وهي تنتظر أمام شباك تذاكر الحافلة الخارجة إلى مراكش. كانت تقاطيع جسمها تشي من وراء التكتم الحاذق للإزار الأخضر الملفوف عليها بنضج واكتمال فذين. كانت المحطة خالية إلا من بضعة رجال متكئين على الحائط يغشى أبصارهم نور الصباح الباهر، يقتسمون بضراوة ظاهرة بضعة اسفنجات تتقطر زيتا وكؤوسا من الشاي الأحمر الداكن وكأنه قضى الليل كله يغلي على نار هادئة، وحشدا من العصافير المتراقصة والمتشابكة في صباحها الذي يشي بقدوم فرح قريب.
مرّ من أمامها رجلا يبدو أنه على عجلة من أمره، ذهب توا إلى الشباك وأخذ تذكرة و وقف ثابتا ومصمما في الظاهر. قلقا وخائفا في الداخل، يستغور بعينين زائغتين كل علامات الساحة المطمئنة، لم يكن هناك نساء كثر ولا حتى مسافرون كباقي أيام العطل. عاد نحوها وكأن شيئا جذبه في عينيها فحول النظرة الفارغة والسريعة الانكسار التي سلم بها عليها، إلى تحذيق فج ومواظب، اشتباه، توهم، ربما، أغضت حياء، خط الكحل الرفيع الذي يحد عينيها النجلاوين لا تحدان. الحاجبان خطان من ظلمة فاحمة، يعرشان في وجه قد من ظلمة وضياء، يهب النقاب بعض البلل الغض. غلبه الحياء فتسارع إلى أخذ حقيبتها من بين رجليها، ثم أدخلها إلى الحافلة، فالوجه ليس بالغريب عنه.
كان قد أعدّ لها مقعدا بجانبه وكأنه يستقبل ضيفا عزيزا، جلست وكأنها كانت على علم بما سيحدث. كانت الطريق الوعرة في الخضخضة المتوالية للحافلة متعة ملامسة جسدها اللدن النافر، كانا في شبه خلوة بالمقعدين الخلفيين، فقد انطلقت الحافلة- بالاضافة إليهما- ببضعة مسافرين في المقاعد الأمامية سرعان ما استسلموا للنوم أو للمتابعة الشاردة للطريق، ومنحته هي بحضورها تماسكا واطمئنانا لم يعرفهما في المرة
السابقة.
توقفت الحافلة لبرهة ليصعد رجلين وامرأة دخلوا صاخبين ثم أغواهم هم أيضا الصمت السيد.. تنحنح وهو يجلس بجانبها وبحروف متقطعة اخرج سؤالا: اسمي فؤاد، وانتِ؟ كانت تمسح الكحل عن طرف عينها اليسرى. فبدا أنها لم تسمعه ولم يعاود السؤال. تعمد في انعطافة حادة للحافلة أن يدفع جسده لملامسة جسدها بقوة. ٱنذاك داهمته تلك الرائحة الحميمة، ألق نزيف الطين وشذى صباح الحقول، ائتلاف الخزامى، الورد والحناء هزته الرائحة كما لو أنّه في ذروة وصال جنسي. تحسسها بقصدية هذه المرة. تناومت، فأخذ بيدها نافذ الصبر. ثم سألها بخشونة وتصميم اسمك؟ كما لو أن زنة ضحكة صاحبت انفلات يدها من يديه، كما لو أن تقطيبة عتاب صامت التمعت بين عينيها، حوّلت وجهها عنه وتركته لاضطرامه، حاول أن يتابع الطريق، لكن إلحاح الرائحة لاحقه فدعاها بضراعة أن تقول له من هي. وببحّة أنثوية مثيرة وبصوت يدافعه الضحك قالت له: “أنا جارتك.. فاطمة الجنيّة.. وبعّد عليّا ولا ندير لك فحال ولد هنيّة.”
أردفت قائلة:
“أنا القابعة في الركن القصي أنظر من ثقب المرٱة، من ثقب النبضة المبصرة للوراء، أبحث وأصطاد وعدوة كبرى لشباك التذاكر، في هذا الزمن الذي يفرض علينا أن نصطاد، أحبتي تائهين في يم أجاج، أغوص إليهم ولا أصلهم، أرسل أحلامي وراءهم فتنكص مهزومة من يقظة فجّة، لا أصدق الأحلام وأستيقظ مبكرا. أستحم، أصلي وألف نفسي بإزار أخضر وأخرج لأستنشق الهواء، أبحث عن أسطورتي في شوارع الناس، أشمُّه قريبا.. وأحيانا بعيدا. أركب حافلة وأنزل منها، أركب ثانية و أجول على قدمي ليلا ونهارا فالسراب دليلي، لا تستغرب إذا رأيت في عيوني دموع النساء، دموع الفراق والافتقاد. لا تستغرب إذا وشوش لك صوتي العليل بحكاية شموخ هدّته رياح ضغينة مسعورة.. أنا امرأة الغراميات والعواطف الجامحة، امرأة التأملات الشاردة والأشباح الضالة.

تعليقات على فيسبوك