4

جسدي خارج دائرة إدراكي, وصلت للحياة الأخرى أم تعلقت ما بين أرض وسماء, صور مشوشة تجتاح عقلي, رجل أراه كلما فتحت أعيني لا أعرفه, لكنه قريب أشعر بلمسته .. بأنفاسه .. أين أنا ؟!

ترسم صور في ذاكرتي .. أسافر معها

فزع ليلي حدث لي أكثر من مرة, تلمع عيناه في ظلمات روحي, أغوص معه في مستنقع الكلمات البذيئة , شبح يجرني في دوامة باردة, تتصلب أطرافي ، يسجد قلبي طالبا الرحمة

أتخبط ..!

أشياء صلبة تطرق رأسي,  تهدم أعصابي تسحبني بقسوة, أصرخ بصوت لا يسمعه غيري

أستجديه رحمة لا تعنيه .. لا يسمعها .. يستمر في جري, يشنق شعري.. أتأوه ألما

أنتفض ..!

يتسرب الضوء الخافت في عتمتي, تقتلع جذور شعري .. أقف صارخة أمام كومة من زجاج وأشم رائحة صابون

يغطيني نور مع ألم في الرأس وأنحاء جسدي المنهك الذي يحاول بدوره تحليل ما يحدث بعد أن أفاقت نصف أجزائي متكاسلة وبقي النصف الآخر نائم في كابوسه المتكرر

أبصرها ..!

عيناها غاضبتان, صوت متقطع يأتي من داخل دوامة أحلامي, يصرخ محاولا إيقاظ نصفي الآخر

“نظفيه .. كيف تجرؤين على النوم دون تنظيف المطبخ .. سيأكل الناس وجهي حين تكبرين ويقولون أنني أهديتهم عروس نتنة قذرة “

ارتعش.!

تسقط من عيني دمعة مخنوقة .. تتحشرج أنفاسي, هو ليس كابوسا إذًا ولا دوار حلم .. هي أمي تجرني وأنا نائمة بعد منتصف الليل, تلف شعري الطويل على يدها، تسحبني في ممر البيت الواصل بين غرفتي والمطبخ, لأنني نمت قبل تنظيفه , وهذا بيتي الذي لطالما فكرت في الهرب منه

لم أوافق على هبوطي الاضطراري من رأسي حين كنت أسكن رحم امرأة تزعجني في صحوي ومنامي, أقبع في جوفها المظلم بانتظار وضع بصماتي الأولى فيما يسمى الحياة

هبطت ببطء يؤلمها من قدمي اليسرى، ثم اليمنى .. كأرنب عجوز مسلوخ صرخ من شدة الفزع استغرب ما حوله

لم أعرف ما الحكمة الإلهية في وجودي بمدينة الغبار تلك.. كنت  أرفضها دوما كانت غزة في خاصرتي تؤلمني كلما ضحكت أو تكلمت لذا كنت دائمة العبوس والصمت

وإن كانت غزة مدينة مرسومة في لوحة عتيقة أعلقها داخل عقلي كل لحظات حياتي, فأمي لوحة المتناقضات صارخة الألوان انفجرت في وجهي وغطت ملامحي حتى أنني كنت أراها في مرآتي بملامحها الصارمة وقسوتها النازقة وعينيها اللتين لطالما برقتا لي في ظلمات كوابيسي

لا أدري من كنت أكره أكثر تلك المدينة.. أم قسوة امرأة جعلتها ظروف خارجة عن إرادتي أمي!

سكنت في طفولتي بشارع قديم رملي في حي الزيتون القابع في الخاصرة اليمنى لمدينة غزة.. شارع باهت بلا لون يكسوه الغبار ورائحة عجلات سيارات محترقة.. البيوت متلاصقة قديمة.. للناس عادات غريبة عني وعن عائلتي.. لم تكن أمي تسمح لي أو لأي من إخوتي الثلاثة بالاختلاط بهم.. أو مصاحبة فتيات الجيران.. نعيش العزلة بمجتمع خاص بنا داخل منزلنا فقط

 مصنع للحجارة  زرع في منتصف الشارع مقابل بيتي.. كان يصرخ كل يوم عند الفجر يزعج نومي متناسٍ وجود بشر تسكن هذه السجون الإسمنتية.. لكن انزعاجي لم يدم طويلا فقد تعودت على صوته مع الوقت حتى أنني أصبحت لا أعرف النوم في إجازته واستيقظ في ميعاد صراخه أستغرب الهدوء

الناس هنا بسطاء لطفاء جدا !

