لفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع

الفصل الخامس

الفصل السادس

الفصل السابع

8

ضربات مستفزة على باب غرفتي .. أسمعها .. أخرج بتمهل من عالم مظلم

” سلمى .. أفيقي .. يكفيك نوم هنالك الكثير من الأعمال المنزلية ..غسيل وطبخ .. هيا قومي من نومك هذه المرة الثانية التي أوقظك فيها .. لو أنني أوقظ ميتة لأفاقت “

أسمع صراخها في عقلي الذي ما زال يتثاءب .. أمي لا فائدة منها لا تزال تصرخ وتصرخ لتوقظني رغما عن نعاسي وتعبي .. وتلك الأعمال المنزلية التي لا تنتهي  ألا تنتظر قليلا ؟!

أحاول الاستيقاظ رغم نوم جسدي ورفضه للصحو .. أعيد على نفسي كلماتها .. اسمع صوت بكاء طفلة صغيرة, أفتح عيني ببطء وتثاقل

أراها هناك بجانبي على سريري .. أعتدل .. أهب من مكاني .. يزول النعاس المتثائب تدريجيًا أرى تفاصيل الغرفة حولي .. أرتب أفكاري .. أتذكر.. هذا ليس صوت أمي  .. إنها أمه

هذا ليس بيتي .. هذه الغرفة والطفلة بجانبي .. يا الله كيف تشابكت الأمور .. أشاهد تفاصيل غرفتي .. ذات الطراز الشعبي القديم .. غرفة نوم رخيصة الثمن خزانة وسرير .. ومرآة كبيرة أمامي مباشرة

انظر للمرآة .. تلك هي أنا .. لم أراني مما يقارب الأسبوع ..ألمس وجهي الشاحب .. عيناي بلا بريق ..شعري غير مرتب ..  ملامحي ذابلة ..  جمالي مختبئ خلف هالة حزن وملل ..طفلتي لا تزال تبكي .. انظر إليها مطولًا كأنني أراها للمرة الأولى .. سريري بارد .. لا أذكر متى اعتلاه دفء حميمي .. كل شيء ضاع من ذاكرتي لم يتبقى سوى روتين أيامي

” هيا يا سلمى .. ما أصعب نومك .. “

صوت العجوز المستفز .. سأقضي كل اليوم ككل يوم ألبي طلباتها وأنفذ أوامرها .. تخبئ الطعام عني في أكياس مربوطة داخل الثلاجة التي لا أفتحها إلا بإذن منها.. ألف طول النهار في دائرة مغلقة ثم أنام في آخر الليل أرمي ثقل الساعات فوق فرشتي وتدق طبول جسدي لحن الوجع والرتابة ..

لم أعرف أنني إذا ما كبرت سأعمل خادمة في بيت زوج لا أراه سوى أسبوع في السنة ومرضعة لطفلة بالكاد أراها .. أخاف من ممارسة أمومتي بشكل كامل .. أخاف إرضاعها لوقت طويل .. حتى لا ترمي العجوز حولي سم كلامها ..

أحلامي بفارس يحتويني .. أتذوق معه شهد اللحظات و ارتعاشات الليالي .. أغفو بجانبه فوق غيمتي وأهطل في الصباح ورودا حمراء .. تلحقني الفراشات أينما حللت .. أعمل طوال اليوم عارضة أزياء .. أغير كل ساعتين ملابسي .. ألون الوقت وارسم ابتسامته بيدي  .. فارسي سيكون الأسعد بين الرجال والأكثر حظا بي وسيكون ظهرًا لي  محقق لأمنياتي العريضة .. كنت مليئة بالحلم !!

لكن الواقع مختلف .. لا زلت أزور غيمة أحلامي وحدي دون رجل يسكنها معي

أتناول طفلتي من جانبي .. طفلتي يافا رغم اعتراض الجميع على الاسم .. لكنني حاربت كنمرة مفترسة وكشرت عن أنيابي واستعملت كل ما هو ممكن لإقناع زوجي بالموافقة على الاسم وانتصرت !

