د. رفقة المناكري هي كاتبة وروائية تونسية حاصلة على دكتوراه في الصيدلة و صدرت روايتها الأولى أكفان بلا جيوب في 2019 عن دار إنسان للنشر والتوزيع كما كتبت ونشرت العشرات من قصص الأطفال .
النص من كتاب (حكايات إنسان ) الجماعي الصادر 2019 .

تناوب – د. رفقة المناكري

إنها الليلة الثالثة التي أعجز فيها عن إغماض جفني واليوم الثاني الذي لم أستطع فيه ابتلاع لقيمة. أصبحت أخاف من ظلام الغرفة ومن الهواء البارد الذي ينجح في التسلل من شقوق النافذة. أضحيت أرى الأخيلة التي كانت تراودني قديما بالقرب من الساعة الجدارية وأسمع صياحا قادما من الدهليز، أصوات القرقعات في غرفة المعيشة تزداد وضوحا وشعيرات يديّ نافرة باستمرار وأنا لازلت أقنع نفسي أنني أحلم وأنّني لم أستيقظ بعد لاستقبال ابني العائد من سفره الطويل. نجحت في إخراج يدي من تحت الغطاء الثقيل لكنني عجزت عن إيصالها إلى وجهي. وقفتْ في مكان ما بينهما وانتابتها موجةٌ  من التشنّجات الكفيلة بجعلي أنتفض بالكامل وأتأرْجح كريشةٍ. ارتطمتُ في ٱخر المطاف بالأرضية وسلّمت يدي لا شعوريا للذِّراع السّوداء التي امتدت لترفعني معاتبة. لا زال الخيال القابع قبالتي يقول أنني أتصرف كطفلةٍ ولازلتُ أعتقد أنني أخاف الأخيلة وأنّ ابني سيأتي ليخلِّصني منها. ناولتني نفس الذّراع بعض الكبْسولاتِ فلفظْتُها، فدسَّتْها بين أسناني وأجبرتني على ابتلاعها. شيئا فشيئا أصبحت أسمع صوت دنْدناتٍ لطيفةٍ عند رأْسي وأرى مجموعةً من الرضُّع يَحْبون حوْلي فأخذتُ أبتسم وأناديهم لفراشي لكن يبدو جليّا أنهم لا يلتقطون صوتي. حاولت أن أرفع الغطاء الذي يزيد ثقلا مع وهن عضلاتي وضمورها فتعيدني الذِّراع الحديديَّةُ إلى وضعي. فكّرْت في التوسُّل إلى الشّبح بوضع أحد الرضع بين ذراعي لكنّني تذكّرت أنّني غاضبةٌ منه وأنّني قاطعته منذُ مجيئي إلى هذا البيتِ خاصةً وأنّني أعْتقد أنّه هو الذي يمنع ابني في الوصول إلى سجني. تظاهرت بالغضب لوهلة فاختفى الأطفال دفعة واحدة وتصاعدت الأصوات المزدحمة في الأسفل. إنّه قرع الطبول الذي كنت قديمًا أرقص على أنْغامه النّاشزة وها أنا أتماسك كي لا تعاودني الرِّعْدة التي تجعلني في قلْب الحلبةِ بلا حوْل مني ولا قوة. إنّي أتماسك، أشدُّ جسمي النّحيلِ جدًّا تحت الغطاء الذي غدَا خفيفا ليِّنا. إنّي أتماسك، أتذكّر ابني الذي هجرني بسبب رقصي في الشّوارع كلّما سمعتُ قرْع الطّبول. إنّى أتماسك، أتذكر زوجي الذي هجرني بعد أن عجزْتُ عن إقناعه بأنّ للطّبول قرعٌ جميل داخل رأسي. إنّى أتماسك، أتذكّر أمّي التي ماتت كمدًا وأبي الشيخ الذي يبكيني واضعًا رأسه بين كفّيه. إنّي أتماسك، أرى طفلي قادمًا على صهوة جوادٍ نبيلٍ يسألني المكوث في سريري. أنا أوشك على التّماسك لكنّني أطير في هذه الَّلحظة. سماء الغرفة رحبٌ جدّا كأنّ سقفها قد تلاشى وابني يكاد يبلغني. أنا أطير رغم أنّني لازلت ممسكة بسريري ورغم نزْف أصابعي من أثرِ عضِّ الأشباحِ لها.

