبأت لبعض الوقت خلف صمت مريب وأسئلة فاترة لكنها ما لبثت أن أخبرتها بأن ماما لم تحضر اليها لأنها في جلسة الحداد، لقد مات أبوها في العاشرة صباحا بشكل مفاجئ، ما باليد حيلة البقية في حياتك يا حبيبتي
تجمع الفزع من الشتات الى وجه الصغيرة وقالت: بابا مات يعني ايه؟
فقالت خالتها: يعني مشي من الدنيا
عندما احتوتهما جدران المنزل انقطع الحديث وغاصت مسرعة في بحر من النسوة المتشحات بالسواد والملامح القاتمة، قفزت الى حضن أمها بصعوبة بالغة لتتبادل الهمس ثم لمعت عيناها ببشائر دمع، بعد دقائق طويلة التئم الحوار مع خالتها من جديد
فقالت: ماما قالت لي انه نائم في الأوضة المقفولة
فقالت خالتها: جسمه بس نائم هناك، لكن هو نفسه مشي راح عند ربنا
قالت مريم: يروح ليه؟ مش احنا كلنا قاعدين عند ربنا، هو فيه حتة مش بتاعة ربنا؟
فقالت خالتها بصعوبة وتثاقل: أيوة كلنا قاعدين عند ربنا وقاعدين عند بعض، لكن هو بقى روح وما ينفعش يقعد معانا تاني.
مات المهندس “فريد عبدالباقي”، البقاء لله والنحيب على أشده.

الساعة الثانية ظهرا سنة 1970 في شارع قصر العيني – القاهرة
على باب المدرسة من الخارج كان يقف بانتظاره على غير العادة، ففي العادة يذهب مجيد الى البيت بنفسه، فهو معدود بين الصبية الكبار الذين لا يخشى عليهم من مضايقات الشوارع أو فقدان الطرق.
تدفق التلاميذ من باب المدرسة يتدافعون كقطيع جاموس مهاجر، من فراغ الحوش المعزول الى فراغ الشارع الضيق يستكمل التلاميذ دوائرهم اليومية الساذجة، سيذهبون الى نفس الأسرة والحمامات وصحون الطعام كما يذهبون اليها كل يوم.
خرج مجيد ولم ير اباه المنتظر، لم يره لأنه لم يبحث عنه ولم يبحث عنه لأنه لم يكن يتوقع وجوده، انبثق من الباب في جريةٍ سريعةٍ حملته وسط القطيع الى أمتار من جوف الشارع ولما هدأت تحولت الى طقس المشي الرتيب، حاول أن يقاوم الاجهاد لكنه استسلم في النهاية، تأبط التعب مع حقيبة كتبه وعرق يومه ونزوات النوم وبدأ رحلة العودة وممارسات الاجهاد الجاف.
لما بادر الرجل المنتظر الى رفع حقيبة الكتب عن كاهل مجيد، نظر اليه الصبي فأدركه وتبسم، أحس أخيرا بوجود أبيه، لقد حمل عنه الحقيبة دون عرض مسبق، في بضع عشرات من الخطوات البطيئة وفي صحبة ملامح سائلة حائرة على وجه الأب وبصوت خفيض وئيد عرف مجيد أن أمه قد ماتت في حادث منذ ساعة، صدمتها سيارة، أنهم في الطريق لتسلم جثمانها من المستشفى من أجل مراسم الدفن العاجلة، اكرام الميت دفنه، قدم الأب من المستشفى الى ابنه الوحيد مباشرة بعد يوم لعين وانتهت فرص مجيد في الحصول على أشقاء.

الساعة العاشرة مساءًا سنة 2011 في الحلمية القديمة – القاهرة
بندول الساعة يطقطق كيفما اتفق فلا أحد يعد خلفه أو يحاسبه، ظلام خافت يلملم أطراف الشقة الصغيرة تحته، بدا البيت كأنه غير موجود مع أنه موجود، كل الملامح حاضرة خلف برقع شفاف له سواد، أبدان الثلاجة والتلفزيون والنيش وظلال الستائر الثقيلة يدينون بوجودهم لمصباحٍ “بلحة” يقبع على أبليك من النحاس لا تخطئه عين، يحدد المصباح أبعاد حائط يحدد نهاية ردهة الاستقبال.
