طارق عميرة

أفهم كيف ينتحر الإنسان, وكيف تحاصره أفكاره , وكيف تهزمه الحياة للدرجة التي تجعله يقتل نفسه, لكن لا أفهم لماذا يتعجل موتًا آت لا محالة فقط لأنه لا يستطيع الصبر أيامًا أو شهورًا أخرى , فمن يضمن أن موتهم سيكون أهون من حياتهم كما يتمنون خصوًصا إذا كانت أسباب قتلهم لأنفسهم تافهة, ولأمور يمكن علاجها بقليل من الصبر أو الحكمة أو التنازلات !

الفقر وضيق ذات اليد ليس حجة للانتحار عند خالق الحياة فقد وهب لكل إنسان مواهبه وعقله ورزقه, ومقاييس العز والذل بين الناس ليست دافعًا, وكم من غني لم تمنعه كثرة ماله عن إزهاق روحه, وكم من فقير أزهق روحه من أجل جنيهات , وبين تلك التقلبات هناك من يستوعب قدر الله بنفس سوية, من كان كريمًا فقل ماله, ومن كان شحيحًا فعلا شأنه, ومن تجاوز لحظات اليأس فأدرك كيف كان أحمقًا.

الحقيقة أن الحياة كبيرة جدًا, واسعة جدًا , لكن المرء عندما ينتحر تضيق الدنيا من حوله فلا يرى حتى على مدى مرمى بصره, بل تقتصر رؤيته على كل سلبي وموحش, على الحياة التي ستسوء أكثر, على المستقبل الذي يبدو مظلمًا بلا ثقب واحد يمر منه النور , على الخسارة الفادحة في عزيز أو ثمين, على العجز عن الوفاء بما اعتاد وأراد الايفاء به ..

وكلها أشياء يطويها الزمن طال أم قصر فقط ليس على الإنسان أن يتعجل فواتها بأن يسبقها بموته.

لأن مصيبة المنتحر الكبرى كما أظن مع الله هي العمى ..

أحدهم انتحر لأنه لم يعد يستطيع الإنفاق على أسرته التي هي ولدين وابنتين بينما إحداهن انتحرت لأنها لم تستطع الإنجاب لزوجها طفلا واحدا وآخر ثري انتحر لأنه لا يستطيع تكوين أسرة !

ومن أجل الشريك أحدهم انتحر لأنها تركته وإحداهن لأنه تركها وآخر لأنها خانته وأخرى لأنها لم تستطع الخلاص منه.

ومن أجل المقاومة انتحرت حتى لا تنتشر صورها وتسوء سمعتها , ونتيجة للابتزاز, ونتيجة للاحساس بالذنب حقيقًيا كان أو ملفقًا .

يغفل المنتحر دائمًا عن الصورة الكاملة لما أنعم الله به عليه من نعم, فيرصد السيء منها وينفخ فيه ليسيطر على عقله ويغفل رزق الله وكرمه وهباته وقدره وقدرته, تتركه هذه فينسى نعمة الله عليه في هيئته وخلقه وفي خلق غيرها وفي قريب طيب أو صديق وفي, يشح المال فينسى نعمة الله من صحة وولد وسكن ونوم وصحو, يحاصره المبتز فينسى أن روحه بيد الله ويصدق أنها بيد غيره, يتوهم ألم الآخرين لكنه سيُنسى ما يُنسى كل شيء , يتوهم الخلاص من العذاب لكنه يقود نفسه له ..

كما وهب الخالق الحياة قدّر الموت على كل كائن مخلوق , فلا يظن أحد أنه خالد مخلد , طما لا يفرط في أي يوم في حياته أعطاه الله له بأي هيئة كان فيها وعليها, فله عند الله موعد لا مناص عنه ولم أسمع بمن هرب منه, لهذا رغم حزني على كل من يزهق روح نفسه فإنني كنت أود لو قلت له كلمةً قد تجعله ينتظر قليلا.. لا تنتحر فغدًا ستموت!

تعليقات على فيسبوك