حالما تنمو قدرتنا على الاطلاع على وجودنا وما يحيط بنا من وجودات ووقائع وما تنشط مخيلتنا بنسجه وتخيله، تبدأ معها مسيرة أسئلتنا التي ترد على ألسنتنا بكل مباشرة وتلقائية وصراحة.

أسئلة تتعلق بكينونتنا، وتفاصيل جسدنا ووظائفه، وبتفسير ما يدور حولنا في الدوائر القريبة والبعيدة، ويتنوع مداها، فمرة تتسائل عما يتعلق بالديني، وأخرى بالسياسي، وكثيراً ما تكون متعلقة بالنفسي والاجتماعي.

كثير منها متشابه عند كل الشعوب، ومكرر في كل الازمنة، لأنها أسئلة تنطلق من الفطرة، وتلازم تدرجات الوعي عند كل أنسان، وتتناظر فيها المجتمعات، ولكن هناك تفاوت نسبي بين قدرة الافراد على الالتفات إليها، وتباين في زمان ادراكها، والرغبة للحصول على اجوبة عليها، وطريقة صياغتها، ودرجة المباشرة في طرحها، لكن مساحة المشترك مع ذلك التباين تبقى كبيرة.
نحمل اسئلتنا التي تأبى ان تختفي أو تتروض، وهو تلح علينا بقوة بحثاً عن جواب، فنطرحها في الدائرة الضيقة المتمثلة بالاسرة، فتقابل في معظم شرقنا بإشارات التحذير وكلمات القمع والرفض، مرة تحت عنوان العيب واخرى الحرام وثالثة بدعوى الخوف منها علينا وعليهم، والنتيجة في كل هذه الصور هي بقائها تلجلج في صدرونا، وتتحرك بشغب في عقولنا، ومع قمعها يزداد فضولنا بحثاً عن اجابتها، وهكذا نحملها الى المدرسة والفضاء العام، فنجابه بدرجات مختلفة من القمع والاستخفاف بل وحتى التنمر.

يتزايد التشويش تدريجياً عندنا مع عدم التفريق بين امتناع العجز عن الاجابة للجهل بها وبين الامتناع لمقاصد مع العلم بها، ومع كل ذلك نندفع اكثر بحثاً عن اجابات، فنقع فريسة بين يدي الذين يلقنوننا اجوبة ناقصة او خاطئة او مغرضة، او تنفرد مخيلتنا بكل ما فيها من تشويش، فتنسج لنا من عندياتها أجوبة، في غالب الاحيان ليست هي الاجوبة الصحيحة، ومع ذلك تتزايد فجوة عدم الثقة بمن حولنا، وربما يتحول الامر عند بعضنا الى كراهية وحقد.

كما نحن ، يحمل أولادنا (بنين وبنات) أسئلتهم، وهي في تزايد مع اتساع مديات الحياة، ومزيد من انكشاف اسرارها، وسقوط الكثير من حواجز المنع والخوف، والتماهي مع السلوك الاكثر جرأة، وهي اكثر خطورة من ذي قبل، لجهتين، الاولى، لخصوصيتها ومباشرتها وطبيعة الموضوعات التي تسأل عنها، والثانية، لجهة خطورة الجهات والاطراف التي يمكن ان تنوب عنا في اجابتها مع توفر امكانيات الوصول لتلك الجهات في ظل سهولة العمل على ادوات العالم الافتراضي، ومع تزايد مركزة الذات، والاعتناء بالأنا، وفضاء الحرية غير المقنن، ومع كل ذلك، لا يزال شرقنا في البيت والمدرسة والشارع، يقمع الكثير من هذه الاسئلة او يسفهها، تحت ذريعة التبريرات القديمة نفسها، مدعين أننا اكثر حرصاً عليهم، ومعرفة بما يصلح شأنهم، غير آبهين بما يتكرس ويتجذر من حقيقة دامغة مفادها، أنهم لن يتوقفوا عن البحث عن اجوبتها، ولن تخرسهم اشارات المنع والتبكيت، ولن يكون ذلك مدخلاً لشعورهم بالأمان معنا ومنا، وسيكون بديلنا في الاجابة عنها في غالب الاحيان، هو البديل غير الآمن.
لنعلن بكل شجاعة وثقة، أننا مستعدون ومرحبون بأسئلتهم مهما كانت خطورتها وحساستيها، ولنعينهم على المزيد منها، ونشجعهم على طرحها بكل صراحة وشفافية، ولنعلمهم بكل صدق في حالة جهلنا بها، أننا غير قادرين على اجابتها لجهلنا، ونأخذ بأيديهم الى محال الإجابات الآمن، وهذا النداء يتوجه بالقوة نفسها إلى رياض الاطفال والمدارس الابتدائية وكل المؤسسات التربوية والتعليمية، لكي يتخرطوا بجد واعتناء في اجابة اسئلة اولادنا مهما كانت صراحتها.

ليدرك الجميع، أن ردود الافعال تجاه قمع الاسئلة في هذا الزمان وفي قادم الايام، لن يكون بنفس السلمية التي واجهنا بها قامعونا، وأن زمن من التمرد يتشكل بسرعة كبيرة.

تعليقات على فيسبوك