تمتاز رواية بهار الصادرة عن دار إنسان للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة/ عام ٢٠١٩ بكونها من الروايات ذات النسق الملحمي، لما فيها من صور أدمت القلوب وأغرقت المحاجر بدموع الخيبة والإنكسار، والذي إمتازت المرأة بصناعة سردياتها في مواجهة صفحاتها الزاخرة بالألم والسبي والإغتصاب، فالرواية ترصد مسلسل المآسي التي عاشتها مدينة الموصل إبان إجتياح عصابات داعش الأرهابية للمدينة، وإستباحة جمالها وعذريتها، وسبي نسائها، وقتل شبابها، والترويع لساكنيها بأسلوب همجي فوضوي يمتاز بالقسوة، والتجبر، والقهر، وإستباحة كل ما موجود على وجه البسيطة، بدعوى الجهاد وإمتاع غرائز الخليفة الجديد، وإمراء التنظيم المرابطين بطيش الغطرسة وهوس التقرب إلى وهم مصطنع بفخاخ التاريخ وصفحاته المسكونة بالرعب في شوارع المدينة وجبهاتها وأزقتها .. يتناول السرد بأسلوب الراوي الضمني المحايث للحدث في الرواية، بأجواء من الخوف، والترقب، وبأيقاع سردي يتوسط بين السرعة والإبطاء، بسبب الفوضى النفسية، التي عاشتها بطلات الرواية الثلاث وهن الأيزيدية بهار، والمسيحية فيفيان، والشيعية آمال، وقد جمعتهن مناسبة حفل عيد ميلاد صديقتهن بهار، على رفض من الأب، وقبول على مضض في النهاية بسبب إضطراب الوضع الأمني لمدينة الموصل، فكانت بداية الرواية مع بداية الأحتفال والبنات الثلاث يغرقن في صمت الغرفة، وظلام ستائرها المسدلة، يقول الراوي (كانت ظلال أجسادهن تتراقص على ضوء شموع غرزت داخل كعكة عيد الميلاد ودموع عيونهن تلمع بين الفينة والأخرى على وهج الضوء الخافت) .
حيث عمل الكاتب بتقديم فضاء روائي نفسي مغرق بالتوجس، والخوف، وهول التوقع في حالة لتهيئة المتلقي لإستيعاب مسلسل فجائعي متوالي لأحداث الرواية، المكتنز بمناخات القتل والذبح على الهوية الطائفية والعنصرية، وإستحضار ملفات صفراء من عهود الظلام والجهل في حلية ما يقوم به جهلة القوم، من إستباحة، ونهب، واغتصاب، ومصادرة، وقتل على مرأى ومتابعة شعوب الأرض، وفي عصر العولمة وتكنلوجيا المعلومات والثقافة الرقمية تنبلج عصابات تحاول إعادة التاريخ وتفسير أحلامهم المريضة على أنها صفحات من البطولة والجهاد، فكان القدر الغاشم لهذه المدينة على موعد مع صفحات من الضجر والفجيعة والأسى، فقد وقعت البنات الثلاث أسرى، وصرن مسبيات بيد عناصر التنظيم القاسية، وعايشن محن القهر، وإنتهاك حرمة الأجساد، وإغتيال عذريتهن ..حيث نجح الروائي في تجسيد صور وصفحات المأساة لتلك المرحلة، عبر سرديات البطلات الثلاث وهن يواجهن فضاعة المصير، وهمجية عناصر التنظيم، وقسوتهم، حيث أظهرن بزوايا نظر متقاربة الصورة الجوانية المقرفة للمرأة حينما تقع في شراك الجريمة، والقسوة، والعنف من دون أن تجد لها ناصر أو معين في غرف التظيم المظلمة، تحيطهن عناصره الشيطانية التي تلتهم الأجساد الغضة بنظراتهم الجامحة .. فقد جسدت الفتيات الثلاث صور البطولة بالصبر، والتجلد، والثبات على المحن، حتى فقدن صديقتهن الشيعية آمال، بعد أن تعرف عليها أحد عناصر التنظيم بكونها من المذهب الشيعي، حيث كان هذا الداعشي طالبا في كليتها، فأصدر التنظيم الشرير أمرا بذبحها على مرأى من زميلتيها، وجمع من الناس المسلوبي الإرادة والرأي.
كانت معظم أجواء الرواية تسرد مظاهر القمع، والقتل، والتدمير، وإمتهان الإنسان، والمرأة على الأخص، حيث ركز السرد على مراكز سبي النساء، وصور حالات عرضهن الفاجع للبيع، لمن يرغب في الشراء.
وأظهر السرد بلغة السارد العليم، والمواكب، والراصد الأساليب الوحشية للتنظيم في إمتهان الإنسان وسحقه، تحت ذرائع متعالية وغير منطقية .لقد جسدت المرأة بمختلف بنيتها الإجتماعية وإنتمائها العرقي، والديني، والمذهبي صلابة، وموقفا رافضا، من قبل بعض السجينات لأساليب التنظيم القهرية، في إستباحة الأجساد من دون رحمة، أو وازع من ضمير.
فهذه السجينة روشي يعلو صراخها في حمامات سجن بادوش، بعد إقدامها على الأنتحار حرقا، رفضا لمسلسل الإغتصاب والبيع، وهذه السجينة هناري لاتكترث بسياط الجلادين، وغيظهم، وطيشهم وسط أجواء من خوف السجينات مما يضمره المستقبل لهن، من مجاهيل القادم المسكون بدوامات من الموت، والجوع، والقرف .
كانت فضاءات السرد إنعكاسا للخراب النفسي، والخواء الجسدي، فضلا عن خراب الخارج المكتنز بصور الموت، والأجساد الملقاة في الشوارع، أو المعلقة بحبال الموت، والدخان المتصاعد في أماكن، ودور أفرغت من ساكنيها، وشوارع إستباحتها رائحة الموت، والعنف، والجريمة .
فكان السرد إنعكاسا لمشاهدات البطلتين بهار وفيفيان، وترجمة لما يجري هناك من أحداث ومشاهدات صادمة، الى أن حصل لهن أمل بالهروب من عناصر التنظيم من بيت الداعشي ابو قتادة، بعد تناوله لكمية من الحبوب المخدرة، وإستسلامه للخدر ، حيث كانت الفرصة مناسبة لبهار وفيفان للهرب، بعد أخذ بهار مفاتيح البيت، وموبايله الشخصي من الداعشي الثمل، وتخليص زميلتها بالهروب نحو جبل سنجار، والأتصال مع حبيبها سكمان المتواجد مع القوات الكردية خلف الجبل، فكانت رحلة يعتريها الفرح، والقلق مع ساعات الليل المظلمة.
كان للمسير بصمت وقلق، نكهة التوق نحو الحرية والخلاص المزكوم بذكريات السبي، والفجيعة، والإغتصاب، فقد منحت الرواية الفضاء المناسب لصوت المرأة الرافض للزيف، والقهر، والطغيان، بثورتها، وصمتها، وخوفها، وتمردها لكل أساليب العبودية والتنكيل، فكانت البطولة بوجهها المغاير، وصفحاتها الخالدة، بالصبر، والثبات، والإنتظار، والفاضحة لأساليب القمع والتدين الزائف، والكاشفة عن بنى نظرية دينية قائمة على الخداع والتضليل .

تعليقات على فيسبوك