إنها رغبة أبي يسقيني إياها عسلًا منذ طفولتي كبرت وكبر معي اسم طفلتي “يافا ” لكنها كمدينتي بعيدة أيضا .. لا اقترب منها  ولا أشمها .. لا أمارس حقي في مداعبتها وتأملها .. هي دائما مع أم فارس.. وأنا دائمة الانشغال عنها إلا في أوقات قليلة ..يزعجني هذا البعد .. لكنني تعودت مع الوقت كما نتعود على الأشد إيلاما  ونتعامل معه على أنه جزء من حياتنا .. نستسلم له ونرضى !

أخرج من غرفتي وأنا أحمل طفلتي .. أرى هذا المنزل القديم المتهالك .. الذي لا ينفع معه تنظيف ولا ترتيب .. وهذا الأثاث الأثري .. والمطبخ الصغير في الركن البعيد .. أتذكر صدمتي يوم رأيته أول مرة .. وكيف شعرت بأني أريد البكاء حين علمت بأنني سأسكنه .. نظرت لفارس وهمست له

“مستحيل أن أسكن في هذا البيت .. انه لا ينفع لسكن بني آدم .. هو أشبه بحظيرة .. لو رأته أمي ستنهي هذا الزواج لا محال “

ارتبك وتغيرت ملامحه .. أخذني برفق وسحبني إلى غرفة  جانبية

” تعالي اريك غرفتك يا حبيبتي “

دخلنا الغرفة وكانت صدمة أخرى لا تفرق كثيرا عن باقي البيت .. جدران قديمة ورائحة رطوبة سكنتها منذ سنين وأصبحت جزء من معالمها النتنة

” لا مستحيل .. لا يمكنني العيش هنا .. هذا أفظع مكان رأيته في حياتي “

يقفل باب الغرفة خلفنا حتى لا تسمعنا أمه .. يشدني  ظهري للحائط .. يقترب مني ببطء وينظر مباشرة لعينيّ

” سلمى .. البيت جيد .. وعادي جدًا .. لا يشبه الحظيرة كما تقولين .. هو فقط بناء قديم في حي قديم .. ستتعودين عليه مع الوقت .. وأنا أعدك بأنك لن تمكثي به طويلا .. فقط عام واحد وسأشتري لك شقة في المكان الذي تختارينه .. والأثاث الذي تريدينه .. صدقيني يا حبيبتي .. دعي الأمور تمر بسلام “

“لا يمكن ..”

يقاطعني .. لا يعطيني فرصة إكمال الحديث .. يقترب مني ويقبلني بعنف .. أتذوق طعم قبلته .. أشم رائحة رجولته .. أغيب عن الوعي .. في عالم آخر أسبح .. تسير بي غيمتي ترتفع إلى أعلى  شهوة عظيمة تمتلكني, أعض شفته ..

يبتعد قليلًا .. ينظر لي نظرة دافئة .. أحاول تمالك أعصابي.. أجيبه هامسة :

” حسنا .. سأسكن لمدة عام هنا .. المهم أن أبقى بجانبك “

يبتسم .. ويقترب مرة أخرى , يرتعش جسدي كلما تذكرت تلك اللحظات .. أشعر بلذة الإحساس ..استمع لدقات قلبي تحمل لي تلك النسمات رائحته… استنشقها ملء رئتي .. أغفو على صدره .. أسافر إليه.. تشتعل جمرة بين أضلعي  بحرقة الاشتياق .. تحملني تلك المرايا الملونة بالحنين .. يجتاحني بعنف .. يسكن في ثنايا قلبي أهزوجة فرح .. أطرز اسمه في أنسجتي .. وانتظره

على جسدي بعض من نقوشه .. تتلو روحي تراتيله ..  وانتظره

وانتظار الحبيب غابة مشاعر ملتهبة .. لا تنطفئ بنوم ولا ببكاء .. انتظاره عذاب بطعم شهي, اشتعال النبضات تخبرك في كل لحظة بحلاوة لقاء قادم .. تعلم مدى احتراقك.. شوقك.. حنينك , وتحب كل تلك التفاصيل ..

