د. محمد الأبحر – كاتب وطبيب إستشارى أنف وأذن وحنجرة بدمياط صدر

من كتاب يوميات طبيب في الأرياف الصادر حديثا عن دار إنسان للنشر والتوزيع

اعتذرت أم فوزى عن تكملة العمل معي في العيادة لانشغالها مع أسرتها في البحث عن طه الحرامي

زوج ابنتها ووالد العروس فاطنة الذى سرق نقود النقوط وهرب ..

سمعوا أنه سيتزوج فتاة من إحدى القرى المجاورة بعد أن أصبح من الأثرياء

خمسة آلاف جنيها جمعوها من الفرح المزعوم … مبلغ لم يروه ولم يحلموا به من قبل

سألت الجيران عن شخص يعمل معي في العيادة ….

الحاجة أم خليل جارتي في العيادة قالت لي أنا هاديك هدية عمرك

– البت زوزان بنت أخويا شلبي كاتب المحكمة ..

بت أوروباوى ..

عينين خضرا إييه ؟ .. جمال إيه ؟

جسم ملفوف إييييه ؟

– ملفوف ايه يا أم خليل ؟

هو أنا هاتجوزها ؟

أنا عاوز واحدة بتفهم وتعرف تتعامل مع العيانين

– تفهم؟؟؟ دي طول عمرها الأولى في المدرسة ..

عقل ايه؟ .. وذكاء ايه؟ ..

وبمنتهى الفخر تكمل مباهاتها ..

– دى معاها دبلووووون !!!

توقعت خيرا من كل هذا الذكاء .. وإن ساورني القلق حيال هذا الجمال الصارخ الذى تصفه أم خليل

أسرعت خالتها بإحضارها .. زوزان

دخلت زوزان حجرة الكشف مع خالتها أم خليل

عند العرب يسمون الكرنب ملفوف .. بما يعنى طبقات كثيرة ملفوفة فوق بعضها

وفهمت كلمة أم خليل عن جسمها الملفوف عندما رأيت الطبقات الملفوفة من اللحم والشحم

وحمدت الله على ما رأيت …

فما رأيته من جمال زوزان .. كان يحض على الفضيلة ومكارم الأخلاق

ذكرت مثلا شعبيا شائعا عندما رأيتها ..

كل فولة ولها كيال

يعنى أن كل إنسان مهما كانت صفاته سيئة .. هناك من سيعجب به

وكل امرأة مهما زاد قبحها ..

هناك من سيحلف بجمالها

كانت شديدة البياض .. عيناها في لون الربة أو البرسيم كما وصفها المعجب الحاج منصور .. الأرمل الذى تخطى الستين ويبحث عن عروس

وأصبح زبونا حديثا للعيادة منذ عمل سوزان عندي او زوزان كما يسمونها جميعا

كانت تحمل كل صفات الجمال في هذا الزمان والمكان .. البياض والسمنة وأكثر من ذلك.. العيون الملونة

كما أن وراء كل رجل عظيم امرأة..

فإن زوزان أثبتت أنه وراء كل امرأة عظيمة رجال يمشون وراءها في الرايحة والجاية

أخذت أشرح لها طريقة العمل في العيادة الكشف خمسة جنيه ونصف

نصف الجنيه لك على كل كشف

هذه حجرة العمليات ..

وهذه حجرة المريض نضع المريض بها بعد الجراحة

أكياس القمامة تغلق وتوضع في المطبخ حتى نرميها

مع كل شرح تهز رأسها بمنتهى الثقة ولا تدعني أكمل كلامي ..

– مفهوم مفهوم يا دكتور دي كلها حاجات سهلة

إنت ما تعرفش إني كنت فأوائل الطلبة عشان ذكائي

حمدت الله على هذه السكرتيرة المتعلمة الفاهمة

في أول يوم لها ..

حضر مريض واحد للكشف بالعيادة .. سمعت مفاوضات ونقاش كثير في صالة الانتظار حتى دخل المريض وكشف

وفى آخر اليوم ..

