من قصص المجموعة ( أريد أن ابني كنيسة ) صدرت في 2010
قال عنها أستاذ الأدب الانجليزي المعروف في مصر وبريطانيا أ. د / وجدي الفيشاوي : قرأت كثيرًا من قصص الأدب العالمي لكنني لم أجد أبدًا قصة تشبه هذه وأرى لها مكانًا هناك  .

ســقـــطَ ســـهـــوًا

طارق عميرة

أشعُر بهِم عندمَا يأتون , لا أستطيع التأكيد على ذلك , فلا أحدَ يرَاهُم , ولكن الملائكة حقيقةً يؤمن بهَا الجميع وتراثهم موجُود من أدنَى الأرض إلى أقصَاهَا , كانوا يصطرعون مع الجن قديمًا في الأرض قبل أن يستخلفَ اللهُ فيهَا آدم , وامتدّ الصرّاع مع الشيطَان , ولكن القادمين الليلَة ليسوا شياطينًا , بل ملائكة !
لا تسألنِي كيفَ أعرفُ هذَا , كان صحابةُ النبي يجلسُونَ معه ودخلَ عليهم جبريل المسجد , رأى السامري أحدهم فقبض قبضة من أثره وصنعَ عجلَهُ الذهبّي كما في قصّة النبي موسَى عليه السلام , الكثير من الرؤى والكرامَات , لكنّني لا أستطيع الزعم بأكثَرَ من شعُوري بهم , أشعر بزيارة خاصّة قادمَة.
ما يزالُ الليل في بدايته الحقيقية بعدَ أن انقضَى وقتُ الغروب والشفّق , تناولتُ عشائي وجلست قليلاً لأجدني على مشارف منتصفِ الليل , البدَاية الحقيقية , أنهضَ وأعدّ لنفسي كوبًا مِن القهوَة , الملائكة لا تأكل ولا تشرب , لهذا سأصنع واحدًا فقط لي , ربّما أفكر بصنع آخر على سبيل الاحتياط .***
تقول لي أمي:- لا تعبُر الطريق إلا عندمَا تتأكدُ من خلوّه , حتّى لا تصطدم بك السيارات .قالتهَا مرارًا رغم أنني في طفولتي وحتّى سن كبير لم أعبر الطريقَ بدونِهَا قطْ , ستظلّ تعبُر بي الطريق حتّى أصل إلى الجامعَة.تقول لي أمّي :- لا تضرب أحدًا .تقوُل لي أمّي :- استذكر دروسك جيدًُا ولا دَاعِي للهو .لم أكُن أملك وقتًا لا للهو ولا للاستذكَار , كانَت هيَ تقومُ بالقاء دروسي على مسامعِي في اليومِ ستّة آلاف مرّة حتّى أكادُ أجنّتقُول لي أمّي :
– لا تسرق , لا تخُن الأمانَة , لا تخرجْ وحدَك فالعالم سيء , لا تخرُج مع سوايَ فالنَاسُ سيئُون.تقُول لي أمّي :- لماذًا تبكي؟ إنّنِي أفعلُ كلّ هذَا حفاظًا عليك !تنسالُ دمُوعِي وأنَا أتطلّعُ إليهَا صامتًا .***
أرتشفُ رشفةً من كوبِ القهوَة الذي أعددتهُ لنفسِي , وأجلسُ لأشاهد التلفاز في ضجَر ..لقدْ اعتدتُ أن أكُونَ وحدِي منذُ الصّغَر , الجحيمُ هوَ أن يكونَ معي شخصٌ آخر الآن , أكونُ مقيدًا إلى حدٍ كبير لو وجدَ آخر , خجولٌ إلى حدٍ لا يُحتمَل , لهذَا أفضّل عادةً أن أكُونَ وحدِي .
التلفازُ يعرضُ صورةً باهتةَ الملامِح لأحد المسلسلات القديمَة , أنتقلُ إلى قناةٍ أخرى فأجد قومًا يتحدثون عن أهميّة الفن في حياةِ الكائن الحيّ فأنصت لهم محاولاً الربط بينهم وبين الفن , أفشَل فشلاً ذريعًا
هكذَا أغلقتُ التلفاز وجلستُ أحتسِي قهوتِي في صمتٍ وفي سرعَة , وعندمَا انتهيت خرجتُ إلى شرفتِي المظلمَة , الأواني الفخاريّة العامرة بالزهور تبدو مخيفةً في الظلام , عمومًا لستُ بحاجِة للضوء , أنَا هنَا أتطلّع إلى النجوم , أضواء الكواكب الأخرى
***
يجذبني أبي من ياقة قميصِي جذبةً قويّة لا يحتملهَا جسدي الواهن , أشعر باصطدام عظامي ببعضها البعض , يقول لي معنفًا وقد بدَت العصبيّة مسيطرة عليه :
– ومن أدرانِي أن ابن الجيران ليسَ منحلاً ؟ , ربّمَا يسعى لجذبك إلى طرق الانحلال تلك ؟ , يا بني نحنُ في غابةٍ من البشَر والشرّ , لا أمانَ فيهَا لأحد .
أكثرُ ما يؤلمني أنني لن أرى ابن الجيرانِ هذَا مرّة أخرى , أنا متيقن من هذَا الآن وقد كنت أخشى أن يكتشف أبي صداقتي له في الأيّام السابقة بشدة , على أيّة حال لو التقيتهُ مرّة أخرى الآن فإنّ يدي أبي الثقيلتين تنتظرانني !
أقُول لأبي :
– أريدُ الذهَاب إلى حديقةِ الألعابِ قليلاً .
يقُول لي أبي في لهجةٍ تقريرية :
– هنَاك أرجوحةٌ في حديقتنَا يمكنك التسلي بهَا , اينَ سيّارتك التّي تعملُ بالتحكّم عن بُعد ؟ إنّهَا رائعَة !
أعلمُ أن ألعابي رائعة , ولكن أيّة متعةً في العدو وراء سيّارة حمقاء طوال اليوم ؟ , للمللِ حُدود وأنا طفلٌ أهوَى التجريب .
يقُول لي أبي :
– ماذَا تُريد أن تدرس ؟