 أحبها .. وانتظره !

الاستسلام لكل ما لا يعجبني .. هدوئي في اشد لحظات غضبي واعتراضي ..وتحملي لتلك العجوز القاطنة في فقاعة فوق صدري  حتى وصوله فقط لأنفخ عليها بأقصى قوتي وأجعلها تطير في الأفق البعيد

” ما كل هذا النشاط .. انتظري حتى يؤذن الظهر .. لم الاستعجال يا دكتورة “

انظر لها بلا مبالاة .. عودت نفسي على عدم الاهتمام بما يحدث حولي .. بكل الأحاديث الخافتة التي أسمعها  صدفة أو التي تقال بصوت عال .. لا فائدة أبدا من النقاش مع أناس تعلم أنهم سينتصرون عليك في نهاية الحديث .. لأنهم السلطة .. القوة .. وأنت الضعيف بصوتك الخافت .. بإقامتك على الهوامش .. ما فائدة التمرد وهو ليس هنا .. لا سند لي ولا حماية !

“هاتي البنت .. وابدئي بالغسيل أولا قبل أن تنقطع المياه .. ثم اعجني .. وبعدها سنطبخ المفتول .. اليوم الجمعة وسيأتي سيف  وزوجته وأولاده على الغذاء .. انتهي بسرعة من أشغالك “

سنطبخ ! لا افهم صيغة الجمع التي تصمم دائما على الحديث بها .. هي لا تطبخ ولا تقوم بأي شيء سوى الحديث مع الجارات والشكوى من كل شيء  حولها .. وسرد ذكرياتها بأحاديث لا تنتهي .. لكن يجوز سنطبخ لأنها تحضر بالعادة المفتول باكرا فهو عمل العجائز على كل حال

يوم آخر بلا نهاية مع ابنها وزوجته وأولاده .. سأعمل مثل آلة .. وأمنع نفسي من أي إحساس بألم أو ملل .. وممنوع على الاعتراض .. يجب أن ارسم ابتسامة مزيفة  مجاملة على وجهي حتى لا يتضايق ضيوفي الدائمين وتقديم كل سبل الراحة والدلال لهم .. هذا واجبي كزوجة ابن مطيعة .. حتى أنال شرف هذا اللقب الرفيع الذي ألصقته بي .

أستعد لبدء مهام اليوم , أسمعها تنادي .. ” نسيت أن أخبرك .. عندي لك مفاجأة أيضا .. ستجعلك تنتهين سريعا من مهامك”

انظر لها .. على وجهها ابتسامة خبيثة .. هل يعقل أنه ؟؟؟ لا لا أظن .. لا أريد أن أحمل في قلبي أمل ولا يحدث فتقتلني الخيبة

” خير يا رب .. ما هي المفاجأة ؟ “

” كنت أنوي أن لا أقولها لك .. لكن ! .. “

أتلهف لسماعها .. يرجوها كل جزء في وجهي أن تقول .. وترجوها ظنوني

” سيأتي فارس اليوم .. قد يصل بعد العصر .. انتهي سريعا وجهزي نفسك يا عروسة “

يتغير مزاجي .. يرقص قلبي وتقفز السعادة من عينيّ .. أشعر بأنني خفيفة كريشة وأني أطير لا تحملني أرض ولا تشدني جاذبية

أذهب للعمل مسرعة وأنا أتخيل كيف سيكون شكل اللقاء .. كيف سأحضنه .. وأطبع قبلة على شفتيه .. أشم رائحته وأتابعه أينما حل .. نقضي ليالي الحلم .. أريد أن أسرقه وأخفيه عن البشر أنا وهو فقط .. ماذا سألبس .. كيف سأرتب شكل شعري .. سأتزين وأتعطر كعروس .. أزهو بوجوده .. تتقاذفني الأحلام ولا أرسو على شاطئ فقط أسبح و أطفو