لكنهم مثقلون بالفراغ والجهل, غرقوا بالثرثرة والحسد يراقبون بعضهم بعضا

لا وجه للشارع فهو جزء من مدينة الغبار التي بلا ملامح.. أمشي به ينظرون لي كأنني كائن فضائي هبط من السماء ويبدأون بتفحصي, أسمعهم يتهامسون

“هادي بنت المرا المسيحية إلى سكنوا بالعمارة “

لم أكن ابنة السيدة المسيحية ولكنني سكنت عمارة مكونة من ثلاث طوابق وهي الأطول في الشارع ووجهه الحضاري وعنوان المكان وجماله.. وفي آخر طوابقها سكنت جارتنا أم إلياس المسيحية  واستمروا بمناداتي بابنة المسيحية لأسباب لم أعرفها

سألت أمي : لما ينظرون الناس لي هكذا في الشارع ؟ “

” الله يسامح من رمى بنا هنا.. لم يكن هذا المكان لنا ! ”

كانت أمي ناقمة لأنها انتقلت من مكان راقي لأكثر الأماكن شعبية في غزة.. لكنها مصرة دومًا على أن تعيش الحياة بطريقتها بغض النظر عن الظروف والمكان.. كانت ساخطة على شخصية أبي المستسلمة الذي مل مفاجآت الحياة.. ولم تجد مكانا تفرغ فيه كآبتها سوى أجسادنا الصغيرة

أوصتني أن لا أحدث  أحد بالشارع في ذهابي وإيابي من المدرسة.. أسير دائما وحدي دون أصدقاء أتأمل  صحف الفقراء, شوارعنا بجدرانها المخربشة

“إضراب شامل يوم الاثنين القيادة الموحدة  ”

” تصفية العميل فلان “

“المجد والخلود لشهدائنا الأبرار “

” لجان المقاومة الشعبية تنعي الشهيد البطل “

ملثمون يكتبون على الجدران, يأتون دائما في أوقات الصباح أو المساء بعيدًا عن الزحام وأعين  جيش  الاحتلال

أطفال بملابس متسخة ووجوه مغبرة يلعبون في الشارع بخليط الماء والرمل.. لم أجرب هذه اللعبة من قبل أظنها ممتعة  !

أتذكر أمي ..

تموء قطة بجانبي ..

أهرب إلى داخلي.. وأسرع بخطوات مرتبكة ..

كم أكره القطط !

الشارع يكون أقصر حين يوصلني أبي.. اليوم هو طويل بلا نهاية.. ألتهمه بخطواتي فيلتهمني بخوفي.. لا أحب الدراسة أكره الروتين وحشو المعلومات.. لم أكن لأستجيب.. لكنني كنت أحب قراءة الروايات أعيش في عالمها تدوخني قصص لا أعيشها إلا في خيالي.. أهرب من واقعي.. أتقمص كل شخصية

في مدرستي أنا فقط نقطة زرقاء في شلال الطلاب.. ولست سوى نقطة.. تجلس بجوار جدار بارد تستمع لأحاديث عقلها.. ترفض أن تصبح أكثر من نقطة حتى لو كان باستطاعتها ذلك

العودة للبيت تختلف قليلًا.. قد أجد مفاجأة بانتظاري في الطريق.. عجلات سيارة تهب نارًا ويخرج دخانها يخنقني برائحته ويعمي عيني.. يحول لون تراب الشارع إلى الأسود.. أو سيارة عسكرية لجيش الاحتلال  يقذفها الطلاب بالحجارة.. فيرموننا بدورهم بقنابل مسيلة للدموع.. وهي أكثر ما كرهت على الإطلاق تخنقني وتحرق حلقي.. هي تجربة موت يومية

ابتعد عنها لا أحب التدخل بالمشاكل أفكر فقط كيف سأصل للمنزل بسلام

وقد أحشر رغما عني في مظاهرة لا أعلم سببها.. لكنها دائما ضد الاحتلال.. أرى الأمهات تجري في شارع المدرسة تسأل عن أولادها.. خوفا من أن يصيبهم مكروه في هذا الجو المشحون

أعود دائما متعبة.. متعبة من الشارع.. من الجو الملوث.. من خوفي.. وأدخل إلى بيتي باحثة عن راحة لا أجدها.. أمي دائمة الصراخ.. دائمة التذمر لم أرها تضحك إلا مع جارتنا أم إلياس في جلساتهما القليلة ..

