الفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع

الفصل الخامس

الفصل السادس

7

تفيق ملاك من سباتها .. تكشف من تحت رموشها عن عيون ساحرة أتعبها إرهاق اللحظات الصعبة .. تعبها لم يمحي جمالها .. بي فضول لأعرف من هي وما هي قصتها؟ .. أبتسم لها  تنظر لي بذهول متسائلة … نظرات تنم عن حيرة شديدة لم أرى في حياتي وجه يحمل كل هذا الرعب والتساؤلات .. حتى خلتها رأت شبحا ما .. وبت أتمنى لو خرجت مسرعًا .. باحثًا عن مرآة في أي مكان من هذا المستشفى حتى لو تسولتها من نساء يجلسن بالخارج على العشب الأخضر .. لأرى ما رأت .. هل أنا مرعب لهذه الدرجة .. ملامحي قد تكون تغيرت مع السنين وكثرة التعب لكنها لم تصل لمرحلة تجعلها تنظر لي هذه النظرات ..أرتبك وأتلعثم , لا أعرف كيف أبدأ حديثي معها .. لكنها انتشلتني من حيرتي ..وبدأت هي بالكلام

” هل تبدو هكذا أشكالهم .. يا الهي .. لم أكن أعرف .. لو عرفت لبقيت هناك على الأرض “

لا أفهم ما تقول .. أظنها  جنت قد تكون صدمت رأسها بصخرة وها هي تهذي الآن, تتلفت حولها مذهولة .. طفلة خرجت من بيتها لأول مرة تستكشف المكان من حولها , تمسك رأسها وتبدأ بالبكاء

” أين أنا .. هل هذه مستشفى .. ماذا حدث ؟ “

أراها على وشك الانهيار .. أقترب منها .. أمسك يدها تنتفض مبتعدة .. وتنظر بارتياب , أبتعد عنها

” اهدأي يا عزيزتي .. أنت بخير .. أنا من أنقذك من الغرق .. وأنت الآن في مستشفى الشفاء لم يحدث لك شيء .. قليل من الإعياء .. يومين من الراحة وستعودين أفضل مما كنت “

تتحول المرأة الملاك .. لوحش  .. تكشر عن أنيابها.. تصرخ بي

”  انصرف  يا لعنة السماء من طلب منك أن تنقذني يا أيها الذئب يا وجه الغراب .. تريدونني فقط ضعيفة دون قرار ألم تر أني نزلت للماء بكامل إرادتي .. من قال لك أن تأتي وتنقذني .. آخر ما كنت أريده أن يأتي أحدهم ويعيدني لهذه الحياة البائسة .. ويكون رجل .. رجل مرة أخرى .. ألا تكفون أبدًا عن ملاحقة النساء .. ماذا تتوقع .. هل سأقوم وأقبل يدك على هذه الخدمة السوداء .. أم سأهديك ليلة تشرب بها وتأكل على مائدة جسدي كل ما تشتهيه .. اذهب من هنا لم أطلب مساعدتك ولا أريد رؤيتك “

تجتاحها حالة عصبية .. ما الذي يجعلني أتحمل غلاظتها وقلة أدبها .. توقعت فقط أن تقول شكرا لك على إنسانيتك .. يا لهزال أفكارها !

” لقد فعلت ما حتمه على واجبي الإنساني يا سيدتي .. ولست متسول على باب معبدك .. لأطلب طعام وشراب من جسدك ..يظهر أنك مررت بأوقات عصيبة ولذا أنا أعذرك .. وأغفر لك كلماتك في حقي ”

“لا أريد غفرانك .. بماذا يفيدني سخطك أو غفرانك .. لست سوى شبح مر في حياتي لأن لي حظ هو الأسوأ بين البشر “

مسكينة تلك المرأة .. زاد فضولي .. كيف وصلت أفكارها لهذا المستوى هي حتى لا تعرف من أنا !

أخذت تهذي بعد أن ألقت بنفسها متعبة على السرير .. مررت بحالة هذيان وأعرف كيف يكون الإنسان في هكذا وضع .. لذا تجاهلت كلماتها التي صفعت بها روحي .. تناسيتها .. ومشيت بخطى واثقة نحو إنسانيتي تجاهها

“هل تريدين أن أجلب لك شيء .. ماء أو طعام .. كيف تشعرين “

تنظر ناحيتي بإعياء شديد .. يرسم الإحباط لوحة الاستسلام على وجهها .. تختلط مشاعري نحوها ..

” لا أريد شيء .. انصرف فقط .. أريد أن أنام .. وأخرج من هنا  هيا”

أسامحها.. أشفق على ضعفها .. انها مذبوحة طفلة لقيطة رمتها الأزمان الغابرة  والتقطها أنا من الطريق .. أتعاطف معها وأحملها بين يدي وهي ترتجف .. أغطيها أربت عليها .. أسقيها هدوء محب .. أراقبها وهي تنام .. ينخلع قلبي .. وأصمم على عدم تركها أبدًا إلا وهي بكامل صحتها  لعله قرار نابع من معاناة مضت .. لعله إحساس نما داخلي منذ اللحظة التي توليت أمرها .. أو أن لضعفها سحر أثار رجولتي النائمة هناك فوق سطح بنايتي في غرفتي المظلمة ..

