الفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع

الفصل الخامس

6

رائحة المستشفى من أكثر الأشياء التي كرهتها في حياتي . كل ما له علاقة بالأدوية لا أحبه ..

أفتح عيناي .. ما الذي أتى برائحة مستشفى في المكان الذي غصت فيه وحلمت أنني سأذهب إليه

الملائكة تحاول ترميم روحي ..

لكن نفس الرجل بملامحه الكئيبة تطاردني كلما حاولت التعرف على الحياة الأخرى .. تذهب صورته رويدا رويدا .. تبتعد …

 رائحة المستشفى ..

أسمع صراخها .. أول صرخة مع أول نفس .. ذهولي لما يحدث .. طفلة تخرج مني .. عاشت في رحمي .. تنفست أنفاسي وتغذت من دمي .. إنها اللحظة الأكثر سعادة .. والشعور الذي لن تختبره أبدا إلا إذا مررت به ..

لذة الوجع !

 انه أقسى أوجاعي وأفظع آلامي .. لكنه يشعرني بلذة امتلاكي لطفلتي .. هي جزء مني وروح أخرى خرجت من روحي ..

هي اللحظة التي شعرت بحبي لأمي .. كم هي عظيمة تلك المرأة .. مرت بكل هذا كي تنجبني

أبحث عن زوجي .. نسيت أنه غير موجود .. نسيت بأنني لم أره سوى بضع مرات فقط , أختزل اللحظات الجميلة شوقًا وحنينًا  إليه , كم كنت بحاجته ؟

أتذكر يوم جاء لخطبتي .. كنت قد توقفت عن الدراسة منذ مدة .. وبدأت أشعر بنضوج جسدي .. كل من حولي كانوا يقولون لأمي

” ما شاء الله .. كبرت .. أصبحت عروس “

أسمع أمي تتحدث مع أبي

” العين على ابنتك .. الكل يريد خطبتها .. لا أحد يقتنع بأنها لا تزال صغيرة .. ماذا سيفعلون ببنت 15 سنة ” وتضحك

تجلس أمي مع أم إلياس أسمعها

” يخطبونها .. وهي لا تزال تمتلك عقلا كالحائط .. لا تعرف حتى تحمل مسئولية نفسها .. لا تعرف تنظيف البيت ولا الطبخ .. أيعقل أن أزوجها ؟”

يكبر إحساسي .. خطبة .. رجل في حياتي .. أكون ملك له وهو ملك لي .. يداعبني إحساس فطري جميل ورغبة خفية .. أحبها

شعرت بها من قبل يوم كنت مع أمي في السوق ورآني قريب لها .. سلم على .. رأيت في عينيه نظرة إعجاب.. قلبي يقفز فرحًا وينبض بشدة  .. اختبأت خلف أنوثتي فازددت توهجًا

عدت يومها للبيت أغلقت خلفي الباب وتعلقت فوق غيمة .. كانت تصاحبني غيمتي كثيرا كلما تملكني إحساس ممتع .. أغفو عليها وتأخذني إلى عالم الحلم .. أنصب نفسي أميرة على الكون وأبدأ برسم كل ما أشتهي من بياضها فيتحول لحقيقة .. إحساس جديد اختبره للمرة الأولى .. يخطفني من نفسي وأتوه معه أنام فوق غيمتي ..أحلم به .. أختلي بنفسي لأتذكر لمسته .. يبتسم نبضي .. يتهلل دمي الثائر في عروقي .. علمت أن سبب سعادتي هو رجل !

يتوافد الخاطبين على بيتنا .. أبي يشجع زواجي .

” فلتتزوج من قال بإنها صغيرة إنها مكتملة الأنوثة .. ماذا ستفعل هل سنضعها في مرطبان ونخللها .. لم تفلح في تعليم .. مصيرها معروف الزواج .. فلما التأخير إن أتى رجل مناسب فعلى بركة الله “

أسمعه وأشعر ببهجة تملأني .. أريد الزواج فعلًا .. سأهطل من  غيمتي لأعيش أحلام حقيقية .. أحلم بهذا اليوم الذي يحتويني به رجل وأصبح ملكة على عرش حياته .. يصبح حضني الدافئ

كلما تقدم أحد لخطبتي كنت أرفضه .. أريد فارس أحلامي كجارنا حسن .. طويل بملامح شرقية  أريده بطل .. أزهو لمجرد كوني زوجته

أنظر من ثقب الباب كلما أتى أحدهم وأقرر من النظرة الأولى .. سأرفضه .. لا مكان له فوق غيمة سعادتي  ..

إلى أن أتى فارس كان طويل بملامح شرقية .. قوي البنية .. عذب الابتسامة .. أحببته من اللحظة الأولى ..

اختلست السمع لصوته الرجولي الدافئ .. قدمت القهوة ونظرت ناحيته .. ارتجف قلبي .. رجولته جذبتني .. سأوافق عليه عندما يسألوني كالعادة عن رأيي .. سأوافق عليه بالتأكيد

حين خرج من بيتنا هو وأهله .. انتظرت بغرفتي حتى يأتيني والدي ويعرض على مميزاته ويقول لي جملته الشهيرة

” لا إكراه بالزواج .. ما رأيك؟  ”

أكيد سيتوقع رفضي لكنني سأحرك له رأسي موافقة وأنا اصطنع الخجل !

