الفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع

الفصل الخامس

الفصل السادس

الفصل السابع

الفصل الثامن

9

الاستسلام هو عذاب يطفئ الشبق للحياة , هو انتحار يؤسس مملكة الموت يخطفك إلى النهايات , ينخر كل مشاعرك , يجعلك إمعة , متهادن تحمل راية الانهزام , تستسلم لكل ما يحيط بك دون محاولة منك للتغيير .. صورتك الباهتة  ترشح بالضعف والخضوع  تواسي نفسك بأكاذيب وبأنك تخضع بإرادتك للقبح بحثا عن سلام داخلي يبعد عنك هلوساتك وهذيانك ولو نظرت لصورتك الأولى   لاكتشفت أنك فراغ في إطار مغلق , الصور البشعة التي تحاصرني وتسيطر على .. سحقا لهذه الحياة ..كان قراري  صائبًا لا أريد أن أرى وجع من حولي فأنا فقط المسئول عن حالتي , وقد قررت من اللحظة الأولى بعد انتقالي إلى غرفتي فوق سطح عمارة قديمة أن أذهب للصحة النفسية فأنا إنسان على درجة من الوعي لأعلم حاجتي لعلاج نفسي بعيدًا عن الأفكار البالية التي يعتنقها الآخرون .

كان حظي جيدا .. فتلك الدكتورة اللطيفة التي أشرفت على حالتي قامت بانسيابية بغسل الأسود من ذاكرتي بعد أن بحت لها بكل ما يحدث لي

“عزيزي فرج ..  المرض النفسي يصيب الناس الأكثر إحساس لا تظن أبدا أنك الوحيد .. كلنا هموم وأمراض ..  نحن نعيش في بقعة  ساخنة ..أحيانا نفقد أعزاء وفي كثير من الأحيان مع الضغط  نفقد أنفسنا ونتوه .. الحكيم هو من يصارح نفسه بضعفه ليتعافى و هذا الأمر يحتاج شجاعة ..وأنت رجل شجاع تخطيت جهل الناس .. أتوقع أنك ستشفى قريبا “

آمنت بكلماتها وكنت أستمع لها باهتمام محاولًا تنفيذ كل ما تطرحه على من اقتراحات حسب ما كانت تسميها !

بدأت نفسي تطمئن قليلا ويداعبني الأمل .. رغم خوفي من كل ما حولي  حاولت أن أتطهر من فكرة أن هناك من يتآمرون ضدي وقررت العزلة و الابتعاد عن الناس

كنت أقضي معظم وقتي في غرفتي بعد أن أعود من عملي في مجال التدريس عملي يستنفذ طاقتي لكنه يدر على بعض المال للعيش ودفع إيجار الغرفة وهكذا كان لي الكثير من الوقت الذي أقضيه لنفسي .. أحببت غرفتي .. حاولت أن أصنع منها مملكة خاصة بي .. كنت أجلس معظم أوقات الليل في شرفتها أتابع الناس وأتخيل قصة لكل منهم .. أحصي عدد البيوت حولي وأتأمل كم قصة تدور هناك خلف الأبواب ..

أراقبه كل صباح وهو يودع ابنته الصغيرة على باب منزله .. كانت دائمة البكاء واللحاق به , شخص طيب الملامح في ريعان الشباب أظنه في العشرينيات أو هكذا أوحت لي قامته وملامحه , يلبس زي عامل النظافة .. أراقب بشغف تلك العلاقة بينه وبين طفلته الصغيرة .. كيف أحبته بكل جنون بكائها حتى أنها تستيقظ باكرًا كل صباح لتودعه بصراخ حزين .. كأنها تقول له ابق بجانبي لا أشعر بالأمان دونك .