إنّي أطير عاليا وأخالني قد عبرت بعض الغيمات. نظرت إلى الأسفل فلم أبصر غير قطرات الدّم التي سالت من أصابعي. إنّي أرى لونها يستحيل سوادا قاتما وأخذ الدّوار يلفّني وأضحت الغرفة حلزونا كبيرا يكاد يبتلعني ثمّ تهاويت. كان الارتطام قويّا هذه المرّة لدرجة اعتقدت معها أنّني اخترقت الأرضيّة إلى ما تحتها وخفت أن أجد نفسي وسط الدّهليز بين الطّبول الكثيرة التي ما انفكّت تصدح. أغمضت عينيّ. لقد كنت خائفة فعلا وتظاهرت بالنّوم لكنّني لم أفلح على الرّغم من حالة الإرهاق التي كنت عليها. كنت أنتظر أن تمتدّ الأيدي لتحملني أو تجبرني على الرّقص، لكن لم يحصل شيء من هذا ثم غبت عن الوعي لوقت لا أستطيع تقديره. لم يكن نوما، هو أقرب إلى النّقاهة منه إلى النّوم المختلط بالأحلام والكوابيس التي ما فارقتني طيلة خمس وعشرين سنة. إنّه الغياب الشامل عن الوعي وعن الكوابيس وعن الأشباح.

بعد زمنٍ أفقت، فما استطعت أن أرفع جسمي. كان نصفي الملتصق بالأرضيّة أزرق يميل إلى اللون الرّماديّ، ذاك كان أول ما لحظته وأنا أدور ببصرى حولي. سريري في مكانه مع اعوجاج في قامتيه الأماميتين ممّا جعله يبدو مائلا. غرفتي لا تبدو على ما يرام كأنّ زوبعةً نشأت داخلها، ثمّ لا شيء آخر غير أنّني لحظتُ أنّ السّاعة الجداريّة واقعة على الأرض منكفئة بحيث لا يمكنني مشاهدة عقاربها. يقول توسّط الشّمس كبد السّماء من خلال النافذة المشرّعة أنّه وقت الظّهيرة لكنّي لا أعلم إن كان الفصل شتاءًا أم أنّ الرّبيع قد حلّ. الباب مغلق بمزلاج من الخارج و لا أدري إن كان ابني قد قدم و طرق الباب دون أن أسمعه أو أنّه لا يزال في طريقه إليّ، ودعوت الله أن يحقّق رجائي في أنّه لم يصل بعدُ. فكّرت في النّهوض وترتيب الغرفة قبل مجيئه لكنّني عجزت عن الوقوف، فاستلقيت مجدّدا وأنا أتأوّه وأحاول تذكّر ما حلّ بي. ألقيت نظرة سريعة علي يديّ فإذا جراحهما قد تعفّنت. أخذت أصيح بأعلى صوتي على أمل أن يأتي أحد لنجدتي حتّى بُحّ صوتي ولم أسمع في الخارج ما يدلّ على أنّ المكان مأهول، وأحسست بألم شديد في بطني وإنّي لأظنّه الجوع يمزّق أحشائي ويقتات على أمعائي الخاوية

عاودتني نوبة فقدان الوعي لكن هذه المرّة، كنت أرى مليًّا وجه ابني بتقاسيمه المعهودة، شاب عشرينيّ وسيم، طويل القامة، حسن الهندام بنفس تفاصيل وجهي، تعلو ثغره ابتسامة صافية ويبدو الذّكاء وميضا في عينيه. كان يطمئنني إلى قدومه لإنقاذي من براثن الفراغ المميت، وكنت أفتح ذراعيّ على مصراعيهما لاحتضانه. تتالت كرّاتي ولم أحصل على مرادي وكلّما اقتربت منه استحال ضبابا باردا تتجمّد له أطرافي قبل الإمساك به، ثمّ أخذ يتراجع إلى الوراء لتحلّ أمامه مائدة ضمّت ما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات وأشار لأجلس وأشاركه طعامه، فجلست وطعمت وارتويت وما وضع لقمة في فمه بل اكتفى بعقد يديه تحت ذقنه وظلّ يراقبني إلى أن تجشّأت وحمدت الله فاختفى من أمامي وسط ذهولي. ألقيت بنفسي في مقعده ظنّا منّي أنّني سأمسك بتلابيبه فارتطم رأسي بالمقعد الصّلب وأفقت على الفور من كابوسي. كنت لازلت على هيأتي الأولى، ملقاة كخرقة وسط الغرفة لكنّني كنت أحسّ بتخمة غريبة وبرغبة جامحة في الذهاب إلى الحمّام فزحفت على بطني وأنا أتأوّه من كدماتي

