كان عليها في كل صباح أن تلتقي ببعض الصديقات في المقهى المعتاد، تشرب قهوة سوداء، و هو ما اتخذته عادة لا تتبدل، و تقرأ جريدة أو جريدتين لم تعدل عن قراءتهما فيما بعد.
لم تكن صداقتها لهؤلاء متمكنة أو دائمة، بل كانت تتغير في كل حين، كلهن كن سواسية بالنسبة إليها. لم تجد من بينهن من يشبه صديقة طفولتها. و تظن أنهن لم يجدن في المقهى ما يشبه صداقتهن الحقَة. كن يجلسن ما يفوق الساعتين، و يتحدثن في كل شيء إلا عن قلوبهن. في الجنس، الموضة، الثقافة و المستقبل و حتى في السياسة؛ لكنهن لا تتجاوزن في كل ذلك حدود ملامحهن البيضاء و الصفراء و المتلونة بكل أشكال الزينة التي هن في غنى عنها، لأن أسوار السجن أكلت منهن سنوات من العمر. يتحدثن ليتحدثن، و تنفضن ثيابهن مما قالوه و أعادوه ثم يذهبن لسبلهن المختلفة.
في ذلك الوقت بدأت تعرف النفاق و المجاملة و الكذب، و فيه اكتشفت أن الزَور بدأ يتمكن منها. لم تكن ترغب في ذلك، كانت تحس أنها مدفوعة إلى هذا النوع من البهتان رغما عنها، كأنه بهتان يعكس إرادتها، يسير ضدها.. أصبحت رغبتها تنفلت منها، بدأت تنفصل عن ذاتها. تمكن منها شعور قوي بأنها تخرج من زمن إلى زمن.
أحيانا تضيق بجلسات المقهى فتذهب إلى مكان خال أو بجانب بستان لم يصبه المتر المربع في هذا السجن، تقرأ كتابا أو تتيه في ذكرى حبيبها السابق، و أحيانا تستبد بها لعبة النفاق و المداراة فتعود إلى المقهى. كانت ثرثرتهن أكبر منهن، و كنَ- عدا ما تقرأن في الجريدتين- يحسن جميعا بأنهن على الهامش.. أكبرهن سنا كانت تشتغل بالتدريس سابقا و أصغرهن كانت تدرس في الرباط كذلك سابقا.. تأتي إليهن بين الحين و الآخر لتجالسهن أو بمعنى أصح لتصب غضبها، تتحدث إليهن في غرور كبير عن ماركس، كامو، سارتر و فرويد . كانت حادة في كلامها، جريئة إلى حد الخبث، تطلق على كل منهن مصطلحا جديدا لا يعرفنه: أنت نرجسية، أنت سادية، تعاني من عقدة أوديب. وهي سمتها المنكفئة. و فعلا كانت منكفئة، تحب زمن الماضي، صداقة الماضي و حياة الماضي.. لم تستوعب إلى حد الآن كيف جاءت بها الأقدار إلى هنا؟ و لم هي بين الأسوار و خلف القضبان. بقدر ما كانت ترعبها فكرة التواجد بمكان ضيق، مغلق ها هي تقبع في سجن مخيف منذ سنة و نيف و لازالت أمامها سنوات أخرى تنتظرها.
تتذكر اليوم الأسود الذي تلقت فيه خبر مقتل صديقتها الوحيدة، صديقة طفولتها التي استمرت لسنوات معا حتى صارتا شابتين يافعتين.. قررتا متابعة الدراسة معا و اختارتا نفس المدينة نفس الجامعة كي تظلا سوية. استأجرتا شقة صغيرة جمعتهما بها أيام لا تنسى.. إلى أن جاء اليوم الذي غادرت فيه المنزل وحدها لزيارة عائلتها و تركت صديقتها بالشقة وحدها.. فكانت أول ما تلقته و هي تعود أدراجها هو صفعات متتالية في مخفر الشرطة لسبب تجهله.. حاولت الاستفسار لكن سيل الأسئلة حال دون ذلك.
-كيف تمكنت من فعل جريمتك الشنعاء؟
-تبكي و هي تستفسر: أية جريمة؟ لا أعلم عما تتحدثون؟
-كلكن هكذا، ترتكبن الجرائم الكبرى و تدعون أنكن ملائكة.. أنت التي قتلت صديقتك داخل الشقة التي تتقاسمانها.
تصرخ و تبكي من هول الصدمة.. أنا.. صديقتي.. قتلت.. كيف؟
أخذوها إلى غرفة مظلمة، قضت فيها ما يفوق أربعة أيام، و خرجت إلى الاستجواب مرة أخرى.
يغمى عليها مرات عدة و في كل مرة يسألونها كيف فعلت ذلك؟
كررت العملية مرتين إلى أن خارت قواها.. و أجابت بنعم.. نعم لجريمة لم ترتكبها.. نعم لأنها فقدت أعز صديقاتها.. نعم لأنها أحست أن الأشياء بدأت تعاكسها و سيطرت عليها بعد مدة و صارت لها إرادة قاهرة، احتقرتها و ضاعت وسطها.. فقد حرمت من كل شيء تحبه، خسرت ذاتها و نفذت إليها الكراهية من كل جهة.. ماذا ستفعل؟ سيقبل كل ما كانت تعتبره ضدها، ستتوالى رحلتها في عبث لاهث.. لقد بدأت غربتها تتناسل داخل صدرها.
أحست بفشل في مفاصلها فجلست تبكي على نفس الكرسي بمقهى السجن لأنها للمرة المليون تحطمت.

تعليقات على فيسبوك