– فين الكشف يا سوزان؟

– راجل غبى كان عايز يديلى خمسه جنيه بس ويضرب على النص جنيه بتاعى

أنا أخذت النص جنيه بتاعى

وقلت له الدكتور هياخد منك الخمسة جنيه بتاعته ..

هو انت نسيت تاخذها منه؟؟

في اليوم التالي كان عندنا عملية بالعيادة

وبعد العملية أخذت سوزان السلة التي بها كيس نفايات العملية من قطن ودم وكان النزيف كثيرا

أخذتها لوضعها في المطبخ بعيدا عن حجرة الكشف كما شرحت لها

سمعت صوت زوزان وكأنها تنادى على شيء

ثم صوت ارتطام شديد على الأرض

ثم صراخ من النساء المرافقين

خرجت قفزا من حجرتي ..

وجدت أم الطفل على الأرض مغمى عليها .. وحولها نساء تصرخ

وزوزان تكمل مهمتها ..

نادت على الجميع ليلتفوا حولها ولتشرح لهم ما خفى عنهم

كانت ممسكة بكيس النفايات وقد فتحته

تلف به على المرافقين وهم بالعشرات وقد إشرأبت أعناقهم وتزاحموا حولها ليفهموا الشرح ..

كانت تريهم القطن والدماء الغزيرة وتشرح لهم ..

– شايفين الأرف اللي الدكتور طلعه ..

أسعفت أم الطفل وأخذت جسم الجريمة من زوزان لوضعه بعيدا عنها

رجعت حجرة العمليات كان دكتور التخدير يتابع الطفل حتى أفاق

ناديت على زوزان ..

– انتى عارفة ها تعملي ايه؟؟

– طبعا يا دكتور هاشيله على جنبه وأخرجه … مش محتاجة حاجة يعنى

كانت شديدة الثقة وكأنها تعمل بالتمريض منذ ولدت

حملت الطفل جيدا وخرجت به …

كنت أحاسب طبيب التخدير وأذني منصتة على الصالة بالخارج ..

– الحمد لله ما فيش أي صوت ..

وفجأة اسمع صراخا وعويلا على السلم وفى الشارع

اندفعت بكل قوتي خارجا للصالة ..

لم أجد مخلوقا ..

والصراخ يأتي من السلم

نزلت السلم قفزا .. لأجد زوزان تحمل الطفل .. نزلت به إلى الشارع ووراءها أهله بين صارخة ومولولة ولاطمة لخديها

– يخرب بيتك رايحة فين؟؟

– مش انت قلت خرجيه؟ ..

– تخرجيه فين؟ مش أنا قايل لك على حجرة المريض؟

– الكلام ده كان إمبارح .. النهارده ما قولتش أوديه فين ؟

مر الموضوع بسلام .. وقلت أتركها حتى أجد سكرتيرة أخرى للعيادة

غادرت العيادة والكفر بعدما اطمأنت على الطفل

ثم بعد ساعات وأنا في المنزل أتتني مكالمة تليفون من أم الطفل تسألني ..

– هي الحقن أعطيها له عضل أو وريد؟

– أي حقن؟؟ أنا كاتب له شراب مش حقن …

-البنت اللي عندك أعطتنا بعض الحقن وما قالتش ناخدها ازاى ؟

صرخت فيها وقلبي يكاد يتوقف

– أوعى ياخد حاجة وهاتيهالى العيادة وطرت على الكفر

وجدت بواقي حقن التخدير التي رميتها وكان أكثرها مليئا .. وسألت البنت عنها

– جبتيها منين يا زوزان؟

– أنا لقيتها مرمية في الزبالة وهى ملآنة زي ما هي وده حقهم …هما اللي شاريينها

ها نروح من ربنا فين ؟؟

كله إلا الحرام

– عندك حق يا زوزان .. كله إلا الحرام

مع السلامة يا بنتى

لطلب الكتاب : عبر الهاتف : +201113393920
أو البريد الالكتروني لدار إنسان للنشر والتوزيع : insanfirst@gmail.com

تعليقات على فيسبوك