عندما وصلت الباب، أصختُ سمعي فإذا بوابل من الأصوات تنشق من العدم وتتضح رويدا رويدا تصاحبها خطوات خبرتها، منها الوئيدة ومنها الثقيلة والحادة. كانت تقترب بسرعة لم أستطع معها العودة إلى سريري. عندما فُتحَ الباب كنت ملقاة أمامه مباشرة وكادت الأرجل ترفسني لولا أنّني سمعت صيحةً منبِّهةً. إنّها الأشباح البيضاء هذه المرّة. إنّها لا تخيفني، لكنّها تزعجني و تجبرني على البقاء في غرفتي و تهدّدني بالتقييد في سلاسل حديدية لو حاولت الخروج من بيتي. شبح أبيض كان يعاملني بلطف بالغ ويجلس قربي لساعات يحدّثني لكنّني لم أعد أراه. لقد وعدني آخر مرّة أن يجدّ في البحث عن طفلي، ربّما غادر البيت ليجيء به. سأنتظرهما وفي المقابل لن أقول كلمة واحدة للأشباح البيضاء الأخرى التي تدور حولي كأفلاك تائهة تريد استجوابي. ما شأن الجميع بي؟ من سمح لهم أن يسألوا وأن يصبّوا سائلا حارقا في وريدي المتعفّن؟

رفعني الشبح الضخم وألقاني على حشيّتي. غرز في عضدي إبرة ودوّن شيئا في حاملة أوراقه الزّرقاء. دارت حولي بقيّة الأشباح، فأخرجت لساني وأصدرتُ أصواتا شبيهة بالعواء وانقضضت على يد وضعها صاحبها فوق جبيني، فتراجع الشبح وقهقهتُ ودوّن الضّخم شيئا آخر. رفعت رأسي أريد أن أعبث بحاملة الأوراق الزرقاء فنطّ الضخم إلى الوراء وأمر بتقييدي. هببتُ من فوري وأخذتُ أقفز فوق الحشيّة وأحسست أنّني أطير، أتجاوز الأزمنة، أخترق الجدران وأتعلّق بتلابيب نجمة نحاسيّة بيْد أنّ قوّة ما جذبتني إلى الأسفلِ حتّى كادت أوصالي تتقطّع وخفت أن أكون قد قسمت نصفين فلا يجدني ابني كاملة ويتعذّر عليّ احتضانه.

نجحت الأيدي الكثيرة في شدّي إلى حشيّتي وكنت أرفع رأسي مقاومةً حتّى خارت قواي بالكامل واستسلمتُ. في الأثناء كانت بعض الأشباح السوداء تدخل الغرفة وتخرج، تارة تحمل غرضا وطورًا تلقي التّحيّة وتمضي دون أن تنتظر ردّي وكان واضحا أن الأشباح البيضاء لم تكن تراها، بل رأيتها غير مرّة تدوسها وتمرّ خلالها.

اقترب من أذني شبح أسود وهمس:

 لديك زيارة.

قلت:

زيارة؟

دوّن الضّخم أمرًا.

شيخ أدرد، تخونه الخطى وتقف الكلمات على طرف لسانه.

أبي!

تفحّصني الأبيض الضّخم ودوّن في حاملة أوراقه.

معه مرافق.

من يرافقه؟ ابني؟!

شيخ معمّم، يتوكّأ على عكّاز قصير.

عاد أبي يستجدي شيوخه!

لم تفت الضخم فرصة التّدوين.

صمّي اذنيك عندما يشرع في التّلاوة. لا تقسي على نفسك.

غمزني الشبح الأسود وغادر.

حدّق بوجهي الشبح الأبيض وزوي بين حاجبيه.

انفرج الباب عن جسدين متهالكين يتوكّأ أحدهما على الآخر. أمّا أبي فقد عرفته رغم أن الشيخوحة قد عبثت به إلى درجة الإفراط وأمّا الآخر فلم أشأ النّظر إليه. التفت الضّخم عند سماعه الخطى؛ حدّق في الجسدين المتهاديين ثمّ عاد لتمسح نظراته كامل وجهي وما انفكّ يراوح بيننا حتّى خرَّ وتهاوى وسط الغرفة.