مريم عارية في الطرف الآخر من السكون خلف باب حجرة النوم تتخايل في حضن رداء نومها “الكريستيان ديور” الأبيض الطويل وهي تجرب عطرا على معصمها قبل أن تمنحه حقوق البوح، مجيد فوق حافة الفراش يتأمل ساقيها وينساب مع خطوط خصرها وأردافها، تلك الخطوط التي استغلت وقفتها فتراقصت واستباحت عريها فتكشفت، خصر مريم ممشوق وظهرها العاري جميل، مازال كريستيان ديور ثوري مجنون يعرف كيف يغزل الأنوثة بالشهوة مع الحرير، رداء مريم واسع شفاف لا يحكمه عليها الا حمالتين رفيعتين تحاولان عبثا البقاء على بشرة كتفيها الناعمين، لا خطوط في الرداء الا خطوط مريم، عندما التفتت الى مجيد بدا نهديها كأنهما حرير يرف في حرير، كانا نافرين متنازعين يتسابقان اليه، كل منهما يحمل حبة عنب منتحرةً مقدر لها الفناء فيما يشبه رشفة نبيذ.
احتضنها مجيد ليراقصها فانسابت بين ذراعيه، بعد خطوة، لاحقها فاقتربا من الحائط بعد خطوتين التمسا مفتاح النور، وعندما انطفأ النور اختفت خطوط مريم والعنب الفاخر والروح الثورية لكريستيان ديور لكن بقي العطر، والبوح لم ينقطع.

الساعة الرابعة فجرا سنة 2015 في ميدان التحرير – القاهرة
تشترك مريم مع مجيد في التهام ضحكة دسمة إثر نكتة طويلة غير مضحكة، حكتها له في ربع ساعة، يقفان على رصيف فندق النيل ريتز الذي كان اسمه لسنوات طويلة النيل هيلتون، لقد كانا في حفلة صاخبة دامت كثيرا بالداخل.
يلتف حولهما بعض من أوقات الفجر قبل الآذان وبعض من الميدان بتفاصيله وأضواءه، وبعض من الوجود البشري مجرد من الزحام والصخب، فستان مريم أنيق، تلبس معه حذاء خفيفا وتحمل حذاء السهرة في حقيبة جانبية، مجيد يعشق الملابس الخفيفة حتى في السهرات.
قالت له: لابد أن تصبح أعظم جراح قلب في مصر
قال لها: أنا الآن أعظم جراح أي حاجة في العالم
قفزت للأمام خطوة، التفتت اليه في دلال وهي تمثل دور مذيعة تحمل في يدها ميكروفون وتتأهب لاختطاف تصريح من شخصية مرموقة
قالت له: دكتور مجيد عاوزين نعرف من حضرتك ايه أهم انجازاتك الطبية
قال لها في رصانة جادة: والله يعني.. أنا أصلي …
قاطعته وقالت في نبرة حماسية: وبحكم خبرتك العلمية تفتكر مين السبب في الحب القلب ولا العين
تبسم وقال: هم قالوا لك فين أو جنب ايه، أصلي أنا مش من هنا
قالت: ما تبوظليش البرنامج لو سمحت يا دكتور
قال: حاضر يا مذيعة، اسألي تاني
قالت: هو ليه الجسد مهم في الحب عند الرجالة بالشكل ده؟
قال: وعند الستات كمان يا حاج
قالت: لا.. اتكلم بجد
قال: لأن الجسد هو بيت الحب زي ما هو بيت الكراهية أيضا، هو بيت كل حاجة من غيره مفيش أي حاجة
قاطعته بشغف وهي تستعيد المايك الوهمي وتقول: ليه.. ليه؟
قال: لأن هو علاقتنا الوحيدة بحياة غيرنا، احنا مختزلين في الجسد، الجسد هو الوجود الوحيد لنا في الحياة.