لم يكن لي أصدقاء غير ابنها إلياس بعد موافقة والدتي على حسن أخلاقه وتربيته ومنحنا صك غفران للسماح لنا باعتماده صديق

كان إلياس فتى نهم يحب قراءة الروايات والأدب فسعدت بصحبته وأخذت منه هذه الخصلة الجميلة أصبحت أهتم بالقراءة وكنا نتسابق من يقرأ أكثر من الآخر.. وأنا  بدوري كنت أقوم بتحفيظه بعض سور القرآن.. وأعلمه كيف يصوم رمضان  وهو يمدني بالروايات

وكنت أسرد حكاية الرواية لأبي بسرعة جنونية  وأحاول تقليده في سرد الحكايات

كان أبي باسم الثغر طيب القلب حنون يهون على مرارة الحياة..  أبي رجل غامض لا تستطيع أن تعرف متى يكون حزين ومتى تملأه السعادة.. لكنه الوجه المضئ في حياتي.. أحب النظر إليه بابتسامته الحزينة.. يقص علينا القصص في الليالي يجمعنا على ضوء شمعة يحكي لنا بطريقته المشوقة, يغير صوته عند كل شخصية يضحك يبكي يصرخ, هو مسرح كامل الشخصيات والانفعالات.. وهو السد المنيع اختبأ خلفه حين تغضب أمي فيحميني من براكين غضبها وحمم انفعالاتها

انظر له وأحلم أن أصبح طوله يوما.. فهو يستطيع أن يصل علبة شكولاتة “السلفانا” التي تخبئها أمي في أعلى خزانتها دون الحاجة إلى استخدام الحيل والكراسي..

نستيقظ  فزعين في كثير من الليالي على صوت جيش الاحتلال وهو يطرق باب جارنا حسن لاعتقاله كان مقاوم فلسطيني وكانت أمي تحترمه وعندما تعلم بوجوده تعطيني صينية طعام معدة بعناية لأذهب وأقدمها له هدية.. أدق الباب وأنتظر أن يفتح لي مارد الحكايات القديمة .. هو بطل قد خرج لتوه من رواية بملامحه وصلابته اسمع أمي تقول عنه

” هو وأمثاله أملنا الوحيد كي نعود إلى يافا .. هؤلاء أبطال يدافعون بدمهم عنا “

ما أثار استغرابي رفضه لطعام جارتنا أم إلياس فقد كان دائما يرجعه معي ويرفض تناوله.. كنت أخجل من جارتنا فأعطي الصينية لأمي وأسألها عن سبب رفضه.. كانت تهز برأسها مبتسمة وتطلب مني عدم إخبار جارتنا حتى لا أؤذي مشاعرها.. أسمعها تتمتم :

” الله يهديه.. لما كل هذا التعصب “

لا يعنيني كلامها لازال بطلي المفضل !

كنت ارسم كل بطل رواية أقرأها بشكل جارنا حسن.. وصممت على أن أتزوج برجل مثله حين أكبر.. لأن الأولاد في سني لم يكونوا بجماله وطوله وقوته.. وأبي أيضا لم يكن بطل مثله

كان حسن حلم يداعبني منذ صغري.. وظللت أبحث عنه حتى مل البحث مني

ينضج الجسد سريعًا.. وتلحقه الروح بأحلامها وأمنياتها.. نكتشف الحياة ببطء كأننا استيقظنا لتونا من نومنا عن حلم جميل ووجدنا الضباب يحيط بنا ثم يبدأ ينقشع رويدًا رويدا.. حتى تظهر الحقائق ننزع رداء طفولتنا ونلبس رداء الوضوح والمعرفة والتجربة..

تعطينا الحياة وجهها الحقيقي, بألوانها الكثيرة, نظنها في طفولتنا بلون واحد..

كان الخوف الأكبر في أول مواجهة مع الحياة يوم بعث صدام حسين الرئيس العراقي بصواريخه رسائل لإسرائيل لم أكن قد سمعت عنه من قبل.. لكن اسمه يتردد مع كل صاروخ وتكبيرات الأهالي وهي تشعر بالبهجة..

