إنها من وقعت عيناه عليها – لأول مرة – بالمركز التجارى ” الهايبر” ، هى غير عادية بكل شىء ، ولو أنه يعجز أحيانا عن تمييز الأختلافات بينها وبين سائر الفتيات ، لكنها حقا مضيئة كقطعة الألماس النفيسة .
كانت ” مى ” من الوجوه المعتادة للمجىء بالمركز التجارى ، حيث يعمل كاشيرا ، وكانت كلما تجولت هنا وهناك ، لم تكن عيناه تتوقف عن متابعتها بلهف وجنون ، وذات مرة تقدم أحد أفراد الأمن بإتجاهها بشكل عنيف صارخا : ماذا تفعلين ؟ ثم ينادى : يا محمد ، يا سلامه ، فيهرول إليه نفرين من زملاءه يحاصرونها ، ويتدخل أسامه بعد أن فزعه المشهد ، خالقا بعقله الظنون والتسائلات ، صاح العم حميد : إنها السارقة يا أستاذ أسامه ، أنظر ألى ملابسها ، مظهرها وأناقتها ،ماذا تركت للمحتاجين والفقراء ، إنفجرت بالبكاء قائلة : ماذا تقول يا رجل ؟ هل أصابك الجنون ؟
قال : ولا تخجلين من فعلتك المشينه ، قاطعه أسامه : أتركها يا عم حميد ، شكرا لك دع الأمر لى ، مقتربا منها كما لو أنه يريد أن يشملها بمجاله و عطفه ، أشاح الرجل قائلا : لا يصح هذا مع أمثالها ، إذا أردت الأستشهاد بكاميرات المراقبة ، فلا مانع
يحتد قائلا : أترك الأمر لى ، شكرا لك ، وعاد برفقتها إلى محله وهو يطمأنها قائلا : لم يحدث شيئا ، سيصير الأمر على ما يرام ، يحدث أحيانا أن نسهو ونضع بعض من المشتريات فى حقائبنا الخاصة ، لاحظ أنها لم تتوقف عن النظر إليه برهف وإمتنان ، كانت تشع بريقا من الرقة والأنوثة حتى فى بكائها ، بينما تلتفت يمينا وشمالا بوجه مكفهر ، أعطى لها شيك دفع حساب المشتريات قائلا: فقط ألفى جنيه ، أخرجت من حقيبتها بطاقة الإتمان البنكى بيد مرتعشة وأعصاب منهاره ، ثم مضت وعقله لا يكف عن طرح التسائلات ، أما عن قلبه فقد أصيب بسهمها النافذ دون مقاومة منه .
ومضى يومان حاول فيهما أن يتجاوز الموقف العابر ، متناسيا بريقها الآخاذ ، الذى رمى به إلى الخازنة العاطفية التى تخصها ، ورأها من جديد تتجول بين أروقة السوبر الماركت ومعها صديقة ، تمنى لو أتت إليه دون غيره من أفراد الكاشير ، وحدث ووقفت بصف الزبائن أمامه ، وأتى دورها وتلاقت الأعين وأحتدم الشوق بداخله ، متظاهرا باللامبالاه ساد صمت قطعت حدته قائلة : أنا ممتنة لك ، لقد أنقذتنى من فضيحة كبرى ، ومشكلات لا يمكن تخيلها .
أبتسم قائلا : لا داعى للشكر ، بحكم خبرتى أستطيع أن أميز بين الناس ؛ فلا يمكن إتهامك أبدا ، حاشاكى ، وضعت أمامه بطاقة تعريفية عليها الأسم ورقم التليفون والعنوان والبريد الألكترونى ..ألخ ، وتم التواصل بينهما ، تحكى له كيف تربت بين أبوين منفصلين ، وهى تعيش وحيدة مع مربيتها بحى المعادى ، لها أخ وحيد يعمل بوزارة الآثار ، وتوالت لقائتهما لتكشف له أنها عانت من أزمة نفسية جعلتها تعانى من سلوكيات غريبة من أهمها الأستحواذ والسرقة ، رغم عدم حاجتها ؛ وتفسير هذا أنها تعانى من حرمان عاطفيا ونفسيا زج بها إلى مثل هذه التصرفات ، ربط على كفيها قائلا : سأعوضك يا مى عما مضى ، وسننسى معا ما ألم بنا من خيابات ، مررت بالكثير أنا أيضا .
وفى يوم كانت الأجواء تميل إلى عاصفة فى فصل الخريف وقبل أن يتجه إلى عمله الروتينى الشاق آوى إلى ركن القهوة ، طالبا مشروبه الصباحى المعتاد ، وعندما دخل باب المقهى كانت جالسة هناك ، هى ذاتها ، لكن شخصا ما كان يجلس على المقعد المقابل لها ، أقترب منها فى أنفعال غاضب وأمسك بزراعها صارخا : من هذا ؟
يراها فى أرتباكها القديم متلبسة بتهمة أخرى وهى الخيانة ، وإذا بالشاب الذى ترافقه يتدخل : من أنت يا هذا ؟
تقول بصوت ضعيف يخالطه البكاء : أنا آسفة يا أسامه ، نسيت أن أحكى لك أنى كنت مخطوبة لهشام ، واﻵن قد عادت بيننا المياه إلى مجاريها
صاح غاضبا : اﻵن أراكى على حقيقتك يا بنت الأكابر ، لست أكثر من مجرد سارقة تندس بين البضائع لتقتنص أغلاها ، كان على أن أقطع يدك الآثمة الطماعة
بكت متوسلة : لم أكن أعلم أن يحدث كل هذا ، صدقنى كنت أظن أنه لن يعود ، وأنى نسيته .
قال وهو يصاحب النادل إلى خارج المقهى : أنها جريمتك وعقابك الإحتقار والنسيان مهما توسلتى ، أنت أكثر الناس مكرا مهما تظاهرت بالندم ، سيكون هذا درسا لى حتى أردع من يسرق الحقوق ويستحل هوان القلوب

تمت

تعليقات على فيسبوك