قالت: والروح؟
قال: ما شفتهاش والله ولا أعرف هي فين
قالت: على كده العلاقة الجسدية ضرورة؟
قال: العلاقة الجسدية قهرية، ليس لدينا الا علاقات جسدية
قالت: ليس لدينا الا العلاقات الجسدية؟
قال: تصوري المصيبة، ليس لدينا شيء آخر، العلاقات الجسدية هي كل شيء، تكون أحيانا عبادة وسلام، وأحيانا لعنات وغضب، الجسد ده حتة دين تكنولوجيا متطورة جدا وليس لها بديل حرفيا، تكنولوجيا منتجة للارتباك والخطايا والعفونة والاستعباد والحب والعظمة والمجد، شهوات الجسد بقى هي كل ما بيننا وبين الحياة، ليس لدى أي أحد الا جسده وعلاقات جسده.
قالت: المتصوفة مش شايفين زيك، ولا أفلاطون ولا أرسطو ولا ديكارت، الناس دول شايفين ان الجسد وعلاقاته عائق أمام نقاء الروح والفكر، الجسد بيتقاطع مع الوجد والنشوة والعلاقات الروحية، ومشايخ الإسلام الكبار شايفين حاجات شبه كلام أرسطو وشايفين ان النفس أمارة بالسوء يعني الحكاية مش بس جسد.
قال: وماله براحتهم، كل واحد يقدر يشوف زي ما هو عاوز، مفيش حاجة مؤكدة في كل الأحوال
قالت: يعني ايه؟
قال لها: يعني الوجد مثلا مسألة جسدية زي الشهوة، لا مش زي.. ده هو كمان شهوة، مين مش بيدور على الوجد ومين مش بيستمتع بيه، لكن للحق يعني أنا ما قلتش انه مفيش روح أنا بس معرفش عنها حاجة، معرفش الروح بتحس بإيه وازاي.
قالت: ازاي يا دكتور بتقول كده، ازاي ما تعرفش؟
قال: أنا ما شفتش أرواح قبل كده ولا حتى روحي أنا شخصيا، كل اللي أعرفه عنها ان عندي روح، ولسبب ما غير معلوم سأفقدها في يوم من الأيام وأموت، أنا هو جسدي وجسدي هو أنا، بحب بجسدي وباتعلم بيه وبكره بيه، لما بيكون عندي برد “يعني جسدي عيان” مش بعرف أحب ولا أذاكر ولا أصلي زي ما بعمل وأنا كويس، عمليا لم نرصد على الأرض شيئا انسانيا آخر غير الجسد وعلاقاته حتى الآن.
قالت: يعني ايه؟
قال: يعني انت ليه بتحتقري الجسد وشهواته وعلاقاته كده، ليه شايفاه قليل
قالت: مش بأحتقره بس عارفه انه مش كل حاجة، الروح هي الأصل والمحرك والبداية والنهاية.
قال: الجسد له وجود عيني ملموس، تقدري تشوفيه وتلمسيه وتقتليه لو حبيتي، وله كمان وجود غيبي بيأثر ويتأثر وممكن يتعرف لكن مش مشهود، وجود محسوس ومؤكد لكن محدش يقدر يلمسه، الحب مثلا جزء من الوجود ده والشوق والخوف.
قالت: الحب بالذات من فعل الروح
قال: لما بأوحشك يا مريم بتحسي باية
قالت: الدنيا بتبقى ضيقة وبحس بوجع في قلبي
قال: أنا زيك.. شاوري على المكان اللي بيوجع، حطي ايدك عليه
وضعت يدها على صدرها وقالت: هنا في الحتة دي على الشمال
قال: الحتة دي في جسمك يا مريم، الحتة دي فيها القلب والرئة وشوية حاجات تاني كلهم من جسمك، تعرفي يا مريم أنا موجود ليه في الدنيا جنبك كده؟
قالت: علشان حبيبي
قال: وعلشان الحياة اللي أنا فيها دي بتاعتك انت، الحياة اللي بيعملها جسدك، بتنحتيني وتجسديني بعينكي وودانك وقلبك وصوابعك وعقلك، بتتخانقي معايا بالهرمونات وبتحرقي الأكل بالفيزيا وكله بيحصل في جسمك وبجسمك، حبك لي وخوفك علي من أهم أسباب وجودي في الحتة دي بالشكل ده، لو انت مش موجودة أنا مش هابقى موجود.