سيطر على البيت مع  صواريخ صدام فزع من حرب كيماوية قادمة.. ألصقوا كل الشبابيك وغطوها بالنايلون خوفا من تسرب الكيماوي.. حشرتنا أمي في غرفة تعتقد أنها الأكثر أمان لأنها محشورة بين عمارتين.. كانت تجهز الطعام والبيض المسلوق والخبز و الزعتر في الغرفة استعدادًا لجلوسنا أيام في داخل الغرفة لو حدثت الحرب

أصحو ليلًا أراها تبكي وأبي يواسيها

تتنهد بحسرة..

” يريدون أن أجهز أكياس نايلون كبيرة سوداء.. يجب أن نرمي أي طفل يموت من الكيماوي نلفه في الكيس الأسود ونقذفه من الشباك.. حتى لا يؤذي البقية.. كيف لي أن أرمي أطفالي “

” ماذا ستفعلين ؟ هل بيدك شيء.. هل تريدين قتل باقي أولادك.. هذا قدر ونصيب”

تصرخ أمي ملتاعة

” لن أرمي  أي من أطفالي .. افهم .. لن أرمي أحد.. سأضعه بجانبي وأستمر بالبكاء عليه والنظر لوجهه إلى أن أموت بجانبه.. فلنمت جميعنا سويًا “

إذا لأمي وجه حنون لا تظهره لنا.. مع خوفي ورعبي  مما أسمع إلا أنني شعرت بالأمان.. لأول مرة في حياتي.. أشعر بها تأخذني لحضنها واختبأ به.. ابتسم .

يرقص أبي مع أبو إلياس الدبكة الفلسطينية كلما سمعنا صفارات إنذار على التليفزيون الإسرائيلي يزغرد النساء ويحضن الرجال بعضهم ويصيحون “قربت “

أبتهج لفرحهم وأتساءل ما هي التي اقتربت .؟ .

” نهاية إسرائيل .. كلها أيام ونعود ليافا “

يافا اسم اسمعه منذ وعيي الأول أبي كان يقول لي

“نحن من بلد اسمها يافا بلعها المحتل وهجرنا إلى غزة حينما تكبرين يا سلمى ستنجبين فتاة وتسميها يافا “

كنت أردد دائما لمن يسألني عن اسمي

” أنا سلمى من يافا ”

وكأنه جزء من اسمي في شهادة الميلاد.. كانت مدينة تكبر معي وأتنفسها رغم أنني لم أسكنها مرة.. ولم أراها ابدآ

عندما نذهب للبحر يشير أبي بيده..

“هل ترين يا سلمي لو ركبنا المركب ومشت بنا في البحر قليلا سنصل يافا “

” هل هي قريبة يا أبي .. لم لا نذهب إليها إذًا ؟! “

” سنذهب يومًا.. أما الآن لا نستطيع سوى أن نقف على البحر ونتنفس الهواء الذي يأتينا منها “

” كيف هي رائحة هواها.. أهو كرائحة الهواء هنا في غزة “

“أغمضي عينيك.. تنفسي عطر البرتقال.. خذي نفس أعمق لرائحة البحر” ..

آخذ نفس عميق يظنني أتنفس عطر البرتقال ..

كنت دائما أتنفس الحنين !

مدينة لا أستطيع نسيانها أينما أذهب وابدأ بالكلام يعرفونني فورًا من لهجتي.. وعلى الفور

يستفسرون.. هل أنت من يافا ؟

“نعم ، كيف عرفتم؟ “

“الطريقة التي تتكلمين بها “

كم كانت تلك المدينة مميزة ترفض أن تغتصب أو تقتل.. هي تحكي عن نفسها فينا.. نحن جميعا هي دون أن ندري نحمل بصمتها في جيناتنا وتكبر معنا كل يوم

ملامحنا تحكي حكايتها.. وصوتنا أبجديتها الخاصة ..

أحببت صدام حسين فهو من سيحقق أحلامي لأعود إلى بلادي

قصصت كل صوره من الجرائد وعلقتها على الحائط المقابل لسريري.. وجدت من سيخلصنا أخيرًا من التعب..

كان الحلم !

انتهت أربعين يومًا من حظر التجول, نقبع في بيوتنا كالفئران نغلق كل الأبواب والشبابيك ونتسلى فوق أسطح المنازل.. لنكتشف بالنهاية أن لا شيء يحدث أبدا.. وأننا مررنا بكابوس ظاهره حلم وردي..

