سكبت آخر كأس من قنينة الويسكي و شربت الكأس جافا بدون ماء، لقد سكرتُ.. بيدي المرتعشة أسحب سيجارة من فمي المغلق الكئيب، العالم يغرق في دخان ثائر يغطي المشهد كله.. أدخن لآخر مرة.. إنها المرة السابعة بعد الخمسون، لم أكن أدخن و لم أكن أشرب المر حتى شربت مرَ الواقع.. أما رقم سيجارتي معدود لأنني كنت أسجل رقم كل واحدة أشعلتها و أحرقت صدري، على مذكرتي. قمت من مكاني و وضعت منديلا أحمر في ردفي، أطلقتُ شعري و بدأت بالرقص.. رقصة الوداع.. لا علاقة لها بالموسيقى لأن بداخلي كانت تعزف موسيقى مغايرة. امتلأت عيناي بالدموع، فتركتها تنساب كما ينساب جسدي مع موسيقاي، يرن هاتفي و أنا أواصل الرقص غير مبالية، لا أعرف كيف وضعت الزينة على وجهي بهذا الكم و بهذا اليوم بالضبط.. توقفت فجأة و ارتميت على الأريكة.. وجدتني ألمس سجادة الصلاة خاصتي عن غير قصد.. أمعنت النظر فيها و كلي حرقة و ألم و الأعظم من ذلك العار و الندم.. سجادتي البنفسجية التي كنت أجلس عليها خمس مرات باليوم كي ألقى ربي و أشكره، أشكوه أو أتضرع إليه. أصابني صمت رهيب، و طفقت من عيني دمعتان أحسست أنهما تسقطان داخل قلبي.. علمت أن هذا اليوم هو آخر يوم لي و أنني سأواري دمعي في دمي و أسكت.. أسكت إلى الأبد.. تذكرت ذاك الحبل الوردي المعلق بالسقف أمامي يحاول إغرائي بالتوجه إليه كي يلف روحي و يأخذني إلى حيث أريد.. ذكرتني أغنية تقول: “قد أحببتك من قلبي.. أنا لا أملك من ذاتي إلا أن أحبك” باعتراف ذاك الذي ظننته يوما حبيبي و هو يقول: أحبك هدى على الرغم من أنني لا أخبر أحدا بك، تفيض من عيناي، أخبئك جيدا مع ذلك يلمحونك على وجهي.
أعود بذاكرتي و أنا أضحك بصوت عال و أبك في آن كيف أخلف كل الوعود، لم يدرك حجم الدمار الذي خلفه، لم أكن أعلم ذلك اليوم أنني عندما قلت له إلى اللقاء كان يقصد حينها وداعا، أقدم على قراره بكامل برودته و ها أنا أسعى لتنفيذ جريمتي بكل قسوة.. لقد أقفلت جميع الابواب و النوافذ و لم يعد هناك متسع للعودة إلى الوراء و تصحيح المشهد.. ربما كان شيئا سهلا بالنسبة إليه لكنه بالنسبة إلي كان قلبي المحطم.. لقد كتب لي أن أولد من أب مجهول.. ربتني أمي و علمتني على الرغم من قساوة الظروف التي أحاطت بنا من كل جانب.. لقد كانت أمي تزني من أجلي.. لكنها لم تغفل تربيتي، علمتني و وفرت لي كل وسائل الراحة كي أدرس.. كانت تغضب في كل مرة سهوت عن صلاتي أو تهاونت في دراستي.. حافظت على المراتب الاولى دائما حتى كبرت و حصلت على منصب محترم جدا.. إلى هنا كان كل شيء على ما يرام، تعبت والدتي و أدت مناسك الحج و تضرعت لله كي يغفر لها ذنوبها و عادت أمي بوجه مشرق يشع نورا.. لكن الحياة تقف ضدنا للمرة الثانية، فالمجتمع لا يرحم والماضي لا يموت يظل يلاحقك كالظل.. حاولت بناء حياتي و نسيت أنني أجلس على أنقاض نسبي المجهول و ماضي والدتي الملطخ.. ظننت ان الحب وحده كاف لبناء حياة أخرى، ربما لأنني عشت و كبرت بحب أمي لي.. لم تشعرني يوما بالنقص و لا كانت تسمح لأحد أن يهينني أو حتى يعلم حقيقتي أنني ابنة غير شرعية من أب لم يرغب بالاعتراف بنسبه.. لم أحاول البحث عنه و لم يفعل ذلك هو أيضا.. منحتني أمي اسم عائلتها و منحتها وعد أن لن أحاول البحث في الماضي.
ذات صباح اتصل بي حبيبي السابق ليخبرني أنه سيأتي ليطلب يدي من والدتي.. لا يمكن وصف تلك اللحظة.. أجربتم يوما أن يكون لك جناحان و أن تكون السماء أمامك صافية و أسراب من الطيور تدعوك للتحليق و اياها.. لقد جربته و حاولت التحليق عاليا، لكنني لم أتمكن من الوصول إليهم.. وجدت نفسي داخل قفص محكم الاغلاق.. بكيت بحرقة و أنا أتذكر ذاك اليوم الذي قررت الاعتراف فيه بسري المدفون، ذهبت إليه و كلي يقين انه سيعتبر سري أمرا تافها أمام قصة حبنا، أمام أخلاقي و منصبي كذلك.. لكن للأسف خانني إحساسي فقد تنافس هو و والدي في إذلالي بدل أن يتنافس هو و والدتي في تدليلي.
مرت السنوات، و مررت بعدة محاولات حاولت بشتى الطرق أن أعتاد على حياتي الباهتة و المتخلى عنها، أن أتحرر من تلك التقاليد.. كنت أفشل لأن الامر أكبر من طاقتي، فالمسألة أكبر من كونها تراكمات نفسية إنها حرب تحدث في داخلي.. مع الوقت وجدت نفسي وحيدة.. غادرتني أمي بعد صراع مرير مع المرض.. رحلت عني من منحتني طعما للحياة و لأن العمر شيء و الحياة شيء آخر.. فإنني لا أشتهي مزيدا من العمر يوم غادرتني الحياة..
أخذت قلم الشفاه من حقيبة الزينة و كتبت: هذا يوم ولادتي.. واتجهت صوب الحبل مبتسمة، صعدت فوق الكرسي و أدخلت رأسي الصغير في الحبل و أنا أقول جملتي الشهيرة:” أنا في طريقي إليك أيتها الحياة”.

تعليقات على فيسبوك