سأرتبط برجل أحلامي ..سأهرب من بيتي من سيطرة أمي .. من غضبها  ويصبح لي مملكة خاصة بي وحدي دون أوامرها

طال انتظاري لم يأت أبي ولم يسألني أحد .. وبقيت أتقلب على جمرات الانتظار .. وأتساءل مع نفسي لما تأخر هذه المرة ؟

هاج بي الظن ومزقتني التساؤلات .. الانتظار هو أول فتيل الاحتراق ..أخبث الأحاسيس يشعلك بصمت ويفجر براكينك .. تمتزج انفعالاتك بصراخ خافت .. يأكل أجزاؤك كدودة تستمتع بأكل ورقة شجر .. لا ينسحب حتى تهترئ أعصابك .. فتأمر عقلك بأن ينام لو مؤقتا رحمة بك وبوجعك

 حين استيقظت .. عشت انتظارًا آخر .. كلما سمعت صوت أبي تخيلت أنه سيأتي ويسألني لكنني أعيش انتظارا أسوأ..

 ماذا لو لم يوافق أبي عليه .. أو أقنعته أمي بعدم تزويجي إياه .. هل سأستسلم ؟

بالطبع لا ، سأكون شخصية أخرى .. سأقف بوجه أمي وجبروتها هذه المرة .. لن أتنازل عن حلمي مهما كلفني الأمر .

بعد طول انتظار وتفكير ، جاءت أمي هذه المرة .. يرتسم على وجهها تصميم .. تتدحرج الكلمات على شفاهها المغلقة .. أنظر لها بشغف

” سلمى أقترح أن توافقي على ابن خالتك .. شاب مؤدب .. عمله جيد وله بيت مستقل بعيد عن أبويه .. أراه أحسن من تقدم لك “

استمع لها بصمت :

وماذا عن فارس .. لم لم تسألني رأيي ولماذا أتت هي هذه المرة وليس أبي كما كل مرة ..

 أين أنت يا أبي .. تعال لتنقذني .. ألملم نفسي .. يجب أن أرد عليها لن أتركها تختار لي من سيكون زوجي .. يكفيها ما اختارته لي منذ خلقت إلى الآن .. أشجع نفسي لمواجهتها .. تتلعثم الكلمات في فمي أحاول أن أجعلها تبدو قوية ومؤثرة :

” لا أحبه .. أشعر بأنه إنسان تافه “

تغضب .. وتبدأ بالصراخ ..  عروق رقبتها نافرة وعيناها تبرقان .. يجف حلقي وأرتعب .. أما آن لها أن تكف عن ما تفعله كلما غضبت .. تحول لحظاتي لجحيم ..

“لا تحبيه !  منذ متى وأنت تعرفين الحب .. هذه قلة أدب ووقاحة .. لم أربيك لتقولي لا أحبه وأحبه .. أنا اعرف مصلحتك أكثر منك .. لا زلت صغيرة .. وليس من المفروض أن تناقشي مثل هذه الأمور .. ماذا تعرفين عن الحياة ومصائبها .. أجيبيني  “

تمتلئ عيناي بدموع القهر .. لا أجرؤ على الرد أو النظر إليها

يدخل أبي ليهدئ من روعها قبل أن تهجم على وتبدأ بضربي

” لا تجبريها .. اتركيها تختار من تريد الزواج منه “

يحتضنني .. تخرج أمي ويجلس بجانبي ..

” لن يفسدها غيرك .. ستخيب خيبتي .. لا تعرف مصلحتها “

يهز أبي رأسه .. يتجاهلها مع ابتعاد صوتها .. يربت على

” اسمعي يا سلمى لن أزوجك رجل لا تريديه .. من ستوافقين عليه بكامل إرادتك فقط هو من سيكون زوجك .. لا تخافي من أحد .. هذا وعد مني “

يطبع قبلة على جبيني .. ويقف يستعد للخروج .. يا لطيبته .. لن يخرج قبل أن أخبره

” أبي … ماذا عن الشاب فارس .. لم تسألني عنه كباقي من أتوا لخطبتي ؟ “

يستغرب أبي سؤالي يصمت قليلا كأنه يفكر بإجابة مناسبة

” رأيت أنه غير مناسب يا ابنتي .. لن تكوني سعيدة معه ..  “

” لكنك قلت بأنك ستزوجني لمن اختاره بنفسي “

” هل تقصدين أنه أعجبك .. ولما هو بالذات ؟.. أتعلمين ماذا يعمل هو عامل في مطعم داخل فلسطين المحتلة  .. ويعيش مع والدته وأخوه لا يملك بيت .. لن تتحملي العيش معه “

يستدير ليخرج ويتركني أصارع أفكاري .. تمر سريعة بسرعة البرق .. هو فارس أحلامي هو حسن جارنا البطل خارج لتوه من  رواياتي..هو شريك غيمتي الوحيد .. وهذه فرصتي إن لم أستغلها لن يكون لي .. لن أستسلم وأهرب كعادتي .. أتردد ثم أتشجع.. أبي طيب وسيستمع لي بكل حب لما الخوف ؟

” أبي .. لكنه أعجبني .. هو الوحيد من بين من تقدموا لخطبتي أعجبني “

يرتسم عدم الرضا على وجه والدي .. لكنه لا يرد .. يتركني لحيرتي

 ويمضي …

صراعات يومية .. أمي ترفض وأبي يقنعها ..