قالت: لا هتفضل موجود، الدنيا فيها ناس كتير
قال: مش هكون بنفس الشكل ولا نفس الطريقة ولا بنفس الأهمية ولا في نفس المكان، علاقتك بيا هي اللي عملتني كده، أنا موجود بدرجة أقل عند اللي شافوني من بعيد، بالنسبة لهم أنا مجرد شكل واسم، مجرد صورة مسطحة، يعني لو فرمني قطر مثلا مش هيزعلوا علي، وأكتر شوية مع الناس اللي يعرفوني وكلموني، أنا في المستشفى دكتور وعند الحلاق زبون، أنا مش مجيد اللي تعرفيه هو-هو دايما، أنا مش موجود بالمرة مع اللي ما يعرفونيش، أنا بالنسبة لهم مجهول أو رقم أو جزء من فكرة أنا مجرد حتة من الجمهور النظري، أنا حاجة تاني بالنسبة لهم لأنهم ما شافوش جسدي ولا سمعوه ولا لمسوه، مالهمش أي علاقة جسدية معايا، تفاصيل علاقتنا الجسدية هي رب وجودي بالشكل ده والأهمية دي. لما رب الحياة بيتغير خلق الحياة بيتغيروا معاه، ولما مش بيكون لها رب مش بيكون فيها خلق، وعلشان كده احنا مهمين جدا لبعض.
قالت: احنا كده نبقى أرباب بعض
قال: وعبيد بعض
قالت مقاطعة: لآ الحاجات دي مسائل روحانية
قال: عرفتي ازاي؟
قالت: الشهوات مسائل جسدية انما الحب والوجد والتجلي والتسامي مسائل روحانية صرفه
قال وهو يرفع يده في حركة مسرحيه: أتسامى وأتجلى وأنت معي يا مولاتي
قالت وهي تضحك: لأني أحبك يا سلطان المغول
قال: تحبيني بقلبك يعني بجسدك
قالت: وبروحي اللي بتحرك قلبي
قال: لن نختلف في نقطة فرعية، الأرواح لو كانت موجودة في الموضوع فلن تتلاقى الا بالأجساد حتى لو كان اللقاء في رؤيا، الناس بتحلم بالجسد، بتحلم وهي نايمة، النوم بيحصل للجسد، الغيبوبة بتحصل للجسد، الأجساد أهداف دائمة، حتى للأمراض والهجمات الفيروسية والبكتيرية، الأجساد هي الوسيط في العذاب والسعادة، التسامي بيحصل فيها والتجلي بيحصل عليها، الفقد والنسيان والخرف والجنان بيحصلوا بالجسد برضو يا مريم.
قالت: فاكر القطة اللي حكيت لك عليها زمان، قطة المنصورة.. القطة دي روح، روح فهمت حاجات محدش علمها لها، حاجات معقدة، محدش علم جسد القطة دي ان الطوب المرمي خطر وان الولد مش هيوصلها فوق الحيطة، مفيش علاقة جسدية ممكن تعلمها تعمل خطة.
قال: ولا خطة ولا حاجة دي كانت بتتجاوب بتلقائية مع المتاح، القطة دي لو لها جسم أسد كانت اتصرفت بطريقة تاني، ما الأسد قطة كبيرة، يعني روحها زي روح الأسد ثم انت ما تعرفيش ان كان فيه حد علمها ولا لأ، انت مش عايشة معاها.
قالت: لا.. الأرواح موجودة في كل المواضيع، احنا أساسا أرواح لها أجساد، الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما..
قال مقاطعا: بالجسد يا مولانا “الشيخ مذيعة” بالجسد..
احتضنته وقالت: حاسة إني سكرانة
قال: عشان أنا بحبك وبحب أقول إني بحبك
قالت: بجد حاسة إني سكرانة
ضمها اليه قائلا وهو يدجج ضحكة: سكرانة من الكلام الكثير في “الروحيات”، قلت لك خفي شوية يا “روحي”..