– الحقوق .
– لا ستتعامُل مع أنماط قذرةٍ من البشَر , كما أنّه لا ينقصكَ شيء , ستكون فنانًا , الفنُون الجميلة لا بأس بهَا أبدًا .
الأب الأول في العالم الذي يقرر لابنه كلية الفنون الجميلة رغمًا عنه , لماذا لم تدخلني التجارة لأتعلم كيف أدير مشروعاتك كما كنت تقُول دائمًا ؟
حتّى اختيار أبي لدراستي , كان أن أكون وحيدًا , سأكون فنانًا يختزل أحزانُه في لوحَات !
يقول أبي :
– حينَ أذهب , ستدرك قيمة ما كنتُ افعلهُ من أجلك .
يا لتعاستي

***
أكتفِي من النظّر إلى النجوم وأتنهد وأعود إلى داخل حجرتي , لقد بدأت علامات قدومهم في الظهور , أغسلُ شعري جيدًا ثم أصفّفهُ بعنَاية , أرتدي أفخمَ ثيابي واضعُ أفخر عطرٍ لديّ ولا أنسَى أن أرتدِي ساعتي باهظة الثمّن , أنَا على أهمّ موعدٍ في حياتي , ربّمَا الأخير .
أصنعُ لنفسي كوبًا آخر من القهوة , ربّما تكونُ هذهِ هي لذّتي الأخيرَة , فلأستمتع بها ما استطعتُ اذَن , انتهى الكوبُ سريعًا هذهِ المرّة ولكنّه كانَ مرّ المذاق , تساءلت هل سيكفِي الوقتُ لصنعِ كوبٍ آخر ؟ , ربّما لا , فلأنتهِ من هذا أولاً !!
***
صرت منطويًا كمَا يجبُ على الانطوَاء أن يكُون ..
مرارًا قال لي زملاء الدراسة :
– ألا تجيد فعلَ أي شيءٍ سوى الصمت ؟
وكنت أصمت !
مرارًا قال لي الأصدقاء اللذين نجحت في مصادقتهم تلصصًا قديمًا :
– ربّما لأنك وحيدهمَا , لهذا اهتمامهما بك متضاعف , إنّهمَا بالتأكيد يحبّانك كثيرًا .
تبريرٌ جيّد ولكنّه يحملُ حقيقة جنون والداي بي , لقد أنجباني ليمارسا جنونهمَا عليّ , وضعانِي لمواجهة الآخرين دون اعداد , الجحيمُ حقًا بالنسبة لي هو نظراتُ الآخرين .
مرارًا قالَت لي الزميلات :
– تبدو مسالمًا وقورًا , ولكنّك في الحقيقَة أقربُ لظلالِ الرجَال .
لا أدري لماذا يقتربن منّي ولا كيفَ ولا متى , ولكن الكثيرَات منهنّ يعتقدنَ أن قولَ هذهِ الجملَة واجبٌ قومي!***يقُول لي أبِي :
– استعد للسفر الليلة , سنذهبُ في رحلةِ عملٍ لأيّام وأريدك أن تتعلّم بعضَ الأعمَال بخلاف هذه الريشة التّي لا تكفّ لويث االوحات بهَا ليلَ نهَار .
اللعنَة , أنتَ من اخترتَ لي الفنُون الجميلَة , أقول في احدى شطحاتي النادرَة :
– ولكنّني لا أريد الذهاب .
في تعجّب ينظُر إليّ ويقُول بحزمٍ كاسح :
– ولدْ ! , أتجرؤ على عصيانِ أمرِ كبيرِك ؟
ذهبتَ منذ عشرات الأعوامِ يا أبي , وتركتَ لي عالمًا من الكبارِ اللذين لا أجرؤ على عصيان أوامرهم ..