تلك الغرفة التي قررت الانتقال إليها والابتعاد عن كل ما له صلة بي .. يوم خرجت من المستشفى أهذي وأحوم .. يوم استوطنتني الأشباح  وبدأ كل شيء في مخيلتي يتغير .. رميت فرشاتي وألواني .. لم تكن لي رغبة فيهم .. تنتابني حالات مفاجئة  أشباح مرسومة بعيني .. أشكال غريبة تحوم في عقلي تدق سماء أفكاري .. طاقة كبيرة تفتح في العدم ..أرى نورًا يشع أمامي ثم ينطفئ فجأة

قطط  سوداء بعيون لامعة تنام في سريري تموء طوال الليل أبعدها عني كل ما بي ينتفض ذعرا .. تسري قشعريرة في بدني يتخلى عني جسدي .. لا أشعر بيدي أين هي أبحث عنها أجدها بصعوبة .. لا أستطيع التحكم بها لكنني أصمم على طرد تلك القطط عني .. أدفعها .. تنشب مخالبها في جلدي .. أصرخ مستنجدا

” اطردي القطط يا أمي ..” أصرخ ..أصرخ ..

يندفع الدم أحمر ساخنا .. تموء القطط بعيونها الحمراء الملتهبة .. أتألم .. أصرخ بصوت أعلى ..أبكي بجنون .. وأستغيث , تأتي أمي فزعة ..

” بسم الله الرحمن الرحيم .. ماذا حدث لك يا ولدي ..”

أشير لها على القطط

” أبعديهم عني يا أمي … أبعديهم إنهم يلعقون دمي ..يشربونه .. يسخرون مني “

تجلس أمي بجانبي .. تضع يدها على رأسي .. وتبدأ بقراءة المعوذات .. التصق بها مرتجفًا  وبعد أن تنتهي لا تذهب القطط بل تنظر لي بوقاحة, أصرخ مرة أخرى

” أبعديهم .. هاتي الدواء .. امسحي دمي “

تنظر لي أمي مستغربة

“يظهر انك كنت تعاني كابوس مر يا ولدي .. لا قطط في الغرفة .. ويدك بخير “

” كيف تقولين هذا الكلام .. ألا ترين .. انظري يدي .. انظري غرفتي تغرق بدمي .. وهذه القطط النتنة القذرة .. ألا تعرفين رحمة .. تتركين ابنك هكذا .. يعاني وحده .. حتى أنت يا أمي .. حتى أنت “

 ينبت الشوك في أطرافي .. أشعر بالقوة أقف في منتصف السرير وأصرخ

” سأنتصر عليكم .. ها هي شوكتي الكبيرة ظهرت .. سأغزوكم قطة تلو الأخرى .. واستمتع بانتقامي .. أسمع صراخكم ومواءهم .. قطط قذرة .. قطط نتنة “

تبكي أمي وتنادي على والدي مستغيثة

أسمع فحيح القطط .. نظراتها شيطانية .. تستعد لمجابهتي .. اقفز عن سريري وابدأ بضربها وأنا أصرخ  ” سأنتصر عليكم “

أظل على حالي حتى ينال مني التعب فأسقط مغشيا على

وحين أستيقظ أعود إنسان طبيعي أجلس مع الناس أتحدث معهم .. لكن يسكنني هاجس قاتل أنهم جميعا يراقبونني .. يريدون إزعاجي .. الكل يكرهني .. وأنا حذر جدا

أشاهد مع عائلتي  التلفاز أتابع معهم فيلما قديما .. البطل يهيم في الشوارع يغني لحبيبته التي تركته ورحلت .. أتذكر وجه حبيبتي الملائكي وابتسامتها العذبة .. لكن وجهها يتغير فجأة يصبح رمادي شنيع ..أقوم وأهب تخرج أفاعي من تحتي .. تجري أمامي .. أصرخ أطلب منهم أن يقضوا عليها .. أبحث عن أداة أضربها بها لكنها تهرب وتختفي .. أقف مذهولا محتارا , بكي أمي بحرقة ويقرر أبي أن يأخذني للشيخ صديقه .. يخاطب أمي ليقنعها بفكرته وأنا هنا موجود وغير موجود

” ابنك يسكن جسده جني .. يوم ضرب على رأسه بالعصا سكنه هذا الجني اللعين .. يجب أن نأخذه للشيخ .. يخرجه من جسده فيعود كما كان “

أرفض الذهاب لشيخ ..  أرفض أن يأخذوا قرارات عني ..ولا أعترف بما يقولون .. لكنني تعبت مع الوقت من المقاومة.. أشعر بوجع ما داخل روحي

نظرات أبي الحزينة وبكاء أمي المستمر جعلني أوافق أخيرا .. قد أجد ما يهدئ نفسي ويبعد هذه المخلوقات والصور عن رأسي , تجربتي مع الشيخ كان جزء منها ممتع .. سمعته يقرأ القران على جسدي ويصرخ

“اخرج اخرج من هنا ”

كنت لا انتبه لكلامه .. استمع فقط للآيات القرآنية كأنني اسمعها للمرة الأولى .. يفككها عقلي يبدأ بترتيب حروفها وكلماتها ..تحليلها وربطها بما نعيش به ..تضئ مكان مظلم داخلي ..