ضحكا بصوت مرتفع، أبعدها عنه قليلا، نظر اليها وربت على كتفها
قال: ابعدي عني شوية احنا مش في هولاندا، كده ممكن يتقبض علينا بفعل فاضح في الطريق العام ونبات في القسم وتبقى فضيحة، المنطقة ملغمة شرطة، احنا جنب المتحف المصري وجامعة الدول العربية.
قالت متسائلة في دلال: يعني هنتحبس وعيالنا يتشردوا ويبقوا حرامية؟
قال: آه وانت تبقي سوابق آداب
قالت: وانت كمان
قال وهو يتصنع الترفع: لأ.. أنا شاهد في القضية
قالت: شاهد؟
قال: أي نعم، القانون بيقول كده
ضحك، ثم ضحك مرة أخرى، أخذ شهيقا طويلا من هواء الفجر البارد فمر على باله الكثيرون الذين كانوا يملأون الصباحات في جنبات الميدان ثم غابوا، الشمس والصخب والمشاكل المختبئة، خضرة أعشاب الأرض، المترو العابر في بطن نفس الأرض، تودد الى الذكريات بنظرة الى فراغ.
قفز قط يعمر ذاكرة مريم الى جدار قائم فيها ووقف في أمان يترقب صبيا كان يقذفه بالحصى، تحصل القط على الأمان بالتعالي فوق الحائط، تحصلت روحه على ذلك الأمان، للقط روح أليس كذلك، للقط روح طبعا بل سبعة أرواح، روح القط خافت وروح القط صعدت وروح القط حصلت على الأمان.
عندما حمل مجيد ذراع مريم وهما يتأهبان ليعبرا الميدان التفت الى واجهة الفندق الحائز على وجه النيل والغائر في خاصرة المتحف المصري، اكتشف أن ذاكرته مازالت تحمل ملامح النيل هيلتون القديم بمنتهى الوضوح والوفاء، كل شيء حاضر كما هو، كأن شيئا لم يتغير، ذلك هو موقع الملحق التجاري وهذا هو البهو المفتوح الذي كان يسبق بهو المدخل المسقوف، الاستقبال الذي كان معمورا بالسائحين البيض والسائحات الخليجيات وبنات جميلات وبدل رسمية مكتنزة برجال قادرين.
ذلك هو ذلك وهذا هو هذا حتى لو تغيرت الوظائف وتجددت الواجهات، أعجبته الزرقة الجديدة على الواجهة الخلفية، تبدو كأنها قناع حفلة تنكرية، كتلك التي كان يرتديها أنور وجدي في الأفلام القديمة، نوع من الترفع أو التعالي المحدود، لابد أن يزول يوما هذا اليشمك الأزرق اللطيف من على وجه الفندق، سيظل الوجه في مأمن خلف الحديد القهري حتى اشعار جديد.

قراءة للأستاذة همت مصطفى

تجلي التحرير
منذ اللحظة الأولي وعندما تقرا العنوان ،نجد انفسنا امام اسئلة كثيرة تري كيف يقترن فعل التجلي الروحاني بمكان ،ولماذا التحرير تحديد ا
هل لما يحمله التحرير من ارواح سكنت هذا المكان في لحظة من الزمن
ام انها الصدفة التي جمعت بين لفظة تجلي والتحرير
تبدا القصة في الثالثة عصرا في عام 1975 في مدينة المنصور ة
ونجد ان الكاتب قد تناول عنصر الزمن والمكان بشكل رااائع
حيث اوجد رابطا خفيا بين زمنين ومكانين
الزمن الاول في المكان الاول في المنصورة مع بطلة هذا الزمن وهذا المكان مريم .