خذلان جديد لم يتغير شيء.. لم ترجع يافا.. ولم يذهب الاحتلال.. فقط كانت أيام رعب أضفناها لكتاب ذكرياتنا المرير..

نضجت أكثر مما ينبغي .. كل من عاش هذه الفترة نضج على فوهة بركان.. أصبحت أتكلم بالسياسة.. أستمع للأخبار.. أتساءل عن الماضي عن شخصياتنا التاريخية.. استمع للاغاني الوطنية.. التهب حماسة.. واستمر في الحلم

أتابع أسماء من استشهد أو قام بعملية جهادية.. أتابع بشغف أخبار من أبعدوا إلى مرج الزهور أشعر بالزهو والفخر لأني فلسطينية وأنتمي لعالم الأبطال.. لقد كان جارنا حسن من ضمن الفلسطينيين المبعدين إلى جنوب لبنان حزنت وكنت أسأل أمي عنه كل يوم

“متى سيعود جارنا حسن.. هل سيبقى هناك إلى الأبد.. لماذا أبعدوه عن غزة “

ترد أمي وقد ملت من كثرة أسئلتي

“لا أحد يعلم شيئا.. العلم عند الله “

“ألم تخبريني أن حسن ومن معه هم من سيرجعوننا إلى يافا… كيف سنعود الآن؟”

” كفي عن أسئلتك.. اذهبي شاهدي نشرة الأخبار ستجدين أخباره هناك بين الثلوج “

يتملكني حزن عميق.. أمر كل يوم أمام بيته وأدق على بابه لعله يفتح لي الباب وأراه مرة أخرى يرسم ابتسامة.. لكنني أعود خائبة في كل مرة

إلى أن أتى ذلك اليوم كان مشئوما غير حياتي.. قلب موازيني.. كان المنحنى الأخطر لرسم خط سيري الجديد ..

انتقلت لمدرسة أخرى كنت أقطع طريقي من منزلي ثم أمر عن شارع به مقابر على جانبيه.. اقرأ الفاتحة كل يوم للأموات.. حتى أصبحت عادة تلقائية.. أمر كل يوم بجانب مصيري الحتمي الذي سأجربه يوما لا محالة, يرهبني منظر المقابر, وأرهبني أكثر أناس على قيد الحياة تسكنها تعيش بينها.. كنت أتأملهم.. كيف ينامون ليلًا.. أظنه المكان الأكثر رعباً على سطح الأرض.. ملئ بالأرواح والأشباح.. أتخيل لو حكم على أن أنام ليلة في غرفة أحدهم.. أتوقع أنني سأموت بالسكتة القلبية من كثرة ما ستزورني الأشباح أمشي بأسرع ما أستطيع حتى أقطع هذا الطريق.. أتحاشى معظم الوقت النظر لهذه المقابر على جانبي الطريق.. أخبرتني فتاة كانت تمشي بجانبي ولاحظت ارتباكي أن المكان كان كله مقابر في يوم من الأيام ثم شقوا طريق في منتصف المقبرة هذا الذي تمشين عليه

“أنت الآن تمشين فوق أناس ماتوا منذ مئات السنين “

أفزع لمجرد الفكرة.. أمشي فوق الأموات !

كان يومًا باردًا.. درسنا لساعتين ثم انقض علينا ملثمين في المدرسة.. سمعت صراخ الطالبات وفوضى عارمة اجتاحت المكان..

“اخرجوا من المدرسة الآن.. مواجهات خطيرة ستتم اليوم “

أرتعب فجيش الاحتلال كان يستوطن كل العمارات العالية في المنطقة.. كيف لي أن أهرب الآن  في هذه الفوضى.. أخرج مسرعة.. الفتيات تبكي في الشارع.. أسأل ماذا حدث ؟

يخبرونني بأن المكان محاصر بالجيش وأننا الآن في دائرة  محاصرة بالكامل والمواجهات على أشدها  قنابل مسيلة للدموع من كل اتجاه.. صراخ وفوضى.. طلاب وطالبات تجري.. أسمع صوت إطلاق رصاص.. يقولون أن أحد الشباب المقاوم قد استشهد الآن.. ماذا أفعل لا أعرف للبيت سوى طريق واحد ؟