تمضي الدقائق كساعات والساعات كأيام وأنا أراقب الباب ودقاته لعله يظهر بعد واحدة منها أجهز كل شيء بسرعة عجيبة يدب بي نشاط وحماس ليكون كل شيء على أحسن ما يرام في وقت قصير , أغير شكلي حتى أصبح شخص غيري ..  انظر لمرآتي وأراني بعينيه .. مع كل هذا الشوق وهذا البريق المتلألئ

اسمعهم ينادون باسمي لأتناول الغذاء .. لا أريد طعاما , لا شهية لي إلا لرؤيته .

أعددت كل ما بي ليكون ملكه اليوم فقط .. ولا متعة أخرى تضاهي متعة وجوده وأنفاسه تلفني , أجلس فوق سريري البارد .. وأحلم باشتعاله لليال طويلة

أتمنى لو أنني أنام ولا أستيقظ إلا بقبلته .. حتى لا أعيش لحظات انتظار أخرى .. مللت الانتظار , لكنه لا يأتي .. يمر الوقت بطيئًا ولا يأتي , أذهب لأستفسر عن سبب تأخره .. يجلسون جميعًا في الغرفة

ينظر لي سيف ويبتسم

” ما كل هذا يا سلمى .. لم نرك متأنقة منذ فترة  “

يعتريني الخجل وأبتسم بصمت

ترد زوجته عني ” طبعا مع وجود فارس كل شيء سيتغير “

أنظر لها تجلس بجانب زوجها ملتصقة به .. أشتهي أن أكون مكانها مع زوجي لكنني استدرك بعد أن أسمع صوت العجوز

” اتصل فارس يا سلمى سيأتي غدا .. حدثت ظروف أخرته قليلا .. هيا اجلسي اشربي الشاي معنا “

تتملكني خيبة .. أود لو ركضت إلى الحمام المجاور وغسلت مساحيق وجهي .. لو أنني في غرفتي وحدي وتركت لدموعي الحبيسة العنان .. لو أنني في غابة بعيدة وصرخت بأعلى صوتي , لماذا تتأخر .. ألم يكتفي الغياب منك ؟!

أجلس وفي يدي كأس شاي ساخن لا أشعر بسخونته.. بداخلي نيران متأججة .. يغازل سيف زوجته

” أنا لو ألف الدنيا  مشيًا على أقدامي لن أجد امرأة بجمال زوجتي .. لا أستطيع البعد عنها نصف يوم “

تبتسم زوجته وتنظر لي نظرة خبيثة

” نصف يوم كفيل بأن يقتلني يا زوجي الحبيب .. أنا لا أحتمل غيابك ساعة “

أود لو أقذف الشاي الساخن على وجهها الذي يحمل مكر العالم .. لكنني أتماسك وأتحمل حتى موعد رحيلهم لأختبأ في غرفتي وأبكي هناك وحدي حتى الصباح ..

أستيقظ باكرا .. يتهادى إلى مسامعي صوته .. نعم إنه هو ومن غيره يستطيع بأنفاسه أن يغير وجه يومي وكيف لصوت غير صوته أن يعطر روحي

لا مكان في المكان ولا زمان يتهادى في عقلي .. فقط هو

يتعلق بصري بلهفة على قامته فارسي .. أجمل أحلامي , أردد اسمه أستعذب حروفه , أراه يسلم على أمه وعلى أخوه يحتضنهم بشوق .. أتأمل تلك اليدين اللاتي لطالما حلمت بدفئهما تتملكني غيرة لا أريد لهما لمس شخص غيري حتى لو كانت أمه .. أتقدم وبي مشاعر مختلطة من شوق ولهفة ،اندفاع مجنون ..آه لو تعلم فقط كم أشتاقك ؟

يقترب مني ينبض كل ما بي بشدة يسلم على وينظر لعيني مباشرة

” اشتقت لك يا سلمى .. كم أنت جميلة !”