ولكن يبدو ان الكاتب اراد ان يدخلنا الي حالة مغايرة حيث بدا قصته بامنيات سبقها بحرف التمني لو ليتبعها باحتمالات واردة لمجهول اخفاه لبرهة عن عين القاريء ،مستعرضا كيف ان الصيغة الجسدية تختلف في التعبير عن روح صاحبها
فيعمد لقصة صبي القي حجارة علي مجهول مؤقت للقاريء ويرصد تصرفاته باستخدم لو كان كلب لفعل فعل الكلاب ولو كان رجلاا لوبخ الصبي ولكن في نهاية وصفة يصل بنا الي هذا المجهول
انه القط ،ثم يصف كيف استطاع ان يتفادي بجسده هذه الاحجار فيقول الكاتب
(في خط متعرج ،ونظرة واسعة والقفز علي اقرب سور في لمح البصر)
ثم ييستمر في هذا المكان وهذا الزمان مع مريم
ليصف طفولتها التي اغتالتها يد اليتم ،فتفقد ابيها بالموت

والزمن الثاني والمكان الثاني الذي تراجع خمس سنوات في القاهرة في القصر العيني
ليكون مجيد بطل هذا الزمن وهذه المكان
ثم يصف الكاتب كيف انه بطله يعتمد علي نفسه حتي انه في لقطة عودته للبيت لم يرى والده الذي جاء اليه لاول مرة ليخبره ان امه قد توفت
ثم الانتقال للزمن الثالث 2010
ليجتمع البطلان في زمن اخر ومكان اخر
ليصف الكاتب مريم وهي صورة الانثي الجميلة ،التي ترفل في رمانسية العطر ووروحانية الثوب الابيض الممتد علي ربوع جسدها.
ثم يصف صورة مجيد في اشتهائته الجسيدية لهذا الجمال
ثم ينتقل الكاتب للزمن الرابع ومكان رابع
في القاهرة في ميدان التحرير
في حواربين مجيد ومريم
وهنا تظهر الاشكالية الجدلية للقاص ، حول الروح والجسد
ومكانة الحب منهما
والتي اتخذ الكاتب من مريم صوت الروح ومن مجيد صوت الجسد
ليدور حوار يعمد لثقافة الكاتب في عرضه لاراء افلاطون وارسطو وديكارت،عن ان الجسد معرقل للروح ولنقاء الفكر
وتستمر القضية الجدلية ليصل بها الكاتب لان الجسد والروح بينهما تكاملية ولا يمكن ان نحقر من شأن الجسد
فهذا الصلصال هي دليل خطو الانسان علي الارض فكيف ،يمكننا ان نري بوضوح لولاه
ثم يري الكاتب ان فعل الحب ايضا يصل في نهاية الامر للجسد حيث القلب
ونجد ان الكاتب قد تسربت الي وجدانه ،،حديث الرسول ص ااذا اراد ان يعرف احدكما محبة الاخر له فليضع يديه علي صدره
نري مجيد يقول لمريم اين تشعرين بالحب ،فتضع يديها علي صدرها ،ليؤكد ان الحب ايضا موطنة الجسد
الجسد هو الاناء الذي يحمل هذه الروح ،في تكاملية لا يجب ان نهملها
رغم هذى انه يعرض ايضا لحديث النبي ص انما الارواح جنود مجندة ما تقابل منها اتلف وماتنافر منها اختلف ،علي لسان مريم الوجه المعبر عن الروح في الاشكالية الجدلية التي طرحها الكاتب

ثم في الختام نجد ان الكاتب يعود ليذكر القط في تشكيل بديع منذ بداية القصة حتي في الختام
وكيف استند الكاتب علي المو روث الشعبي من ان للقطط سبعة ارواح
وان هذه الروح مهما بلغت قوتها ،فهي محكومة بطبيعة ذلك الجسد ،
من خلال هذا العمل اكاد اري بوضوح مدى حيرة الانسان بين الروح والجسد وكيف يصل الانسان لحالة الرضى عن كل منهما في تكوينه الانساني …
ثم اذا عرجنا علي الاساليب الفنية التي تمازجت مع وجدان القاص وعبرت عما يدور بعقله الباطن ،وحتي الاداركي