أضبط ساعتي كل يوم على ذات المشهد .. وأراه يبتعد حاملا على عاتقه تنظيف ما خلفه زمن سابق من فرح أشخاص وأحزانهم .. يكنس بقاياهم عن رصيف أصم أعمى تنام عليه أكياس ملونة برائحة نتنة .. يمحي خطوات رسمت على رصيف الليل .. يستقبل عمله مبتهجا .. أسمعه يدندن بصوت عالي أغاني تبعث في نفسه طاقة جميلة مشعة  .. للوقت رائحة زنابق عطرية بيضاء صافية .. للوقت أغاني باسمة .. تلك المشاعر يخلقها ويعيشها كي يخدع وقته  يتناسى رائحته النتنة وصوته الشاذ .. يعيش إنسانيته التي تخطفها نظرات الدونية  من أناس يلملم قاذوراتهم  ليقتنعوا بأنهم خلقوا من طين يلمع .. تعجبني ابتسامته الدائمة ليتني كنت أشعر برضاه  يلتفت ليتأكد بأن زوجته دخلت مع ابنته المستسلمة ويرسم خلفه نفحات الحنين , أراه يبتعد ويختفي في شارع آخر .. انتظره مع كل صباح جديد أتابع نفس المشهد دون أن يشعر كلانا بالملل .

 كانت تداهمني الصور الشيطانية في أوقات عديدة أشعر بالرهبة وأسقط بعدها في نوم عميق , أريدها أن تخرج من رأسي ..إنها تحتلني رغما عني , أفيق صباحًا على صوت المذياع أستمع لأخبار العالم التي لا تنتهي مآسيه .. يفزعني خبر محاصرة الرئيس ياسر عرفات في مقره بمدينة رام الله  بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد.. تفور الدماء برأسي ويتملكني غضب يغير ملامحي .. هاهم يقتلعون كل أمل نعيش عليه ..وكلما تراءى لنا حلم في الأفق اغتصبوه .. أتابع أخبار الحصار بشغف وأعيش بعض ليال على وقع قصف عنيف لم آلفه ولم يحدث أن عشناه من قبل يقض مضجعي ويدخلني في دوامة واقع أسوأ من مرضي وصوره الملتهبة ..  وتبدأ انتفاضة جديدة ..أشعر بالاختناق

استمر ليال طويلة أتابع أخبار الحصار والانتفاضة الجديدة  ..كلي وجع كل ما بي ينزف ويضج ألما .. مع كل خبر عن ازدياد الحصار والقصف المستمر على غزة , موت الأطفال والشباب اغلاق المدن وفصلها عن بعضها البعض .. أصبح الوطن قصيدة نازفة  تذرف كل ساعة دماء  حمراء ونواح  .. أخاف على الحلم من الضياع .. أقدس صاحب الكوفية القاطن هناك بين عذابات الحقد التي لا تنتهي .. أعلم انه سينتصر فهو رجل لا يعرف الهزيمة .. هكذا تقول نظرته الحادة هكذا أخبرتني الأرض .. قالت لي ذات ليلة

“لا تخف يا فرج هو ملحي وخطوط وجهي .. دائرة القمر حين اكتماله وصفاء البحر حين يعانق أول الصباح .. لا تخف على عاصفة سكنته تحمل حبي اللانهائي .. سيحلق ثانية ويعلمهم كيف أننا مخلوقات مليئة بألوان الحياة “

كانت تمر الأيام يلتهم أحدها الآخر دون جديد سوى الخناق والحصار يقابلها  ثبات وصمود وتحد وانتظار بجانب مذياعي .. ومراقبة من شرفتي لأناس يعيشون ألوان من الموت اللحظي  بهرمونية عجيبة

غزة سيدة الحزن صابرة صامتة تترقب ما يحدث لنصفها الآخر .. رام الله تحاصر, تعدم , تجرد من حقها أن يقول سيد فلسطين لا لعالم لا يسمع لا يرى لا يتكلم .. تحاصر كنيسة المهد .. لا حرمات أمام طاغوت العصر, يقتل أبناءنا يعتقلهم .. كفر قاسم ، دير ياسين .. التاريخ يعيد نفسه  ما زالت بيروت حاضرة  .. لا زلنا ننزف وحدنا دون توقف نحتفظ بأوقات سعادتنا داخل شرنقة نخاف عليها أن تتعلم فعل الطيران فنبقى هكذا بحسرتنا الأزلية , ألبس ملابسي وأقرر في هذه الليلة أن أتمشى قليلا في الشارع ..  أختار شارعا بعيدا عن منزلي وضوضاء المكان .. أذهب لشارع الجامعات فهو الآن يخلو من الناس ويتمتع بسكون يلائم روحي العطشى دائما للعزلة ..