إنها الليلة الثالثة التي أعجز فيها عن إغماض جفني واليوم الثاني الذي لم أستطع فيه ابتلاع لقيمة. أصبحت أخاف من ظلام الغرفة ومن الهواء البارد الذي ينجح في التسلل من شقوق النافذة. أضحيت أرى الأخيلة التي كانت تراودني قديما بالقرب من الساعة الجدارية وأسمع صياحا قادما من الدهليز، أصوات القرقعات في غرفة المعيشة تزداد وضوحا وشعيرات يديّ نافرة باستمرار وأنا لازلت أقنع نفسي أنني أحلم وأنّني لم أستيقظ بعد لاستقبال ابني العائد من سفره الطويل. نجحت في إخراج يدي من تحت الغطاء الثقيل لكنني عجزت عن إيصالها إلى وجهي. وقفتْ في مكان ما بينهما وانتابتها موجةٌ  من التشنّجات الكفيلة بجعلي أنتفض بالكامل وأتأرْجح كريشةٍ. ارتطمتُ في ٱخر المطاف بالأرضية وسلّمت يدي لا شعوريا للذِّراع السّوداء التي امتدت لترفعني معاتبة. لا زال الخيال القابع قبالتي يقول أنني أتصرف كطفلةٍ ولازلتُ أعتقد أنني أخاف الأخيلة وأنّ ابني سيأتي ليخلِّصني منها. ناولتني نفس الذّراع بعض الكبْسولاتِ فلفظْتُها، فدسَّتْها بين أسناني وأجبرتني على ابتلاعها. شيئا فشيئا أصبحت أسمع صوت دنْدناتٍ لطيفةٍ عند رأْسي وأرى مجموعةً من الرضُّع يَحْبون حوْلي فأخذتُ أبتسم وأناديهم لفراشي لكن يبدو جليّا أنهم لا يلتقطون صوتي. حاولت أن أرفع الغطاء الذي يزيد ثقلا مع وهن عضلاتي وضمورها فتعيدني الذِّراع الحديديَّةُ إلى وضعي. فكّرْت في التوسُّل إلى الشّبح بوضع أحد الرضع بين ذراعي لكنّني تذكّرت أنّني غاضبةٌ منه وأنّني قاطعته منذُ مجيئي إلى هذا البيتِ خاصةً وأنّني أعْتقد أنّه هو الذي يمنع ابني في الوصول إلى سجني. تظاهرت بالغضب لوهلة فاختفى الأطفال دفعة واحدة وتصاعدت الأصوات المزدحمة في الأسفل. إنّه قرع الطبول الذي كنت قديمًا أرقص على أنْغامه النّاشزة وها أنا أتماسك كي لا تعاودني الرِّعْدة التي تجعلني في قلْب الحلبةِ بلا حوْل مني ولا قوة. إنّي أتماسك، أشدُّ جسمي النّحيلِ جدًّا تحت الغطاء الذي غدَا خفيفا ليِّنا. إنّي أتماسك، أتذكّر ابني الذي هجرني بسبب رقصي في الشّوارع كلّما سمعتُ قرْع الطّبول. إنّى أتماسك، أتذكر زوجي الذي هجرني بعد أن عجزْتُ عن إقناعه بأنّ للطّبول قرعٌ جميل داخل رأسي. إنّى أتماسك، أتذكّر أمّي التي ماتت كمدًا وأبي الشيخ الذي يبكيني واضعًا رأسه بين كفّيه. إنّي أتماسك، أرى طفلي قادمًا على صهوة جوادٍ نبيلٍ يسألني المكوث في سريري. أنا أوشك على التّماسك لكنّني أطير في هذه الَّلحظة. سماء الغرفة رحبٌ جدّا كأنّ سقفها قد تلاشى وابني يكاد يبلغني. أنا أطير رغم أنّني لازلت ممسكة بسريري ورغم نزْف أصابعي من أثرِ عضِّ الأشباحِ لها.