فنري مثلا
ان القاص استخدم صور متتالية باستخدام التشبيهات البلاغية التي تقف بنا علي مدارج الجمال الساطع ،ربما لرغبة الكاتب ان يتلاعب بوجدان القاريءويستفز فيه االاستمرار في ملاحقة القاص في وصفه
كما نري وضوح لسطوة الاستعارات ،
القط يتحصن بالتعالي
وهنا ينزل القط منزلة الانسان الذي يفكر ويخطط ،رغم انه يعود لينكر هذا الفعل التخطيطي للقط في نهاية القصة
ربما لان الكاتب منشطر بين عالمين ،في لقطة يتجيز للجسد برأي مجيد وفي اخرى يتحيز للروح فى صوت مريم

تمطط الوقت وتدلل )
وكأن الوقت قد شارك مريم دلالها واستمتاعها بمراقبة هذا القط
وهو مايدل علي التكوين النفسي لشخصية مريم وهي التي تتناسب مع انعكاسات الروح
احتوتها الجدران )
استخدم القاص هذا التعبير الذي تفلت من وجدان سرى بين ملامح شخوصه
فجعل الجدران حانية عليها وكانها اصبحت بديلاعن ابيها ،وقد يكون
البيت هنا هو مكمن الامان لانسان
مريم عارية في الطرف الاخر من السكون)
صورة بديعية تتحرك امام القاريء برومانسيتها وايضا جرأت السكون علي مشاركة مريم هذا العري
تتخايل في حضن رداء النوم )
هنا تظهر الحسية الجسدية في التعبير بقوة
حيث جعل القاص رداء النوم عشيقا اخر مهوس بمفاتن جمالها
وهي تجرب عطرا علي معصمها قبل ان تكمنحه حقوق البوح )
وكان العطر مأمور بامر مريم ،تعطيه الأذن بالبوح وقتما تشاء
وهنا نجد الكاتب قد استعراض مواطن الفتنة في المرأة بسطوتها الحانية
ثم يستمر الكاتب في منح الاستعارات صور ا كثيرة تتناسب وحالة التجسيد التي تشاركه ملامحها
تشترك مريم مع مجيد في التهام ضحكة دسمة )
تعبير يجسد الضكحة ويجعلها تتناسب مع انتصارته الجسدية
ثم نلاحظ ان الكاتب يعرج لاستخدام الجمل العامية
ربما لتقريب الصورة للقارئ بشكل اكثر سلاسة ،كما ان العامية لم تمنعه من الذهاب الي سلسلة من التشبيهات التي تبلور مبتغاه
فيقول
الجسد بيت الحب
الجسد هو الوجود
كما نري ان الكاتب استعان باسماء بعض ال فلاسفة مثل افلاطون ارسطو ديكارت
ليعرض الجانب الفكري الاخر عن الروح وضديتها للجسد في اراء هؤلاء الفلاسفة
ثمما يلبث ان نجده يقول
تنحتيني. تجسديني بعينيك)
يستدعي الكاتب مرة اخري صوت الجسد
الذي يضعه في علاقة وجودية مرتبطة بعيون االاخرين وادراكهم له من خلال جسده

.ثم في ختام هذا العمل الفني الرشيق
تأتي الاجابة عن سبب اتخاذ ميدان التحرير عنوان مشارك للفظة التجلي
فنجد الكاتب يصف المكان بدقة ،ثم يقول
تودد الي الذكريات بنظرة فراغ )
وكأن ميدان التحرير حمل كل الذكريات في ملامح من عبروا ورحلوا
وكأن الكاتب يتودد لهذه الذكريات ليسترضيها ،بعد ان اكتشف انه لم يستطتع ان يمنحها الحياة والوجود
فآثر النظر للفراغ ،والتعالي علي كل الصور التي يفرضها الواقع عليه
بجملة (لم يتغير فكل شيء كما هو يقع تحت الحديد القهري)
وهنا تظهر احباطت فقدان الامل في التغير
ولا ادري لماذا انزاحت افكار الكاتب حتي وصلت للميدان ، ربما ليشاركه الصراع بين ضدين متكاملين ،الجسد والروح
او ،ربما لان هذا الميدان شهد ثورة لم تكتمل.

تعليقات على فيسبوك