وحين وصل الشيخ إلى قمة يأسه معي وضعني في غرفة مغلقة .. أحضر عصا كبيرة وبدأ بضربي وهو يصرخ .. اخرج من جسده .. لقد أقنع والدي بأنه لا يضربني إنما يضرب ذلك الجني الذي يسكنني … ما الذي يحدث لي .. فرج الفنان المثقف يضرب بالعصا وبقسوة مفرطة .. تنزل العصا على جسدي وفي كل مرة كانت تقتل داخلي شيء .. تهرب مني آدميتي .. تكثر الصور بداخلي أراها واضحة تلك الوجوه المقززة الساخرة ..  تزداد سخريتها ويزداد ألمي

وهو لا يزال يضرب … أصرخ به أن يتركني ويرحم ضعفي ومذلتي .. لكنه مصمم على إخراج الجني من جسدي .. كلما استمر بالضرب أكثر  تعب جسدي وزادت الصور بلاهة وشراسة تختلط المشاهد في عقلي أفقد إحساسي بالزمن ..أنسى لم جئت إلى هنا .. يرفضني هذا الجسد , تسيطر على فكرة واحدة كيف أهجم على هذا الشيخ وأضربه وقبل أن أتذكر أين نسيت أقدامي ..وأين تاهت يداي .. تتسرب الروح لنقطة ما في جسدي المنهك وأتوقف عن الإحساس والرؤية .. أسمع فقط

“يحتاج لأكثر من جلسة علاج .. يلبسه جني كافر عنيد “

يبكي قلبي .. تتنهد أجزائي وتنتفض .. استسلم .. أفتح عيوني .. أنا جثة ملقاة على الأرض وحولي أقدام لأناس عملاقة تقتلني ببطء .. أنظر لسقف الغرفة البعيد .. معلق به مصباح واحد يبث نور يسقط على عيني .. أركز نظري عليه .. حتى يتحول كل ما حولي للون أسود وأبقى وحدي أنا والمصباح وشرارة الضوء البعيد

أحدث المصباح وأنا في سباتي أخبره أن  كل العالم تآمر على .. أصمم على أن اترك هذا العالم بكآبته ولا إنسانيته بوجوهه المشوهة .. وأبقى بعيدا وحدي .. أهذي

” لا أريدك أيها الكوكب بما عليك .. سأكون أنا سيد نفسي وسيد أشباحي .. سأنتصر على جني عنيد كافر سكنني .. وأرمي بخزعبلاتك إلى سلة مهملاتي ..سأنتصر لذاتي ولكينونتي .. أعرف كيف أسيطر على تلك الصور .. سأكون أنا علاج نفسي .. سأسكن حتى أرمم ما تصدع من الروح .. حتى يعيش مرة أخرى هذا الجسد المنهك ”

كعجوز في آخر أيامه .. أفقد كل اهتماماتي تصبح بلا جدوى .. أتكأ على عصا الفراغ ..تجاعيد تنمو داخلي .. أشيخ فجأة ويضيق صدري .. لا متسع لهواء جديد من هذا المكان , دمعة معلقة داخل عيني ترفض الرجوع لمسكنها وترفض الهطول .. ألملم ما بقى مني وأرحل وسط هذيانات أمي واعتراض أبي .. أتخلى عن كل شيء .. أريد أن أبقى وحيدا أمارس طقوس جنوني وتعاستي دون جن أو عفاريت يسكنوني إياها مرغما

يتهادى أمامي وجه حبيبتي الباسم .. ينبض حياة .. ما ذنبها لأورثها خيبتي وجنوني .. كل الأيام بانتظارها ربيعا مشرقا وأنا اختارني خريف لأكون بيته ومسكنه الأزلي

أتصل بحبيبتي وأخبرها أننا لن نكمل الطريق سويا .. لا أريد أن اخذلها .. يكفيني ما تراكم داخلي من ذل وخيبة , أسمع صوت نحيبها ..

“أرجوك يا فرج لا تتسرع .. سأبقى بجانبك حتى آخر العمر .. إنه حدث عارض وسينتهي .. لم تنهي كل ما بيننا بوسعنا الاستمرار معا “

تتراقص أمامي صور أشباحي المستفزة ,, صوت الشيخ وأنا على أرض الغرفة تحت قدميه أتشنج وأرتجف .. كم من المرات ستتحملين مشاهدتي في مثل هذه المواقف أو كم من المرات ستوافق رجولتي ..

“كوني بخير ! “

أغلق الخط .. وأذهب للبحث عن مأوى لروحي وروحي فقط !

يتبع

تعليقات على فيسبوك