طارق عميرة

كنا نتناقش أنا ومجموعة من الأصدقاء حول عدد من المسائل المصيرية , ننتقل من موضوع لآخر مبدين آرائنا الخطرة , وتوقعاتنا التي لا بد أنها ستحدث مهما كان استخدامك للمعطيات ينبيء عن غباء كبير وكان عم سعيد أحد هؤلاء المتناقشين وحين عرض عليه رأي لم يبدُ أنه قد راق له قال مغيرًا دفة الحديث :

  • أخبرني يا أستاذ طارق , ما الحل مع مجموعة من الفئران التي تسطو على مخزن البطاطس الذي أملكه كل يوم وتقيم في المنزل .

قبل أن أفتح فمي بأي اجابة تابع قائلا :

  • طبعًا أنا جربت كل شيء !

سألته :

  • كل شيء ؟

أجاب :

  • كل شيء .

ثم استطرد قليلا :

  • جربت كل شيء اخترعوه لمقاومة الفئران, بعض الطرق فعالة , لكن سأصدمك أن الفئران أذكى من اللازم حتى أنهم يضحون بأحدهم أولاً ثم يعرفون أن الطعام مسموم أو أن هذه مصيدة !

قال عم رضا أحد الحاضرين :

  • جرب الماء المغلي .

سألته في محاولة  للفهم :

  • وما هي هذه الطريقة .

أجاب عم رضا في رضا :

  • أن تسكب ماءًا مغليًا على المكان الذي يبيتون فيه فيخرجون .

سألته في تذاكي :

  • هم يعيشون في مواسير الصرف والسخانات لا تكف عن سكب الماء المغلي , أرجوك يا عم رضا قل حلاً فعالاً أو دعنا نفكر كيف نساعد الرجل في حمَاية بطاطسه!

قال عم سعيد :

  • أقول لك يضحون بأحدهم لتفادي السم تقول لي جرب الماء المغلي .

يقول عبده أحد الحاضرين :

  • سامحه يا عم سعيد , هل جربت اللاصق ؟ هناك قطعة من اللاصق تفرش في المكان الذي تمر به الفئران وتصطادهم .

أعقب على كلامه : 

  • نعم هل جربت اللاصق يا عم سعيد ؟

يضحك عم سعيد ضحكة من القلب وهو يقول :

  • نعم جربت 

ويستمر في الضحك قبل أن يقول :

  • اسمع يا أستاذ طارق .

يقول عم رضا :

  • هل جربت الماء المغلي ؟

لا يبدو على عم سعيد أنه سمعه أساسًا وهو يتابع :

  • نعم جربت اللاصق, أنا لا أعاني من فراغ , جربت اللاصق وعندما علق به الفأر الأول تركته على اللاصق ودخلت للنوم متفائلا بهروع رفاقه إليه ومن ثم سقوطهم معه وعندما استيقظت .

وصمت عم سعيد, يسأله عم السيد أحد الحاضرين في لهفة :

  • نعم, ثم ماذا حدث ؟
  • تركوا عليها قلاحة كوز من الذرة !
  • أفندم ؟!
  • تركوا عليها قلاحة كوز من الذرة قسمًا بالله ..

واستطرد عم سعيد :

  • بقية الفئران أنقذوا زميلهم العالق ولم يقع في اللاصق فأر آخر فقد جاؤوا بقلاحة الذرة ووضعوها ويبدو أن الفأر الذي علق استخدمها ونجا !

يقول عم رضا :

  • جرب الماء المغلي فهو يغلي ..

أقول أنا في حنكة :

  • هذه عصابة وليس مجموعة فئران !

ينظر لي عم سعيد وهو يقول :

  • يا سلام على عبقريتك يا أستاذ .

بينما أتابع أنا :

  • هذه عصابة , وعصابة شريرة تسطو على البطاطس .

يقول أحد الحاضرين اللذين لا أعرف أسمائهم :

  • احمد الله يا عم سعيد أنك تعاني من انها عندك تفسد البطاطس فقط, ذات مرة نويت الاستحمام فوجدت الفأر في دولاب ملابسي الداخلية ..هعي هعي هعاه 

يقولها ويضحك ضحكة لا تميز الشماتة من السخرية فيها بينما عم سعيد يتساءل :

  • كنت أظنك لا تستحم هع هع 

والتفت لي مستطردًا :

  • تركوا القلاحة في اللاصق يا أستاذ طارق ماذا أفعل ؟! لقد كادت هذه الفئران تدمر حياتي , اليوم ابتعت لحما مجففا و ساضع عليه السم طويل المفعول قبل وضعه لهم 

قال أحد العباقرة اللذين كان هذا وقت كشفهم عن أنفسهم :

  • الفئران تأكل الدقيق , اخلط به نسبة كبيرة من الجبس الأبيض وسيأكله الفأر من ثم يتجمد الطعام في بطنه كصخرة فيموت .