أرد بخجل .. وكل ما بي ينبض بعنف

“وأنا أيضا اشتقت أكثر “

يقبل جبيني ويتركني ليتجه  إلى غرفتنا , أتبعه وكلي لهفة سأحتضنه في غرفتنا , أفرغ به حنيني واعتصره شوقا , لكنه يقفل الباب في وجهي فجأة وأسمع صوت دوران المفتاح , صدمة  تقذفني على رصيف الحيرة بكل قسوة .. كل ما حلمت به ينهار ..

ليتني كنت نسيًا منسيًا حتى لا أعيش لحظات  الحسرة وأسمع صوتهم خلفي يتهامسون .. أتمنى لو أنني أموت في هذه اللحظة من أن أرى نظرات شماتة أو عطف على تلك المسكينة التي عاملها زوجها المنتظر ببرود يفوق أقسى ليالي الشتاء القطبي بردا وتجمدا

أتسمر مكاني .. لا يمكنني الالتفات خلفي .. لا يمكنني مواجهة العيون الساخرة ..أتصرف بسرعة.. اقترب من الباب وأدق عليه بحزم

لن أسمح له بأن يجعل مني أضحوكة وخبرًا للتسلية

أدق الباب  بحزم ويملأني غضب خفي .. أنفث نيران مع أنفاسي المضطربة المتقطعة .. لكنني لم انتظر طويلا إذ إن فارسي قام بفتح الباب سريعا وهو مرتبك

” اعذريني يا سلمى .. لقد أقفلته غير قاصدا “

لم أصدق ادعائه , لكنني التزمت الصمت وعلى وجهي علامات غضب حفر داخل ملامحي بقوة , هززت رأسي ودخلت لغرفتي , جلست على حافة سريري وانفجرت فجأة في بكاء صامت , سالت دموعي حارقة .. فارت كل براكيني واشتعلت نيراني .. ولم أستطع السيطرة عليها , أقفل فارس الباب وسمعت صوت المفتاح يدور بالباب مرة أخرى ..مع الفرق أنني الآن في الداخل أحتمي من النظرات والهمسات وصوت الضحكات .. اقترب مني ومسح دموعي

“أتأسف لك يا سلمى لم أكن قاصدا “

نظرت له من بين دموعي .. كيف لرجل غاب كل هذه الفترة عن زوجته لا يعلم بحرقتها ولوعتها , كيف له أن لا يضمها بشوق .. أن يتركها خارج دائرته ولا يظهر لها نفس الشوق واللهفة , هل كنت مخطئة في تقديري ؟

هل هو هذا الرجل الذي أفنيت كل أيامي بانتظاره على أمل أن يحتويني بحبه بعد ما أضناني غيابه , أمكتوب على جبيني أن أعيش غربة تلوها أخرى , حاول أن يحتضنني .. خفتت رغبتي , سألته بشكل مفاجئ

“ماذا كنت تفعل في الغرفة المقفلة وما هو الشيء المهم أكثر مني الذي جعلك تتصرف بتلك الطريقة الغريبة معي “

ارتبك وبدأ يعيد ترتيب نفسه

“اسمعي يا سلمى .. لا أريد أن اخفي عنك شيء فأنت زوجتي وأنا أحبك .. وحتمًا ستعلمين يومًا ما كل التفاصيل التي أخفيها عنك ..”

يصمت قليلا .. أستعد لمفاجأته القادمة .. يستطرد

“أنا ومنذ وقت طويل أعمل في مكان  يختلف عن طبيعة  حياتنا  هناك يتناولون مشروبات تعودت عليها وأصبحت جزء مني .. لا أستطيع الاستغناء عنها .. وكنت قد حاولت جاهدا أن أبتعد عنها في أثناء تواجدي هنا في غزة .. ولكنني أعلم أنني لا أستطيع .. لذا أحضرت بعض منها معي .. وقد دخلت غرفتي مسرعًا لكي أخفيها فلا أريد لأحد أن يعلم بأمرها “