إنّي أطير عاليا وأخالني قد عبرت بعض الغيمات. نظرت إلى الأسفل فلم أبصر غير قطرات الدّم التي سالت من أصابعي. إنّي أرى لونها يستحيل سوادا قاتما وأخذ الدّوار يلفّني وأضحت الغرفة حلزونا كبيرا يكاد يبتلعني ثمّ تهاويت. كان الارتطام قويّا هذه المرّة لدرجة اعتقدت معها أنّني اخترقت الأرضيّة إلى ما تحتها وخفت أن أجد نفسي وسط الدّهليز بين الطّبول الكثيرة التي ما انفكّت تصدح. أغمضت عينيّ. لقد كنت خائفة فعلا وتظاهرت بالنّوم لكنّني لم أفلح على الرّغم من حالة الإرهاق التي كنت عليها. كنت أنتظر أن تمتدّ الأيدي لتحملني أو تجبرني على الرّقص، لكن لم يحصل شيء من هذا ثم غبت عن الوعي لوقت لا أستطيع تقديره. لم يكن نوما، هو أقرب إلى النّقاهة منه إلى النّوم المختلط بالأحلام والكوابيس التي ما فارقتني طيلة خمس وعشرين سنة. إنّه الغياب الشامل عن الوعي وعن الكوابيس وعن الأشباح.

بعد زمنٍ أفقت، فما استطعت أن أرفع جسمي. كان نصفي الملتصق بالأرضيّة أزرق يميل إلى اللون الرّماديّ، ذاك كان أول ما لحظته وأنا أدور ببصرى حولي. سريري في مكانه مع اعوجاج في قامتيه الأماميتين ممّا جعله يبدو مائلا. غرفتي لا تبدو على ما يرام كأنّ زوبعةً نشأت داخلها، ثمّ لا شيء آخر غير أنّني لحظتُ أنّ السّاعة الجداريّة واقعة على الأرض منكفئة بحيث لا يمكنني مشاهدة عقاربها. يقول توسّط الشّمس كبد السّماء من خلال النافذة المشرّعة أنّه وقت الظّهيرة لكنّي لا أعلم إن كان الفصل شتاءًا أم أنّ الرّبيع قد حلّ. الباب مغلق بمزلاج من الخارج و لا أدري إن كان ابني قد قدم و طرق الباب دون أن أسمعه أو أنّه لا يزال في طريقه إليّ، ودعوت الله أن يحقّق رجائي في أنّه لم يصل بعدُ. فكّرت في النّهوض وترتيب الغرفة قبل مجيئه لكنّني عجزت عن الوقوف، فاستلقيت مجدّدا وأنا أتأوّه وأحاول تذكّر ما حلّ بي. ألقيت نظرة سريعة علي يديّ فإذا جراحهما قد تعفّنت. أخذت أصيح بأعلى صوتي على أمل أن يأتي أحد لنجدتي حتّى بُحّ صوتي ولم أسمع في الخارج ما يدلّ على أنّ المكان مأهول، وأحسست بألم شديد في بطني وإنّي لأظنّه الجوع يمزّق أحشائي ويقتات على أمعائي الخاوية

عاودتني نوبة فقدان الوعي لكن هذه المرّة، كنت أرى مليًّا وجه ابني بتقاسيمه المعهودة، شاب عشرينيّ وسيم، طويل القامة، حسن الهندام بنفس تفاصيل وجهي، تعلو ثغره ابتسامة صافية ويبدو الذّكاء وميضا في عينيه. كان يطمئنني إلى قدومه لإنقاذي من براثن الفراغ المميت، وكنت أفتح ذراعيّ على مصراعيهما لاحتضانه. تتالت كرّاتي ولم أحصل على مرادي وكلّما اقتربت منه استحال ضبابا باردا تتجمّد له أطرافي قبل الإمساك به، ثمّ أخذ يتراجع إلى الوراء لتحلّ أمامه مائدة ضمّت ما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات وأشار لأجلس وأشاركه طعامه، فجلست وطعمت وارتويت وما وضع لقمة في فمه بل اكتفى بعقد يديه تحت ذقنه وظلّ يراقبني إلى أن تجشّأت وحمدت الله فاختفى من أمامي وسط ذهولي. ألقيت بنفسي في مقعده ظنّا منّي أنّني سأمسك بتلابيبه فارتطم رأسي بالمقعد الصّلب وأفقت على الفور من كابوسي. كنت لازلت على هيأتي الأولى، ملقاة كخرقة وسط الغرفة لكنّني كنت أحسّ بتخمة غريبة وبرغبة جامحة في الذهاب إلى الحمّام فزحفت على بطني وأنا أتأوّه من كدماتي