***
لم تصل الملائكة بعد , أم همْ موجُودُون في فضاءِ الغرفَة ينتظِرُون لحظَة الحسْم ؟
لقد انتهى كوب القهوةِ مرّ المذاق وقد عزمتُ على صنع كوبٍ ثالث سواءً أمهلني الوقتُ أم لا , أعرف أن كثرة القهوة مضرّة ولكن من يأبه لهذَا في ليلة كهذه ولحظات كهذه وقبل موعدٍ كهذا قد لا تضر القهوةُ بعده
نهضتُ لصنع الكوب الثالث , هالنِي أن أجد بعضَ القمامَة التي تركتها ولم تنظّف بعْد , يجبُ أن يتمّ اللقاء وكل شيء نظيف .
نظفت القمامة في سرعة خارقة بالنسبةِ لعجوزٍ مثلي , وتذكرت كوب القهوة حينَ سمعت صوت انطفاء شعلة الغاز اثر فيضان البن
الكوب الثالث لهذهِ الليلة , لقدْ أوشكَ البنّ على النفّاد .
***
قالَت لي والدتِي أنّ مهَا فتاة رائعة وجميلة ومتدينة وأنني سأحبّها كثيرًا ..
ولقد صدقَت أمي
مهَا فتاة رائعة وجميلة ومتدينة وقد أحببتها كثيرًا , ولكنها لم تحبني كثيرًا , في الحقيقة لم تتقبلني , أنَا رجلٌ لا يجيد فعل شيءٍ سوى الصمت فما الجدوَى ؟ ربّما أنَا ظلّ رجل
قالَت لي مهَا في اللقاءِ الأول :
– ماذَا درست ؟
لا أدري لماذا بدا لي السؤال هو أصعب سؤال على وجهِ الأرض , تلعثمت وغمرني العرق وأنَا أجاهِدُ لأتنفس وأقول :
– فنون جميلة.
قالت وابتسامة واسعة ترتسمُ على وجهِهَا :
– أنتَ فنّان إذن ؟ , رائع !
لا أعرف بماذا أجيب ولا كيف سأفتحُ فمِي لأجيب , أومأتُ برأسي ايجابًا فسألتني سؤالاً مخيفًا كالتنين :
– ما هواياتك ؟ ما الذي تحبّ أن تفعله ؟
وكأنّ قنبلةً عنقوديّة فجرّهَا الصهاينَةُ في فمي , فلم أستطع التفوّه بحرف , اتسعت ابتسامتها وهي تقُول :
– أنتَ خجولٌ للغاية .
تقرّبت إلي بعدهَا كثيرَة , وفي كل خطوةٍ كانَت تخطُوهَا كان تكتشتف المزيد من تعقيدي , ربما شجعها على تحملي في البداية أنّها قد أدركت أنني وقعت في شراك حبّها بالفعل , ولكنّها بعد فترةٍ كذلك أدركت انعدام الأمل في أن أكون كما تريد , فابتعدت حتّى اختفت تمامًا ..
قاطعةً الأمل الأخير لديّ بأن أحدّث أحدًا عن جنون والداي
***
كانَ زواجُ أبي من أمي خطأً صغيرًا ..
ولكنّني كنتُ خطأهمَا الأكبَر !
أنا خطأ , بدأت اؤمن أنّني أتيت سهوًا , لا أعارض قدريتي ولكنني صرت أؤمن أن دوري في الكون هو السقُوط سهوًا من كل شيء .
أنا أرسمُ لنفسي , كانَ والداي متفوقان للغاية في أعمالهما , لدي ما يكفي نصف مواطني جيبوتي حتّى وفاتهم , وعلى العكس ساهم هذا في عزلتِي أكثر , فشلت في الالتحاق بأي نادٍ اجتماعي أو رياضي و ليسَ لي سوى معرفة سطحية للغاية بالمشاريع التي تجذب المعارف , شركاتُ أبي بعتهَا كلها لأنّني لا أفقه شيئًا في الإدارة , والأشخاص اللذين كان أبي يعهد بتعليمي إليهم , لم أكن أستفيد منهم أي شيء لعدم قدرتي على التجاوب معهم أو حتى الاطمئنان لجانبهم !
