هي رصاصة واحدة انطلقت من فوهة بندقية أثيوبي أبله فرّغ فيها حقده الدفين تجاه كل ما هو فلسطيني، اخترقت رصاصته الغادرة قلب غفران لتضع نهايةً لحياتها وأحلامها وطموحاتها الكبيرة .

لم تكن تعلم غفران أن سنين حياتها ستكون قصيرة لهذا الحد ، فكانت تحلم وتحاول وتخطط وتجتهد لترسم مستقبلاً مشرقاً يتلألأ اسمها فيه كنجمة في سماء الإعلام الفلسطيني ولربما العربي، مقتدية بأعلام الإعلام العربي مثل خديجة بن قنة ، والمراسلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة وجيفارا وغيرهم ، فكانت تحلم بممارسة الإعلام كمراسلة ميدانية تغطي الأحداث الساخنة التي لا تنتهي على الأرض الفلسطينية لا سيما مخيمها الذي تربّت فيه ” العروب” .

حاولت غفران مراراً وتكراراً أن تكون لها بصمة واضحة في الإعلام المحلي على الأقل، لكن النتيجة كانت قاهرة ومحبطة ، فكلنا يعلم واقع إعلامنا المسموع والمرئي “البائس” ، اجتهدت وتدرّبت ونجحت وأخطأت وتنازلت عن أي مردود مالي كحال الكثير من الصحفيين، لكنها يئست واستسلمت للواقع المرير سنوات عديدة ، حتى وجدت شبه فرصة بائسة أيضاً في إحدى الإذاعات، لكن رصاصة الغدر داهمت قلبها وأطفأته وحرمته النبض فرحاً للوظيفة الجديدة .

اليوم أكتب عن صديقتي غفران وكأنني أكتب عن نفسي فواقعنا المرير واحد وربما مصيرنا النهائي كذلك بما أننا نحمل الهوية الفلسطينية ، فكلنا إذاً شهداء مع وقف التنفيذ !

أكتب عن غفران وأنا أستذكر معاناتي المستمرة من البطالة التي قضت على أحلامنا وطموحاتنا كصحفيين عشقنا هذه المهنة وحَلُمنا منذ الطفولة أن نحمل على عاتقنا مسؤولية نقل حقيقة الاحتلال النازي وجرائمه اللامنتهية للعالم بأسره، وتسليط الضوء على هموم المواطن البسيط ومشاكله اليومية واستشراء الفساد في كل تفاصيل حياته .

هذا الفساد والعشوائية في تعيين من لا علاقة لهم بالإعلام أدّى إلى قهرنا وقهر غفران قبل استشهادها ، ٩ سنوات من البطالة بعد التخرج “تخللها عمل إذاعي تارة هنا وتارة هناك” جعلتنا نموت ونحن على قيد الحياة ، نرى أحلامنا التي بنيناها سويةً وطاقاتنا الكامنة وإبداعاتنا واجتهاداتنا المشهود لها قد تحطمت واندثرت .

استشهدت غفران ولم تحظى بالتغطية الإعلامية اللازمة لها مثل غيرها من الإعلاميين ” المشهورين” ، حتى من قبل وسائل الإعلام التي عملت بها سابقاً ، فكانت التغطية خجولة وعابرة ، رحلت غفران الصحفية البسيطة الهادئة المتواضعة والضاحكة معظم الوقت ، لكن رسالتها لن ترحل من قلوبنا وعقولنا ، سنبقى نجتهد ونحاول ونناضل لأجل ذكر اسمها دائماً وأبداً كصحفية فلسطينية متألقة، وفاءً لذكريات عشناها وأحلامٍ حلمنا بها لم تتحقق ، لكنها ستتحقق لأجل غفران ولأجل دعمها السابق وتشجيعها المستمر لي في كل المراحل إلى أن شاء قدر الله ليفرق بيننا ، فسبحان من قهر عباده بالموت .

هنيئًا لك الشهادة أيتها الصديقة والأخت الحبيبة ، رحم الله روحك وأسكنك فسيح جناته مع الأنبياء والشهداء والصديقين ، وحسبي الله ونعم الوكيل في بني صهيون ومن والاهم .

جمانه حمامده

على الهامش : مرفق جزء من محادثات سابقة مع الشهيدة غفران تظهر فيها معاناتها وقهرها من واقع الإعلاميين المحليين .
غفران هارون

تعليقات على فيسبوك