قلت بعد تفكير في روعة الفكرة :

  • لكن المعدة بها سوائل قد تعوق تجمد الجبس بل قد يهضمها الفأر .

تدخل عبده وقد كان خبيرًا استراتيجيا في شؤون الجبس وقال :

  • لا يا أستاذ طارق الجبس يتجمد حتى في الماء , لو وضعت حفنة من الجبس في لتر من الماء فستجد الجبس قد صار متجمدا في القاع في النهاية .

قلت له :

  • لم أجرب من قبل, لكن هل تراها ميتة ملائمة لفأر ؟

قال أحدهم وقد كان جالسا يراقب في صمت منذ بداية الحوار وقد صمت دهرًا فنطق كفرًا وقال :

  • افعل ما أقوله لك انها كائنات عديمة الانسانية والضمير , كان عندي عصابة كتلك ولكنني تتبعتهم ذات ليلة وأغلقت جحرهم بالجبس الأبيض لأدفنهم فيهم , ليومين سمعت محاولتاهم لخمش الجبس ثم انتهت المشكلة تمامًا 

قال عم رضا :

  • لا يوجد حل إذا لم تجرب الماء المغلي .

قال ايهاب مازحًا :

  • هل جربت الحديث معهم ؟ لم لا تسايسهم وتنادي عليهم وتقول لهم : اخرج يا فأر , أرجوك يا فأر , اترك منزلي يا فأر , عيب عليك يا فأر .

يرمقه عم سعيد بنظرة نارية بينما تتعالى ضحكات ساخرة سرعان ما عمت المكان وعم سعيد يقول :

  • منذ يومين اشتريت لحما طازجا ووضعت لهم السم ولم يأكلوه أبناء الهرمة .

تبادل بعض الجالسين النظرات وقال أحدهم في خبث :

  • لم لا تعتبرني فأرًا يا عم سعيد وتجلب لي اللحم أنا الآخر ؟

عم سعيد :

  • وأضع لك به السم لتترك منزلي ؟

واستدار إليّ :

  • أخبرني ماذا أفعل يا أستاذ طارق ؟ جربت كل الحلول وهم يضحون بأحدهم أو يتجاوزونها !

قلت :

  • لا أعلم يا عم سعيد, تبدو مشكلة عويصة , أنا خبير في هذه الأمور فكثيرا ما هاجمت الفئران مخازني للبطاطس!, ضع قطًا ليومين ولن تجد فأرًا واحدًا سيهربون تلقائيًا!

دخل اسلام المجلس في هذه اللحظة وهو أحد جلسائه اللذين كانوا غائبين , قال لعم سعيد:

  • مشكلة وفئران؟ , يجب أن تحكي لي من البداية يا عم سعيد 

حكى له عم سعيد الموقف وما فعله مع الفئران واللحم والسمك وما فعله الفئران به والقلاحة ليجيبه اسلام في النهاية ضاحكًا في مرح :

  • وما المشكلة في وجود الفئران يا عم سعيد, لماذا أنت شرير تريد طردهم ؟ هل فكرت في مصاحبتهم وتقبل وجودهم وجلب الطعام لهم دون وضع السم ؟ ربما سيتركون البطاطس ..

بدت البلاهة على وجوه الجميع بينما نظر عم سعيد نحو اسلام وقد تجمد وجهه قبل أن ينهض منصرفًا وهو يقول :

  • يبدو أن جميعكم عاجزون عن الحل , سأذهب لأضع لهم اللحم المجفف .

يهتف أحدهم :

  • تذكرني بقطعة يا استاذ سعيد هععععععع هييييه ههههه

قبل أن ينصرف مباشرة وينهض الجميع خلفه قال عم سعيد :

  • تعال معي خذ اللحم بسمّه كله , وإلا سأجلس مع الفئران لأناقشها كيف أتخلص منكم !.

لم يتركه عم رضا يخرج من الباب قبل أن يلحق به وهو يقول في أهمية :

  • لا تنس أن تجرب الماء المغلي .

انتهت 

تعليقات على فيسبوك