أتأمل الشارع الطويل والأضواء المنعكسة على جامعة الأزهر ..الأضواء خافتة في الشارع الدافئ الممتد أمامي .. كم تغيرت غزة اليوم عن أيام صباي .. ميناء ومطار يخصها .. شوارعها وأبنيتها وتلك الجامعات المتلألئة .. حتى مطاعمها المنتشرة في كل مكان وأماكنها التجارية لم تكن تنبض حيوية كما اليوم .. كانت تحتضر .. وبدأت تنهض من رمادها وتبعث من جديد .. كنت أتوقع في خلال فترة قصيرة ستصبح مدينتنا من أجمل المدن .. لا أعلم الآن ما المصير الذي ينتظرها .. مسكينة يا غزة كيف تتنفسين هواءك في هذا القبر ..

أفتش عن سبب اختناقي ..  امتزجت الحكاية ما بين حصار عرفات ..حرب رام الله وغزة وعودة الألم مرة أخرى لأناس كل ذنبهم أنهم أحبوا أرضهم وبيتهم المغتصب .. وحالتي النفسية  التي وصلت لها ولم أكن أتخيل أن أخوض مثل هذه التجربة في يوم ما .. تكبر الكوارث تخطف ما تبقى لي من بريق .. قبل يومين وصلني خبر موجع عن طريق الصدفة مضمونه أن حبيبتي خطبت لطبيب فلسطيني جاء من خارج البلاد مع قدوم سلطة عرفات .. أصابتني حالة من الانفعال والاكتئاب لم أمنع نفسي من الغيرة .. رغم محاولاتي إقناع نفسي بأن الخبر لا يهمني وبأنني فعلت الصواب  وتصرفت بواقعية حين ابتعدت عنها لا أريدها أن ترث خيباتي وهمومي.. كل محاولاتي لم تمنع تلك الدموع من الانهمار في لحظات وجعي الليلي ..

ولم تمنع ذكرى أجمل لحظاتي معها من أن تندفع بانسياب في مخيلتي من حين لآخر دون وعي كامل مني لم تحتلني تلك الأنثى وترفض الخروج مني؟ .. لم ينقبض قلبي كلما هبت نسائم ضحكتها؟ .. لم لا أترك ذكرياتي جانبا وأضعها في ركن بعيد؟.. ما سر سحرها .. ليتني أدري ؟! أسمع صوت خافت يناديني

“فرج .. فرج “

أبحث عن مصدر الصوت , التفت خلفي لا أرى في الشارع أحد سواي .. أكمل سيري لكن الصوت ما زال ينادي

 ” فرج .. يا فرج ”

أدور حول نفسي أراها هناك الشجرة التي أمامي مباشرة تحمل وجه عجوز شمطاء شنيعة تضحك .. فتظهر أسنانها المكسورة الصفراء .. تنادي باسمي .. أدير لها ظهري يغرق وجهي في زخات من عرق كثيف .. ما زال دوي صوتها لا يتوقف عن مناداتي , أجلس على الرصيف لعلي أتمالك أعصابي .. كل العالم يتآمر ضدي .. يريدون تدميري .. أن أكون مجنونا .. لكنني أعرف مخططهم ولن أسمح لهم , أسمع صوت آخر يناديني

“فرج .. يا فرج “

أجن .. أبحث عن مصدر الصوت الآخر .. يا إلهي انه الرصيف تحتي له وجه طفل مشاغب ينادي ويستفزني بندائه .. أقف تكاد قدماي لا تحملاني أنظر للسماء معتمة خالية من النجوم اليوم حتى القمر غاب عنها وفضل مكان آخر من الأرض .. لأبقى وحدي في عتمتي .. حتى القمر والسماء والنجوم تكرهني ..  الجو بارد .. ترتعش يداي لا أعلم هل تفعل ذلك لبرودة الجو أو للفزع الذي يكسوني ..الصوت لا يصمت يزداد حدة وتزداد الأصوات التي تكلمني .. السور بجانبي .. والباب على جانب الشارع كلها ارتسمت وجوها وشفاه تنادي باسمي

