المصطلحاتُ المسرحية في الموروث الثقافي العربي

ضياء الجنابي
كاتب عراقي مقيم في بلجيكا*

مما لاشك فيه إن ضبط المفردات والمصطلحات في جميع مجالات المعرفة الإنسانية أمر لا مندوحة عنه، ذلك كون المعرفة تبدأ بالمفردات، والمفردات تقودنا إلى المفاهيم، لذا من الضروري بمكان الاعتناء بمصطلحات المسرح باعتباره أحد الطرق المعرفية المهمة وأبو الفنون بلا منازع، وفي الوقت ذاته كونه علم له قاموسه الخاص الغني بالمسميات والمصطلحات، كسائر العلوم الأخرى، ومن المعلوم أن مصطلحات المسرح العربي بعضها ذات جذر عربي والبعض الآخر وافدة من ثقافات أخرى خضعت لأساليب التعريب والنحت وفق السياقات المرعية.

المصطلحات المسرحية العربية أو المعربة مرت بأطوار عديدة وأدوار استحالة متعاقبة إلى أن استقرت بها الحال على ما هي عليه اليوم، والسبب أن الرؤية الفنية كانت مضبّبة أمام أعين معظم المؤلفين في عصر الركود الحضاري أو ما يصطلح عليه بالقرون الوسطى، بحيث اضطربت لديهم المصطلحات وارتبكت مفاهيمها، على سبيل المثال أن نصوص التمثيليات التي تم عرضها أمام الجمهور في القرن الثالث عشر الميلادي بعد تبلورها على يد محمد ابن دانيال الموصلي رائد مسرح خيال الظل في التاريخ العربي، أطلق عليها كُتّاب العصر الوسيط تسميات عديدة من قبيل (بابة) وبعضهم استخدم مصطلح (حكاية) وبعضهم سماها (لعبة) وبعضهم أسموها (خيال) نسبة لارتباطها بمسرح خيال الظل.
الأمر ذاته بالنسبة للممثلين فقد أطلق عليهم مصطلحات غريبة مثل (المخنث) وهو مصطلح محمل بمعاني الإهانة، وكذلك (اللاعب) و(المحاكي) أو (الحاكية) و(المخايل)، والمصطلحات الثلاث الأخيرة تشي بقدر معين بدور الممثل، لأنها تومئ إلى حركته التعبيرية بملاعبة الدمى في مسرح خيال الظل، أي أنه تمثيل بشكل غير مباشر، ويشترط بالمخايل امتلاكه القدرة على الأداء الصوتى كذلك، ليتمكن من أداء أصوات الشخوص عند تحريكها، وهذا يحتم عليه تلوين صوته بما يتماشى مع المواقف التي تتعرض لها شخوص العرض، وقد يلجأ أحياناً إلى تجسيد أصوات بعض الحيوانات، إضافة إلى تأدية الأغاني.

وقد سمى بعض كُتّاب عصر الركود الحضاري الممثل بـ (البهلوان) وبعضهم أسموه (الصفعان) والصفعان هو الرجل الضعيف الهمة، كالمتسول الذي ينتظر ما تجود به الناس عليه مقابل ما يقدمه لهم من خدمات غالباً ما تكون ممتعة، ويقدم لنا عبد القادر البغدادي في كتابه الموسوم “خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب” وصفاً آخراً للصفعان بقوله: (الصفعان، وهو من يمكن من صفع قفاه ليأخذ شيئاً. ولا يرتضي هذا لنفسه إلا من هو في غاية المهانة والدناءة)، كما وشاع مصطلح (المهرج) لتوصيف الممثل، وكذلك (المساخر) و (المضحك) وبعضهم أسموه (الخلبوص)، والخلبوص هو مهرج يقوم بأوضاع وحركات فاحشة غير لائقة في الغالب، ويحاول مجارات حركات الرقاصات والغوازي، أما مصطلح (المُحَبَّظ) الذي استخدمه لأول مرة محمد بن دانيال الموصلي في حوار الأمير وصال، وهو أحد شخوص بابته (طيف الخيال)، إذ يقول: “أنا مُحَبَّظ الشيطان، أنا ملاكم الحيطان”، وهذا المقطع شكّل حداً فاصلاً في المصطلحات المسرحية.