أنا أرسُم ..
هذهِ هي مهنتِي وهوايتِي
مؤخرًا أجدني أرسم بكثرَة لوحات لرجل محبوس في زجاجَة ملقاة على قارعة الطريق ولا يعيرها أحدٌ أدنى اهتمام ..
أرسمُ طفلاً تبتلعهُ الأمواج ولا يجرؤ على الصراخ ليسمعهُ أحد السبّاحين المحيطين به وينقذه..
أرسم ..
***
تقُول لي مهَا :
– أنتَ ذكيّ , أعرفُ هذَا لكنّك لا تجرؤ على اتخاذ قرارٍ واحد , من سيدير حياتنا ؟
تقولهَا والأسى يملؤها ويملؤني..
هيَ لا تعرفُ أنني اتخذت الكثير من القرارَات بالفعل , هي لم تعرف أن وفاة والدي لم تكن طبيعية أبدًا لأن أحدًا لم يذكر ذلك ..
لا تعرفُ أنّني بعت كل شركات والدي التي كان يعدّني لوراثتها وادارتها ..
لا تعرف أنّني استطعت إقامة الكثير من المعارض الفنية , ولكن ما أنا موقنٌ بأنّها لو عرفت ستتوقعُه , أنّني لم أتواجد أبدًا في أي معرضٍ منهم ..
مجدي أيضًا الطبيب الوحيد الذي زرته مرة واحدة في عيادات الطب النفسي , أعلن فشله الذريع في التجاوب معي وعرض علي البحث عن طبيبٍ آخر .
يقولُ لي مجدي :
– لا أدري ماذا بك ؟ , لا تستطيع الحديث مع مخلوق ولكنك لا تقفز رعبًا منهم ولستَ مصابًا بالعتهِ أو الخرس , أنتَ كالحاضر الذي لا وجود له لأنّه يجوب طبقات الماضي , لقد سقطتَ سهوًا .. ولكن بإرادتك .
يضُيف مجدي في محاولة لمنحي بعض الأمل الزائف وحتى لا يكون المبلغ المهول الذي أخذه بلا مقابل :
– ابحث عن فائدة تمنحها للآخرين , سيكونُ هذا أكبر علاج لك .
بسطويسي البواب حصل مني على فائدة قدرها عشرات الجنيهات ولم أشعر بأي تغيير !!
***
أرشف الرشفة الأخيرة من كوب القهوة اللذي بين يدي..
أنَا متأكدٌ أنّهم موجودُون الآن , أحيانًا كثيرَة كنت أتمنّة أن أشعر بحالة موتي , ويبدو أن هذَا قد أتيحَ لي الآن , أفتح النوافذ في حركة تلقائية رغم أنّهَا مفتوحَة , سيحلُو للصوص العبث هنَا عندمَا أموت الليلة , المكتب وحجرة الجلوس وغرفة النوم وجميع الحجرات مرتبة ومنظفة , لا يوجد سوى كوبِ القهوةِ الملوّث وهوَ ليسَ إثمًا على أيّة حال .
أشعرُ باللحظة تقترب ..
تقترب أكثر واكثر.
ثم لم أعد أشعر بأي شيء , لم يعد هنا ملائكة ولكنني ما زلت هنَا وكوب القهوة ما زال حارًا بين يدي .
ما الأمر؟ ايكُون كل هذا الشعُور خاطيء منذ البداية ؟لم يطُل تفكيري ..فقد انطلقَت الصرّخَات فجأة من منزلِ أحد الجيران !من الغريب أن أهلهُ ما زالوا مستيقظين حتّى الآن .
طارق عميرة – كاتب وناشر مصري

تعليقات على فيسبوك