• ١٣ –
    جواز عبد الإله من فاطنة باطل كعادته كل يوم .. كان جالسا أمام دكانه على أول الطريق المؤدى إلى عيادتى ..
    واضعا الطاولة الخشبية المليئة بالسمك أمامه …
    وبيده علبة البيرسول التى لا تفارقه …
    يرش بها السمك ليقتل الذباب الواقف عليه
    وعبثا حاولت إقناعه و باءت محاولاتى بالفشل لإقناعه بأن هذه كيماويات تزداد سمية بنار الفرن ولا تتطهر بها كما يظن ويدعى أنه أنظف سماك فى مصر كلها
    هكذا نادانى محروس السماك … مشيرا إلى يده المتورمة من الضرب ..
  • شوفتنى يا دوك وانا بادى الحرامى بالفولة لما إيدى ورمت …
    وضربة الفولة كما كنا نسميها هى ضربة بقبضة اليد والاصبع الاوسط بارز و يتم الضرب به على الراس
  • شكرا ياسيدى .. نجاملك فى الأفراح
  • إنت طبعا هاتروح الفرح النهارده!!!
    لم أدر أى فرح يتحدث عنه … لكننى أومأت إليه برأسى منهيا المحادثة
    واصلت سيرى نحو العيادة وإنتبهت للصوت الحاد لميكروفون البلدة
  • فرح المعلم عبد الإله القشرجى … على ربة الصون والعفاف بنت المعلم طه الصياد
    دخلت العيادة فإذا بأم فوزى تدعونى لحضور فرح حفيدتها …
  • والنبى تجبر بخاطرنا وتيجى … أنا قلت لهم والله ماحدش هايشهد على كتب الكتاب غيرك
  • طبعا يا أم فوزى .. أنا هاجى لأعز منكم ؟
    لغيت عيادتى الأخرى بدمياط وذهبت مبكرا للفرح
    كان السرادق الكبير قائما وقد امتلأ بالمدعوين
    وبمدخل السرادق كان الكاتب جالسا و أمامه منضدة عليها دفتر و قد أخذ فى تسجيل الأسماء … واحدا تلو الآخر
    فى هذه البلدة أضخم وأسوأ نظام تكافل فى العالم
    فى كل مناسبة يجتمع أهل البلدة جميعا لدفع النقوط للعروسين ..
    وبهذا يتجمع لدى أهل العروس عشرات أو مئات الآلاف من الجنيهات فتنفعهم فى جهاز العروس … بل إن كثيرا منهم يتجمع له ما يبنى به عمارة كبيرة بهذا النقوط
    السيء فى الأمر .. أن كل مليم مدفوع يسجل فى دفتر عليه شهود ويصبح صاحب الفرح مدينا طوال حياته للبلدة كلها يسدد لكل واحد دينه عند فرح او طهور أولاده حتى ولو لم يكن عنده اولاد !!!
    هلل المذيع لمقدمى .. كما هلل لكل قادم
    أم فوزى سكرتيرتى خطفت منه الميكروفون لتحيتى تحية خاصة
    سجل الكاتب إسمى وأمامه المبلغ الذى دفعته رغم اعتراضى على التسجيل
    أجلسونى بجوار والد العروس وبجواره العريس الذى أسرع بالسلام على وحضنى وتقبيلى
    ضج الصوان بالزغاريد فقد وصل المأذون
    دخل الشيخ سطوحى المأذون وهو يتأبط دفترا كبيرا …
    كان قصير القامة عظيم الكرش .. يرتدى نظارة مستديرة سميكة تبدو عيناه كنقطتين وسط حلقات النظارة الكثيرة
    جلس الماذون وعلى يمينه العريس لامع الدقن مصففا شعره ربما للمرة الاولى فى حياته
    يجلس على يساره المعلم طه الصياد والد العروس اللى كنت أراه يوميا وأنا ذاهب لعيادتى مدليا صنارته فى الترعة مسندا ظهره على شجرة كبيرة .. ويغط فى نوم عميق
    أعطينا المأذون بطاقاتنا أنا والشاهد الاخر
    سجل بياناتنا ثم بدأ فى تسجيل بيانات العروس …
  • فاطنه طه عبد المولى … قرأها بصوت عال وانطلقت الزغاريد
  • بطاقتك يا عريس ..