أصابتني صدمة ولم أفهم في البداية ما الذي يعنيه

” ماذا تعني بمشروبات لم أفهمك ؟ “

أزاح خصلة شعر عن وجهي ومسح بأطراف أصابعه بعض من دموعي .. نظر لعيني نظرة دافئة , ثم قام وفتح الخزانة .. كانت زجاجات متراصة  في قاع الخزانة مغطاة بقطعة قماش .. أزاح القماش عنها .. لم أشاهد مثلها إلا في بعض الأفلام العربية

” إنها ليست خطيرة .. لكنها مسألة تعود الناس هنا لن تفهم حاجتي لمثل تلك المشروبات وسيتهمونني بأبشع الاتهامات .. لأن المجتمع هنا يرفضها .. ويعتبر شاربها مجرم .. لكنها  طبيعية في المجتمع الآخر الذي أعيش به معظم أيامي حياتي  .. هناك يا سلمى عالم مفتوح لا قيود له “

شعرت بأن مصيبة كبيرة قد انهالت على رأسي وسقط معها قلبي إلى الهاوية .. كل حلم بنيته تكسر ..تحول فارس بلحظة إلى شخص غريب عني .. إنسان آخر لا أعرفه  .. كل ما عشته كان وهم بنيته من مخيلتي وهاهو يكسر القاعدة ويحلل المحرمات على أنه عالم من الكماليات  يتكلم ببساطة عن ما أعتبره خطيئة وليس لديه أدنى شعور بالذنب , خرج صوتي مرتجفا منكسرا

“هل تقصد بأنك مدمن كحول .. يا إلهي .. منذ متى يا فارس .. أخبرني منذ متى .. من قبل أن تتزوجني .. أليس كذلك ؟ “

هز برأسه وأمسك بي بكلتا يديه

” سلمى أنت إنسانة بريئة جدا .. لم تخرجي من غزة من قبل .. لا تعرفين كيف يعيش الناس خارج هذا المكان .. إن ما تعتبرينه كارثة هو تافه بعيون الآخرين عادي جدا .. أرجوك لا تضخمي الموضوع وتعطيه أكثر مما يستحق “

انقلبت حياتي منذ تلك اللحظة و تغيرت معها .. شرخ ما في داخلي .. انهارت صورة حسن جارنا تلك التي ألبستها لفارس عنوة ولم أدرك أنها كانت أكبر من حجمه بكثير .. هربت غيمتي إلى سماء أخرى غير سمائي وتركت لي الفراغ والحيرة .. صهيل الأسئلة يعلو في رأسي

إذن هو إنسان آخر يحمل عادات وأفكار أخرى ومقاييس الأخلاق تختلف بيننا , بعد أيام سأكتشف بأنني مجرد رقم بالنسبة له وسريره العفن يعج بمئات النساء, فلا ضوابط لديه ..

الأخلاق لا تتجزأ ولا تخضع لعرف أو مكان لا يسيطر على وجودها زمان نحن فقط من يختلق الأعذار لنبرر تصرفاتنا الواهية لأنها تخدم رغباتنا.. فارس بلا معنى

وقد حدث أن بات معظم لياليه تفوح منه رائحة خمر تذكرني دائما بحجم خيبتي .. وتجعلني أتأمل كم الأكاذيب التي غرقت بها مع حيوان لا يفكر إلا برغباته ولا يلهث إلا وراء لذاته وينساق من أجل المتعة .. يجلس على حافة سريري كل ليلة يحتسي خمر يذهب عقله ثم يبدأ بمغامرته الأخرى مع جسدي الجامد

أنا مجرد جسد يبكي على نفسه من القرف مع هذا الإنسان الذي لا أعرفه .. يهذي بكلمات لا أفهمها .. ينام ليستيقظ ناسيا كل ما حدث في الليلة الماضية..

أين أنت يا غيمتي ؟ أرى أمامي خراب جديد ..

ماذا سأطلق عليه , إنه الاستسلام !

يتبع

تعليقات على فيسبوك