“فرج … فرج …فرج … فرج “

أجري .. أحاول الفرار من هذه الأصوات أمسك رأسي بكلتا يداي أحاول أن أنفضها .. يزداد لهاثي وتوتري .. أشعر بضعفي ووحدتي .. أقف في منتصف الشارع  أهذي

” ارحمني يا الهي . ارحم ضعفي ويأسي .. أنا وحيد دونك ..  ألم تقل بأنك أقرب إلينا من حبل الوريد .. ها أنا هنا وحدي .. فمن لي غيرك كي ينصفني ، تلك الوجوه والأصوات تفقدني صوابي ..أريد حضنا يلملمني “

أتذكر أمي .. تقفز صورتها أمامي أخرج هاتفي النقال وأتصل بها أسمع صوتها الحنون المتلهف

“فرج يا ولدي .. كيف حالك .. اشتقت إليك كثيرًا .. لما لا ترجع هنا يا حبيبي .. أتعجبك حياتك وحيدًا بعيدًا عني “

ما أن يتسلل صوتها إلى قلبي ..حتى أنفجر باكيًا .. اكتسيت ألمًا .. جرى حنينها في دمي .. يجتاحني حزن دفين بين أضلعي .. أكلمها من بين دموعي ومن بين الأصوات التي تصرخ باسمي

” أمي .. كل ما حولي يناديني يا أمي .. الشجر والحائط ..حتى الرصيف اللعين .. أنا متعب يا أمي .. متعب ليتك هنا بجانبي ليتني أرتمي في حضنك الآن .. أنسى اسمي .. أنسى ذاكرتي .. وأعود طفلا  “

تشهق أمي وجعا .. تهتز الأرض من تحتي .. تهتز السماء .. أخرج من وقع الحدث الآني لأدخل بآخر قلب كياني بلحظة ..

ينتشر الغبار حولي .. ويتحول الجو للون الأحمر .. أسمع صوت أناس ظهروا فجأة ..يتدافعون ويصرخون .. يتجهون لمصدر الصوت .. وبعدها بقليل صوت لسيارات إسعاف لا أعرف كيف تغير شكل  المكان بين دقيقة وأخرى من النقيض للنقيض وكيف اختفت تلك الوجوه وتلك الأصوات ليحل محلها صوت آخر أتي من السماء .. لكنه ليس من رحمة الإله أو غضبه .. بل هو من حقد إنسان يكره كل الأشياء المبتسمة في مدينتي , صاروخ هبط من طائرة أفزع المكان وهدم مقرات أمنية حوله.. هرولت مسرعا أريد أن أصل لبيتي بأقصى سرعة .. لا أريد أن أبقى هنا , أجري عكس اتجاه الناس التي تتدفق لاستكشاف المكان .. لا أريد أن أرى دمارًا آخر يا الله .

تعتريني حالة ذهول لما يحدث .. هل سنصبح مجرد جرذان تصطادنا الطائرات وتفتت أجسادنا .. سنعود مرة أخرى لتلك الحلقة المفرغة ننظر من خلال دموع أطفالنا على مستقبل بلا ملامح

أعود لمنزلي وأستلقي مرتجفا على سريري .. أريد أن أنام .. أنام بلا نهاية .. لأول مرة أعشق الظلام ولا أفكر متى ستشرق الشمس مرة أخرى .. لا فائدة من شمس لا تمنحني دفئا ليومي , لا فائدة لهواء يملأ رئتي بالغبار .. لا أريد سمعي ولا بصري الذي لن يرى الألوان القادمة ولا يسمع ضحكات الأطفال الصباحية ..

أريد أن أنام وأغرق في العدم .. أختفي هكذا دون مناسبة .. كما أتيت هكذا في زمن ما , لكن الأمنيات لا تتحقق وإلا كنت الآن أعيش حياة أخرى فلا أكثر من أمنيات رجل يحمل اسمي وملامحي ..