    حاول طويلا ان يقرا الاسم .. يبعد البطاقة ويقربها من عينيه
    ثم وضعها وخلع نظارته السميكة يلمعها
  • بسم الله الرحمن الرحيم .. حاول القراءة ثانية بعد البسملة
    بعدها يبدو انه تأكد مما قرأه واخذ يقرأ الإسم بصوت عال…
  • عبد الاله جرجس اسطفانوس
    ذهلت عندما سمعت الإسم ونظرت حولى لأجد إبتسامة عريضة على وجه العريس و طه أبو العروس وأم فوزى جدة العروس التى ما أن سمعت إسم العريس حتى صاحت
  • زغرطوا يا بنات .. وانفجرت الزغاريد تدوى
    أحسست ساعتها ان الماذون سيغمى عليه
    صرخ بأعلى صوته
  • دا مسيحى !!!
  • يجرا إيه يعنى دا واد مستقيم وطيب
  • دا مسيحااااااي
  • والله دا أحسن من مسلمين كتير
  • يخرب بيتكم … دا مسيحااااااااى
  • إسمع بقى يا شيخ سلامة قالها فاعل خير … خلص لنا الموضوع وهانشوفك
  • أخلص ايه يا ولاد الكلب دا مسيحاااااي
    سمعت طه والد العروس يهمس لولده عبده الشهير بحناطة …
  • واد ياحناطة خد
    ثم مال على هامسا
  • معكش عشين جنيه ياضكتور وهارجعها لك بعد الفرح
    أعطيته العشرين جنيها متعجبا ماذا سيفعل بها الآن
  • والنبى ياضكتور كرمش له العشين جنيه دول فى إيده … حاكم دى حركات عارفينها كويس
  • كرمشهاله إنت !!
    قلتها لها مذبهلا … وهى حالة أظنها مابعد الذهول !!
    بالفعل كرمش الرجل العشين جنيها بيده وكأن الكرمشة شرط للرشوة
    رمى الشيخ سطوحى النقود فى وجهه وهم بالقيام .. ثم جلس بسرعة مكانه بعدما شهرت فى وجهه المطوة قرن الغزال الخاصة بحناطة .. أخو العروس والمجرم الشهير بالكفر
  • والله لو قمت لأشرحك …
    عايز تبوظ اللى عملناه ده كله وتخسرنا الفلوس دى كلها
    إنخفض صوت الشيخ سطوحى قليلا بفعل قرن الغزال وتهديد حناطة
  • ياجماعة والله ماينفع ..قالها المأذون مستعطفا
    إنبرى الأستاذ سعيد الخوجة – المدرس الخصوصى لكثير من أطفال القرية – إنبرى لمحاولة إقناع المأذون
  • صلى على النبى يا شيخ سطوحى
  • عليه الصلاة والسلام
  • بقى ديننا بيقول الدين لله والوطن للجميع …
  • دى أمك اللى بتقول كده .. قالها المأذون وقد علا صوته ثانية
  • ربنا يسامحك … برضه الحديث الشريف بيقول يابخت من وفق راسين فى الحلال
  • هاتألف يابن الكلب … حديث إيه ده
    هجم عليه الأساذ سعيد الخوجه ليرد له السباب ضربا
  • بس بقى انت وهو ياوله منك له ..
    قالتها الحاجة ام فوزى جدة العروسة وسكرتيرتى فى العيادة …صارخة بأعلى صوتها فى الميكروفون لتسكت الجميع
  • اللى ها يقول عليه الدكتور محما ( عمرها ما نطقت الدال) هو اللى ها يمشى ..
    صمت الجميع ينتظر رأيى .. حتى المأذون نظر إلى يائسا .. فقد كنت فيما يبدو أمله الوحيد للخروج من هذا العبث
    أعطت أم فوزى ظهرها للمأذون وأخذت تغمز لى …….
    أخذت يد المأذون لأوقفه وأخذته فى يدى
    خارجين من السرادق وقلت لها
  • جواز اسطفانوس من فاطمة باطل يا ام فوزى …. بااااطل

يتبع

تعليقات على فيسبوك