“هذه إرادتها .. لسنا أصحاب سلطة عليها سوى بالنصيحة .. “

“لا تزال صغيرة .. ماذا ستطعم وتلبس أطفالها .. حب وإعجاب .. أتاها من هو أفضل.. لا تعرف مصلحة نفسها .. سأقتلها ولن تتزوج من هذا الشاب  “

وما بين شد وجذب وصراخ وهتاف ومواعظ وبكاء وتكرار زيارات أم فارس لنا لإقناعنا بابنها

تم الموافقة على الزواج رغم اعتراض أمي وصراخها حتى آخر لحظة !

شوارع غزة الكئيبة المغبرة الشاحبة .. ترقص سعادة .. تعزف ألحان صاخبة .. تغتسل بالنور

كل من يسكنها خرج للشوارع .. يطبلون يرقصون .. يسكنني فرح يغرق قلبي ببهجة ظننت أنها أبدية من شدة انفعالي

مزامير .. أعلام فلسطين فوق كل بيت يتمرد أخيرًا ويرفرف بحرية ..  لكم استشهد شباب لمجرد رفع هذا العلم .. كم رفعناه يرفرف في قلوبنا دون أن نفعلها على أرض الواقع

لا أحد يعلم روعة مشاهدة شموخ هذا العلم الذي قامت عليه حروب يومية وهو يمتطي صهوة الجو ويعلن نفسه رمزا لأناس من كثرة التعب ظنوا أن لا فرح سيدق أبوابهم أبدا !

أبي ينادي على لأجهز نفسي سيأخذني في جولة مع شوارع غزة سأرى الناس تبتسم .. تقفز قلوبهم وتنثر عطرها في سماء بلد الغبار لتمسح الهم عن جبينها .. وتعدها بحقل زهور بحجمها وأكبر

“اليوم عرس غزة يا سلمى .. وبعد أيام عرسك .. لم أعشق منظر أكثر من منظر ياسر عرفات وهو يقبل أرض غزة “

“هل سنسهر على البحر يا أبي دون قيود .. سنراه بالليل مع العتمة .. دون زرقته “

يرد أبي متهللًا :

“لقد ذهبوا دون رجعة .. لن نراهم في شوارعنا ولا فوق أسطح بيوتنا .. لا تفتيش .. لا رعب وقتل ولا حظر تجول كل شيء هنا أصبح لنا وسنسهر على البحر يا سلمى , غزة حرة أخيرا “

لا أصدق بأنني سأخرج للشارع دون خوف دون أن أصادف دورية إسرائيلية تمشي بجانبي أو أرى شبح الجندي الذي لعب معي لعبة الموت .. بأنني سأنام الليالي باطمئنان دون أن أتوقع دقات ليلية على بابنا لتفتيش منزلنا .. سأخرج بالليل دون فرض لمنع تجول يومي من المغرب حتى الصباح ..  لم يخذلني ياسر عرفات كغيره .. ليتني اخترت زوجي يشبهه ..لو كان أتى باكرًا قليلا !

أتخيل غزة بعد التغيير كيف سيزهر كل ما بها .. كالعنقاء من رماد أيامنا تبعث ..تشتعل بالأغاني وتنسى الحزن والكبت والخوف .. تلبس ثوبا جديدا مطرزا بضحكات الأطفال .. للحرية طعم آخر حين تخرج من قفص معتم .. لغابة من نور

يسير أبي بسيارته أحلم بعرسي القادم  سيكون بطعم الحرية .. أنا محظوظة كل غزة تحتفل بيوم زفافي ..

أستبشر خيرا ..

يباغتني سؤال .. أشم رائحة حنين لشئ ما في داخلي .. كلما فرحت زادت رائحته شدة ..

” متى سنعود ليافا يا أبي ؟”

يتفاجأ أبي من السؤال

“مذبوحون نحن يا سلمى .. لا مكان للتساؤلات .. عطشى للحظات فرح .. دعينا نعيشها .. لا تثيري أحزاني الآن .. أرجوك “

شيء ما في نظرات أبي يجعلني أحزن .. وشئ آخر يجعلني أصمت .. 

فعلا .. يكفينا حزن .. فلنعش اللحظة .. ونرسم الابتسامة الضائعة .. حتى لو كانت قيمتها لحظة

للحظة في حياة من هم مثلنا قيمة سنين .. نحن فقط من ندرك قيمة لحظة الفرح

ترتسم ابتسامة على شفتي .. أغرق في تأمل ترانيم الشوارع !

يتبع

تعليقات على فيسبوك