يشرق يوم جديد ..  رغم إرادتي !  مع أحداث قاتمة جديدة وحصار مستمر , وأنا على شرفتي لا زلت أتأمل الصباح وأسأله كما كل يوم ..ماذا سيحدث اليوم ؟ أراه جاري مع طفلته يجلس على باب منزله يداعبها ..أسمع رنين ضحكتها تشق كآبة المكان , ثم يعود بها للمنزل ويخرج وحيدًا .. الجميع يختبئ .. ينتظر .. يترقب , ووحده جندي في معركة أخرى .. يكنس شوارعنا يلملم خيباتنا .. يحاول نحت التشويه بعد أن امتلأت الشوارع بسواتر رملية نشرت رعب آخر من حرب قريبة على غزة كما حدث في رام الله .. الشوارع صامتة تنتظر المصير ووحده يدندن أغنية الصباح .. وأنا هنا أنسج قصص حول بطولته التي لا يهتم بها أحد غيري .

الجميع هنا يعيش حالة سكون ، رغم أن غزة بلد المتناقضات العجيبة حيث ترى في أحد شوارعها بيت للعزاء وفي الشارع الآخر حفل زفاف .. هي مدينة لا تتوقف أبدا عن الحياة مهما حاصرها الموت .. ولأن الموت أصبح جزء من حياتها فهي لا تهابه .. إنما تستقبله كما تستقبل كل مشاعرها على حد سواء .. تفرح منتهى الفرح .. تحزن منتهى الحزن وتعطي كل شعور ممكن حقه بالكامل .. إلا أنها في هذه المرة لبست ثوب الحداد  .. ما بين رئيس محاصر وأبناء يقتلون .. تقف وقفة حزن وسكون , سمعت الخبر بعد طول انتظار .. انسحبت الآليات الإسرائيلية من مقر المقاطعة في رام الله .. بعد حصار دام أربعين يومًا .. والهدف رحيل عرفات من فلسطين بعد أن عرقل كل خططهم لتشويه سلام مزيف  أرادوا زرعه بقوة السلاح ورائحة الدماء .. أرادوه استسلام لا سلام

حصار لرئيس هنا وحصار لكنيسة تحوي مناضلين هناك واقتحام مخيم البطولة وكلما هزمتهم العزيمة والإيمان كلما ازدادوا جنونا وعنجهية .. لكنا بعد كل ما حدث منذ الأزل وما يحدث الآن وما سيسطره المستقبل .. لا زلنا أجسادا وعقولا وأرواح مزروعة في أرضنا حتى نهاية الكون لأنها آخر الكون ..

أيامنا  تتشابه في الوجع .. أريد أن أمحو ذاكرتي أن أنسى بكاء الأطفال وعويل النساء.. أعود مرة أخرى لأحلم ببلد يسوده الأمان وتحكمه إنسانية الإنسان لا شروره ونزعاته الشيطانية , أنام وأتخيل هذه البقعة لو كانت تعيش سلام منذ زمن بعيد .. كيف سيكون شكلها , ستكون  أكثر أماكن الأرض حضارة بشوارع نظيفة وناس تتمتع بالرقي والثقافة والعلم ..  رائدة بالصناعة لا بطالة ولا ظلم .. لها استقلالية .. لن تكون سوى قطعة من الجنة , كيف لا وهي تمتلك كل ما يحلم به إنسان بحر.. بحيرة..نهر ووادي .. جبال تنظر بكبرياء لأرض الزيتون والحنون .. سهل وغور وصحراء .. كيف اجتمعت كل هذه الهبات في أرض صغيرة كأرضنا .. هل هي رسالة من الله ليقول لنا بأنها جنتي على الأرض .. لا عجب إذن من النزاعات عليها واغتصابها .. فلا حلم للإنسان أكبر من الجنة .. كيف سيقف مكتوف الأيدي وهو يراها هنا في أيدي أناس طيبين لا يحملون في قلوبهم كره ولا ضغينة .. يعيشون بسلام متجاورين مع كل الأديان السماوية .. ولم يحتاطوا جيدًا لمكر ثعالب بشرية

أجهز قهوتي .. أجلس على شرفتي أرتشفها بهدوء وأتأمل الأيام القادمة ..  كيف ستكون .. هل سيتغير المشهد .. وما مصيرنا

أراه منهك يمشي من بعيد يحمل تعب يوم فوق أكتافه وعروس متسخة التقطها من قمامة أحدهم علها تبعث بفرحة في قلب صغيرته .. تجري حوله قطط تتمسح بقدميه .. يسقط ظله على الرصيف  .. يغني لحن حزين

لم يكن يبتسم هذه المرة ؟!

يتبع

تعليقات على فيسبوك