• ٩ –
    حكاية بنت اسمها مرمر

أيام مرت منذ حادثة إلقاء الحجر على …
شغلتنى قليلا … ثم نسيتها حتى رأيته
هو ..هو .. نفس الجسم النحيل والهيئة… من القى على هذه الطوبة منذ أيام
كنت أراه منذ اسابيع واقفا امام العيادة مختبئا خلف الشجرة الكبيرة على النيل وكلما التقت عينانا وجدت عيناه تمتلئ غضبا وكراهية
إختفى بضع أيام ثم رأيته اليوم وانا اجلس على النيل امام العيادة ومعى زوج خالتى ..
كان يمعن فى الإختباء لكننى لمحته … وأصبحت متإكدا أنه من ألقى على الحجر ..وسألت عنه ..

  • دا الواد احمد ابن الاستاذ اسماعيل موجه اللغة العربية الله يرحمه …واد مؤدب وشاطر ..فى الثانوية العامة….
    تعجبت مما ذكره الرجل …
    فقد كنت أعتقد أن من تتبعنى ربما يكون لصا أو قاطع طريق تخيل أن طبيبا فى مستهل حياته يمكن أن يملك شيئا يستحق السطو عليه
  • واد يا احمد انت ايه اللى موقفك هنا؟
    صاح زوج خالتى به
    بدا على الفتى التردد بين أن يهرب او يجيب .. ثم حسم أمره وأجاب
  • أنا كنت رايح الدرس يا بو هانى .. ثم هرول مبتعدا بدون أن ينظر إلى
    تأكدت أنه هو بنفس شكله وطريقة عدوه .. كما رأيت شبحه يجرى فى الظلام بعد ما ألقى على بالطوبة
    طلبت من أبو هانى أن يحضره إلى بحجة مساعدته
    دخل العيادة خائفا يترقب .. ومتحفزا فى الوقت نفسه…
    أنكر بشدة فى البداية أنه من ألقى الطوبة
    أجلسته وهدأته
    سألته برفق ويدى على كتفه ..
  • ماذا فعلت لك لتكرهنى كل هذه الكراهية ؟
    نظر إلى بعيون دامعة ..
  • إنت عاوز تاخد منى مرمر
    ياااه هذه الطفلة الجميلة التى تريد امها ان تزوجها وهى لم تبلغ بعد
  • إنت بتحبها يا احمد ؟
    ما أن سألته هذا السؤال حتى إندفع فى بكاء عميق …
  • هى كل حياتى من غيرها أعيش ليه ؟
    خرجت منه الكلمات متقطعة بصعوبة وسط بكائه ونهنهته
    أحسست بالحب الشديد لهذا الطفل اليتيم وأحسست بجمال مشاعره البريئة وصدقها ونقائها..
    ورغم أننى كنت شابا وقتها إلا أننى أحسست أنه إبنى …
    أفهمته انه هو ومن يحبها إبناى وما سمعه لا صحة له
    ذهل عندما قلت له :
  • أنا هاجى معاك اخطبها لك بس بشرط..
    أمها عاوزة دكتور .. تقدر تكون دكتور؟؟
    إتسعت عيناه الدامعتين …
  • أبقى دكتور إزاى ؟
    تيجى تخطبها لى بجد ؟
    إنت بتتكلم جد ؟ بتضحك عليا ؟
    وأهلها هايوافقوا ؟
    إنت بتضحك عليا ؟
    إندفع فى الكلام والتساؤل المتواصل بدون أن يتوقف وهو ذاهل غير مصدق
    أحسست به كطفل يتأرجح بين الأمل فى أن يتحقق حلمه المستحيل .. وخوفه من ضياعه
    طمأنته على وقوفى معه .. بشرط نجاحه بتفوق ودخوله كلية الطب
    إتفقنا سويا على خطة العمل
    كل يوم كان أحمد يخرج من دروسه إلى العيادة ..
    أذاكر معه وأشرح له ما أتقنه
    ويذاكر هو باقى المواد وهو معى فى العيادة شبه الخالية بعيدا عن ضوضاء منزله
    إستمرينا على هذا المنوال حتى نهاية الإمتحانات …
    حينها كنت قد إتخذت قرارا بترك عيادتى فى هذه القرية الطيبة ..
    فقد كنت قد بدأت دراستى للماجستير
    أخذت الدراسة كل وقتى .. وما عاد لدى وقت فائض للعيادة
    كنت أنتظر نتيجة إبنى بلهفة لم أحس ولا بجزء يسير منها يوم ظهور نتيجتى أنا فى الثانوية العامة
    وفى يوم نتيجة الثانوية أتى إلى أحمد فى منزل والدى بدمياط وهو يكاد يطير من الفرحة ..
    كان مجموعه أكثر من تسعين بالمائة
    وفى اليوم التالى لإلتحاقه بكلية الصيدلة ذهبت معه الى ام مرمر ووالدها لأخطبها له… وسطت كثيرين ممن أعرف من كبراء البلد للتوسط معى حتى قبل والداها
    لا أستطيع ان أصف فرحتى وأنا أراه يكاد يطير من السعادة وأنا أقرأ الفاتحة مع والدها
    عاش أحمد ومرمر قصة كفاح وحب تحاكى بها أهل القرية
    تزوجا وسافرا إلى الخليج …
    ثلاثون عاما أو تزيد مرت على هذه القصة
    وحتى الآن .. وفى كل أجازة له وهو قادم من الخليج … يأتى لزيارتى فى العيادة ومعه زوجته مرمر
    ويحضر معه ولديه الجميلين الذين كما يقول لى فى كل مرة أنه سماهما على إسم والديه الإثنين إسماعيل ومحمد

يتبع

تعليقات على فيسبوك