• ١٠ –
    طبيب جراح وكتاكيت

تركت عيادتى السابقة فى القرية الطيب أهلها …
مرت أيام وسنوات .. إنشغلت فيها بفترة تجنيدى ثم بالدراسة في الماجستير
وبعد تعيينى مساعد اخصائى أنف وأذن وحنجرة فى احدى القرى ..
قررت فتح عيادة بنفس القرية
ورغم تحذير الكثيرين لى من صعوبة التعامل مع اهل هذه القرية …
إلا أننى رفضت تعميم السوء على بلدة بأكملها فقد عرفت أناسا رائعين من أهل هذه القرية
إخترت الشقة .. وفتحت العيادة كأخصائى للأنف والأذن والحنجرة
كنت قد تعلمت الدرس .. ورفضت تماما الاعلان فى ميكروفون القرية خشية ان يرتبط اسمى ببط أو وز أو ما شابه ذلك
كما حدث من قبل فى العيادة السابقة
عينت أم فوزى سكرتيرة لى فى العيادة
وأم فوزى أرملة لها سبعة بنات وولدان كانت إحدى مريضاتى فى مستشفى القرية
ورشحها الكثيرون للعمل عندى فهى غلبانة وبتصرف على أيتام …كما قالوا
لا يعلم أحد ماذا تصرف ؟ولا من أين ؟
ولا كيف يعيش عشرة أفراد بلا مصدر دخل معروف ؟
كانت بطيئة الحركة ثقيلة الوزن ..
تمشى كالبطة السمينة تماما …
تمد رجلها اليمنى فيميل جسدها كله للناحية اليمنى حتى يخيل إليك أنها واقعة لا محالة …
ثم تمد رجلها اليسرى فتميل للناحية الأخرى .. وهكذا طوال مشيها
إفتتحنا العيادة أنا وسكرتيرتى التى أحبتنى كأحد أولادها التسعة
مر الافتتاح بسلام …
وبدأ بعض المرضى القليلين يتوافدون فرادى على العيادة … يستكشفون هذا الطبيب الجديد الوافد على قريتهم
أجريت العديد من العمليات الجراحية المجانية فى المستشفى … حتى بدأ أهل القرية يذكرونى بشئ من الثقة
وأخيرا … جاء اليوم الذى انتظرته طويلا
طرقت ام فوزى باب حجرتى بعنف وفتحته متهللة…

  • السعدنى جاى يقاول على عملية!!
    لم اكن اعرف السعدنى هذا !
    ولم اكن اعرف كيف يقاول على عملية؟
    …وعرفت
    دخل ما يقرب من عشرة أشخاص إلى الحجرة وعلى رأسهم السعدنى .. جد الطفل المزمع إجراؤه عملية اللوز
    وبعد خطبة طويلة منه … بأن دكاترة دمياط الكبار حبايبه … وهايكرموه … ويمكن ما ياخدوش منه فلوس خالص
    وتهديد خفى منه بأنه بيفكر يعملها فى المجانى !!
  • هيييه هتاخد مننا كام بقاااا ؟؟؟؟
  • مافيش فرق ياحاج .. هماخمسين جنيه بس …
  • خمسييين جنيييييه ؟؟؟ لييييه؟؟؟؟؟
    هتفوا جميعا فى نفس واحد وكأننى ذبحتهم بسكين بارد
  • ماهو دا بحساب علاج العملية ودكتور البنج
    هتف حاج اخر وهو تحت تاثير الصدمة …
  • خمسين جنيه ليييه ؟؟ هو احنا هنشيل البروسطيطة ؟
    دى حتة لوز … هما عشه جنيه بسس !!!!
    لم اكن أدرك وقتها نظرية الصدمة !!
    وهى نظرية ناجحة حتى فى إدارة الأمم
    إستعملها هتلر وإستعملها القذافى ويستعملها كل ديكتاتور ..
    يضيق الدنيا أمام شعبه ..
    حتي يكلم الناس أنفسهم فى الشوارع..
    ثم تجيء إنفراجة بسيطة فيهتف الشعب بحياته
    ترتفع جميع الأسعار أضعافا مضاعفة … وفى نفس الوقت يرفع أسعار الوقود
    يرفع الدولار من سبعة جنيهات .. إلى عشرين جنيها !!
    حتى إذا ضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم …
    جاءت الانفراجة ..
    ويهبط الدولار الى سبعة عشر جنيها فيهتف العامة بحياة الحاكم وحكمته وبعد نظره
    هكذا فعلها الفرغلى تاجر الاعلاف معى بعفوية .. وبدون دراسة سياسة واقتصاد
    عشة جنيه ..
    فقدت بعدها الأمل فى العملية
    ثم تجيء الإنفراجة على يد عم متبولى التمرجي عندما نهرهم زاعقا فيهم …
  • جرى ايه يا جماعة؟؟ احنا لازم نراضى الدكتور ..
    يمين بالله لهياخد عشين جنيه ..
    إنشالله أدفعهم من جيبى
    أرأيتم نظرية الصدمة؟
    بعد لا شيء … سترضى بأى شيء
    تمت العملية بخير والحمد لله
    وأتى وقت الحساب …
    وإذا بوجه جديد يدخل على ..
    الحاجة جندية …
    قرشانة العيلة دخلت لتبدأ من أول السطر….
  • هيييه عايز مننا كام بقاااااا ؟؟؟
    نفس الجملة التى بدأ بها السعدنى .. جد الطفل
    كنا قد وصلنا فى المفاوضات لخمسة وعشرين جنيها
    وبنفس اللوعة والاستنكار تصرخ
  • خمسة وعشين لا لا لا دا يتيم ..
    فتصرخ فيها ام فوزى ..
  • حرام عليكى يا ولية .. هاتموتى أبوه وأمه بالحيا ؟؟
    ردت الحاجة جندية بقوة وبلا خجل ..
  • خاله ميت … والخال والد!!!
    بص بقى انا ماحيلتيش ولا مليم عايز تشتكينى اشتكى
  • ياولية دا انتى لسة شارية كام فدان .. هكذا ردت عليها ام فوزى
  • الله أكبر … قالتها وهى تخمس بيديها أمام أم فوزى
  • بص بقى إنت لك عندى جوز دكورة بط مرجان … أحسن من العشة جنيه بتوع العملية
    إستعوضت الله فيما دفعته من نقود إشتريت بيها مستلزمات العملية وأجر طبيب التخدير .. وفى تعبى
    فى اليوم التالى بينما أنا جالس فى حجرة الكشف إذا بجلبة شديدة بالخارج
    خرجت مسرعا لأرى أم فوزى تجرى من العيادة إلى الخارج وتتأرجح بشدة يمنة ويسرة
    وهى تكر درجات السلم … وبيدها كتكوتين صفر فاقع لونهما .. لا يسرا الناظرين
    وتسب بأعلى صوتها …
  • إمشى يا بت الكلب
    ومن أمامها الحاجة جندية تكر السلم كرا هى الأخرى حتى هربت عدوا إلى الشارع العمومى
    صعدت أم فوزى السلم وأنفاسها تكاد تتقطع … وتحسبن بين كل نفس وآخر …
  • الولية قالت دكرين بط ..
    وجايبه كتكوتين
    عدت يومها من الكفر بدون مال ولا بط
    ولا حتى الكتكوتين

يتبع

تعليقات على فيسبوك