عندما وصلت الباب، أصختُ سمعي فإذا بوابل من الأصوات تنشق من العدم وتتضح رويدا رويدا تصاحبها خطوات خبرتها، منها الوئيدة ومنها الثقيلة والحادة. كانت تقترب بسرعة لم أستطع معها العودة إلى سريري. عندما فُتحَ الباب كنت ملقاة أمامه مباشرة وكادت الأرجل ترفسني لولا أنّني سمعت صيحةً منبِّهةً. إنّها الأشباح البيضاء هذه المرّة. إنّها لا تخيفني، لكنّها تزعجني و تجبرني على البقاء في غرفتي و تهدّدني بالتقييد في سلاسل حديدية لو حاولت الخروج من بيتي. شبح أبيض كان يعاملني بلطف بالغ ويجلس قربي لساعات يحدّثني لكنّني لم أعد أراه. لقد وعدني آخر مرّة أن يجدّ في البحث عن طفلي، ربّما غادر البيت ليجيء به. سأنتظرهما وفي المقابل لن أقول كلمة واحدة للأشباح البيضاء الأخرى التي تدور حولي كأفلاك تائهة تريد استجوابي. ما شأن الجميع بي؟ من سمح لهم أن يسألوا وأن يصبّوا سائلا حارقا في وريدي المتعفّن؟

رفعني الشبح الضخم وألقاني على حشيّتي. غرز في عضدي إبرة ودوّن شيئا في حاملة أوراقه الزّرقاء. دارت حولي بقيّة الأشباح، فأخرجت لساني وأصدرتُ أصواتا شبيهة بالعواء وانقضضت على يد وضعها صاحبها فوق جبيني، فتراجع الشبح وقهقهتُ ودوّن الضّخم شيئا آخر. رفعت رأسي أريد أن أعبث بحاملة الأوراق الزرقاء فنطّ الضخم إلى الوراء وأمر بتقييدي. هببتُ من فوري وأخذتُ أقفز فوق الحشيّة وأحسست أنّني أطير، أتجاوز الأزمنة، أخترق الجدران وأتعلّق بتلابيب نجمة نحاسيّة بيْد أنّ قوّة ما جذبتني إلى الأسفلِ حتّى كادت أوصالي تتقطّع وخفت أن أكون قد قسمت نصفين فلا يجدني ابني كاملة ويتعذّر عليّ احتضانه.

نجحت الأيدي الكثيرة في شدّي إلى حشيّتي وكنت أرفع رأسي مقاومةً حتّى خارت قواي بالكامل واستسلمتُ. في الأثناء كانت بعض الأشباح السوداء تدخل الغرفة وتخرج، تارة تحمل غرضا وطورًا تلقي التّحيّة وتمضي دون أن تنتظر ردّي وكان واضحا أن الأشباح البيضاء لم تكن تراها، بل رأيتها غير مرّة تدوسها وتمرّ خلالها.

اقترب من أذني شبح أسود وهمس:

 لديك زيارة.

قلت:

زيارة؟

دوّن الضّخم أمرًا.

شيخ أدرد، تخونه الخطى وتقف الكلمات على طرف لسانه.

أبي!

تفحّصني الأبيض الضّخم ودوّن في حاملة أوراقه.

معه مرافق.

من يرافقه؟ ابني؟!

شيخ معمّم، يتوكّأ على عكّاز قصير.

عاد أبي يستجدي شيوخه!

لم تفت الضخم فرصة التّدوين.

صمّي اذنيك عندما يشرع في التّلاوة. لا تقسي على نفسك.

غمزني الشبح الأسود وغادر.

حدّق بوجهي الشبح الأبيض وزوي بين حاجبيه.

انفرج الباب عن جسدين متهالكين يتوكّأ أحدهما على الآخر. أمّا أبي فقد عرفته رغم أن الشيخوحة قد عبثت به إلى درجة الإفراط وأمّا الآخر فلم أشأ النّظر إليه. التفت الضّخم عند سماعه الخطى؛ حدّق في الجسدين المتهاديين ثمّ عاد لتمسح نظراته كامل وجهي وما انفكّ يراوح بيننا حتّى خرَّ وتهاوى وسط الغرفة.

انفرج الباب عن جسدين متهالكين يتوكّأ أحدهما على الآخر. أمّا أبي فقد عرفته رغم أن الشيخوحة قد عبثت به إلى درجة الإفراط وأمّا الآخر فلم أشأ النّظر إليه. التفت الضّخم عند سماعه الخطى؛ حدّق في الجسدين المتهاديين ثمّ عاد لتمسح نظراته كامل وجهي وما انفكّ يراوح بيننا حتّى خرَّ وتهاوى وسط الغرفة.

تعليقات على فيسبوك