أتوه.. أدور حول نفسي.. اختنق.. الموت يحاصرني من كل اتجاه.. أبكي.. أصرخ.. لا أحد يراني ولا أحد يستمع لي.. انه يوم الحشر

أرى فتيات تجري باتجاه لا أعرفه.. أذهب خلفهن على أمل أن أرى طريق للنجاة.. أغوص في شوارع لا أعرفها لكنني كلما مشيت أتيقن بأنني بعدت عن مكان المواجهة.. يخفت الصوت.. تختفي رائحة القنابل التي تلسع حنجرتي

أسأل رجلًا عجوزا يمشي بجانبي إن كان يعرف طريق يوصلني لبيتي.. يبتسم ويشرح لي كيف أمشي

“كل غزة شبر ونص.. ما تخافي.. وين ما راح تمشي راح توصلي لبيتك “

اعلم بأن غزة صغيرة لكن لمن مثلي لا تعرف سوى شارعين بها فهي أكبر مدن العالم.. لكن ما أدراه !

مشيت في شوارع لا أعرفها واكتشفت أنه على حق فكل الشوارع هنا تشبه شارعي.. حتى الأطفال والدكاكين.. والوجوه المغبرة الكئيبة.. رائحة الطعام المنبعثة من البيوت..  ومررت أيضا على مقبرة أخرى !

هل يوجد في كل حي مقبرة !.. ما قصة هذه المقابر ؟

اقرأ الفاتحة مرة أخرى لأموات لا أعرفهم لعل أحد الأحياء يقرأها لي يوم أكون مكانهم.. ما الفرق بيني وبينهم .. هم في سجن صغير وأنا بسجن أكبر ؟

قد يكونوا ينعمون بحرية أكبر مني.. وتعيش روحهم محلقة في سماء شاسعة.. يلعبون مع الغيوم لا يعرفون حقد ولا كره.. ولا وقت ولا دراسة.. لا حزب ولا احتلال ولا حرية لا سياج أو نزاع على أرض.. والأهم أنهم قد يكونوا بلا أفكار تخترق رؤوسهم وتزعجهم كتلك التي تدور في رأسي الآن.

أصل لشارع به كنيسة ملتصقة بجامع قديم.. أعرف هذا الشارع جيدا هو قريب من بيتي , تتهلل أساريري , لكن الشارع مغلق .. أقف على بابها, أنهار من اليأس والتعب.. أحتار ماذا أفعل الآن..

شخص يستعد لدخول الكنيسة يراني يلاحظ تعبي.. يسألني وأخبره بما حدث

” تعالي معي .. سأريك طريقًا “

يأخذني لداخل الكنيسة.. أتأملها.. تثير فضولي.. هنا يصلي إلياس مع والدته كل يوم أحد وفي الأعياد الخاصة بهم .. أماكن العبادة أينما وجدت تشعرك  بسمو الروح وعليائها..

بعد أن نمر من ساحة الكنيسة الكبيرة.. يفتح لي بابًا في آخرها.. أنظر للداخل أرى مقابر للمسيحيين , يكاد يغمى على.. أنظر له مستفسرة..يبتسم

” ادخلي من هنا واخرجي من الباب الآخر.. ستجدين طريقك.. ثقي بي “

ما هذا اليوم يا الله.. لا زلت أتنقل من مقبرة لأخرى كأنه يوم موت بامتياز.. هل سأموت أنا أيضا اليوم .. هل هذه إشارات.. أخبأ دموعي داخل عينيّ وأكتمها.. أمر من بين المقابر أمشي بجانبهم .. من بينهم .. أرتعب.. أغمض عيني

أفتحهم مرة أخرى.. اقرأ الأسماء على شواهد القبور.. تختلف قليلا عن أسمائنا, أشعر بهم الآن بجانبي خلفي وأمامي.. يحيطون بي فيهرب الدم من شراييني .. أفقد توازني.. ثم أتذكر أنني لم أقرأ الفاتحة.. أتردد

هل يصح أن أقرأ الفاتحة على غير المسلمين.. لكنهم أموات وأبي أخبرني أنني يجب أن اقرأ الفاتحة على الأموات.. ويقول جملته المشهورة “اليوم فوقها وغدًا تحتها “

أقرر بعد تردد أن اقرأ الفاتحة إن لم يكن على أرواح هذه الأموات فعلى الأقل كي تحفظني من الأشباح التي تتراقص حولي وتغزو خيالي بشدة .