بات بعد ذلك تداول مصطلح (المُحَبَّظ) مألوفاً في نعت الممثل، وقد وُصف به الممثلون الذين قدموا عرضاً مسرحياً في حفل زفاف إسماعيل باشا الذي أقيم عام 1813 ميلادية في القاهرة، كما جاء في معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي أن (المحبظ أو الحبيظي هو الحاوي الذي يلعب ألعاباً سحرية بالخفة أيام السهرات وفي الأعياد)، وهذا المصطلح يؤشر لنا انعطافة مهمة في تاريخ المصطلحات المسرحية، لأنه يختص بالممثل الحقيقي في المسرح البشري إذا جازت التسمية، أي أنه الفنان الذي يواجه الجمهور مباشرة بلحمه ودمه بدون ستار فاصل، ويمكننا الاستشهاد بوصف المؤرخ محمد بن أحمد بن إياس الحنفي الذي ورد في كتابه الموسوم “بدائع الزهور فى وقائع الدهور” لـ (لاعب) خيال الظل للتمييز بينه وبين الـ (مُحَبَّظ) كمصطلح يخص الممثل البشري، إذ يميز الحنفي لاعب خيال الظل بأنه يأتي بعدته (كالشاشة أو الستارة والفانوس والشخوص الظليّة وصندوقين لوضع الشخوص مرتبة حسب ظهورها على الشاشة في صندوق اليمين وهو الذين يرمز إلى رحم حواء وبعد انتهاء دورها يضعها اللاعب في صندوق اليسار الذي يرمز إلى القبر)، وقد وصف المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين أحد التمثيليات التي قام بها الـ (مُحَبَّظون) المصريون أمام محمد علي الخديوي، بأنها تماهي المسرح الأوروبي وتسايره من خلال طبيعة الحوار الدرامي واعتماد الديكور والملابس التي تناسب أجواء التمثيلية.

لم تكن عروض التمثيليات (المسرحيات) مقتصرة على أروقة القصور المنيفة للحكام في مصر، بل نزلت إلى الناس البسطاء في الحواري الشعبية أيضاً، وقد أشار كل من المستشرق يعقوب لاندو في كتابه (المسرح الشعبي العربي في القاهرة عام 1909) والمستشرق فويديش في كتابه (أحمد الفار وفرقته) إلى أن الممثل الشعبي أحمد الفار الذي يلقب بـ (ابن رابية) كان رئيساً لجوق من الممثلين يرتدون الملابس الشعبية ويؤدون التمثيليات، التي كانت تستهوي السواح الأوروبيين في تلك الفترة فيكتبون عنها، وهذا يدلل على استمرار مسرحيات ابن رابية وجوقته من الممثلين الـ (مُحَبَّظِين) حتى مطلع القرن العشرين، وبعدها ترسخ وجود المسرح الذي يعتمد على الأساليب الأوروبية مقابل تقهقر المسرح الشعبي العربي بأساليبه القديمة بانحساره على عروضه الرتيبة في الريف المصري والسوري، وقد استمر بالتراجع التدريجي حتى تلاشى من الواقع.

يتوضح لنا مما سبق أن مؤرخي العصر الوسيط قد اختلفوا في تحديد تسميات ضابطة للمصطلحات المسرحية كالنص والممثل ناهيك طبيعة المعاني المتدنية لمعظم المصطلحات المتداولة آنذاك، وإن هذا الاختلاف والتداخل في المصطلحات الخاصة بالمسرح العربي مع هبوط معانيها أدى إلى تشكيك بعض الباحثين في وجود الفن المسرحي عند العرب، فضلاً عن رسوخه، والمشكلة الأهم هي ندرة محاولات الباحثين الجادة في التحقيق بهذه المصطلحات التي شاعت في القرون التي سبقت عصر النهضة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
diya.aljanabi@yahoo.com *

  • * *
تعليقات على فيسبوك