كان الوقت الأطول على الإطلاق كل خطوة كأنها شارع طويل.. ما إن خرجت حتى شعرت بالحرية وبعودة الهواء إلى مجرى النفس

لكنني تفاجأت بأنني خرجت من مقابر المسيحيين.. لأرى شارع المقابر الذي أمر منه كل صباح , صحيح أنني سعيدة لأني وجدت طريق بيتي الذي أعرفه لكنني ممتعضة لأنني خرجت لمقابر أخرى !

أمشي خطواتي تجري بي.. أريد الخروج من هذا المكان.. أريد الابتعاد عن كل هذا الموت.. أهرب منه فأجده أمامي في كل مرة يخرج لي لسانه ويفتح عيونه ويقول لي.. أين المفر يا جميلتي؟

جسدي يؤلمني.. إنه اليوم الأطول في حياتي

ظننت بأن اليوم انتهى عندما رأيت آخر طريق سأسلكه للوصول إلى بر الأمان

زفرت نفسًا عميقا.. وبدأ الشعور بالارتياح يتسلل لي.. فككت أجزائي بعد أن  ارتبطت ببعضها ولم أعد أميز يدي من قدمي.. أمشي الآن بهدوء.. أدندن أغنية لعلي أخرج من حالتي

أنظر للأرض تحتي.. لخطواتي.. أعد كم خطوة متبقية لي .. سأحاول مسح هذا اليوم من ذاكرتي وسأجتهد كي لا أحلم بكوابيس مليئة بالأشباح ..

أرفع رأسي لأرى كم تبقى من الطريق

لسوء حظي

أو لأنه يوم تعاستي الأكبر..

سيارة عسكرية لجيش الاحتلال مفتوحة من الخلف أمامي.. و بها عدد من الجنود لم أجرؤ على عدهم في مواجهتي تماما !

قلت لنفسي أن لا ضير فهم طوال الوقت في شوارعنا وأنا صغيرة  لم افعل شيء يزعجهم سأمشي وأتناسى وجودهم , رفعت رأسي وأنا لا أزال أمشي.. لكن الجندي أمامي مباشرة قرر أن يلعب معي لعبة الموت , رفع بندقيته ووجهها لي..

تثاقلت خطاي.. تسرب مطر في جسدي.. تعالت خفقات قلبي.. سيقتلني الآن إذاعرفت الآن ما سر المقابر الكثيرة التي رأيتها.. أرفع عيني ببطء

أراه.. يبتسم ويوجه السلاح نحوي مباشرة.. تبطئ السيارة العسكرية مشيتها.. وأبطئ أنا أيضًا, يضع إصبعه على الزناد.. يتراقص الموت أمامي رقصة بطيئة مستفزة.. يبتسم بسخرية.. رجفة خفية تلبسني.. أتذكر أمي.. أحب قسوتها.. وأحن إلى دفء بيتي وإخوتي.. أتمنى لو قبلت أبي اليوم قبل خروجي..

عندما سيصلهم خبر موتي سيحزنون بالتأكيد.. ويظنون أنني بطلة قمت بطعن جندي أو أنتمي لحزب سياسي..أو قمت برجم جنود الاحتلال  بالحجارة.. تهرب دمعة من عيني.. ما ذنبي لأرى ما أراه وأشعر ما أشعره !

يداعب الجندي زناده بخبث.. ينظر لي نظرة ثعلب.. تلمع عيناه بسخرية

ما كل هذا الشر داخلك.. أنا فتاة بريئة انظر لي ! أمشي مسالمة في طريقي لبيتي بعد يوم مرهق, لم أنت هنا الآن.. يا رب أغمض عيني وأفتحها أجد نفسي على سريري وكل ما أمر به مجرد حلم..

لكنه حقيقة !

يستعد لإطلاق النار لأموت أنا.. ستخرج الآن الرصاصة وتستقر في مكان ما من جسدي ويسيل دمي إن تبقى دم بعد كل ما رأيت  ومررت به.. يسيل دافئا لزجًا على الإسفلت.. وستحلق روحي, يسكن جسدي مكانًا صغيرًا للأبد.. وأنتظر مرور شخص ما لا أعرفه يقرأ الفاتحة على روحي مثلما أفعل كل صباح .

لكن الجندي يتراجع.. أرى خبث مضاعف في عينه

لعبة الموت تنتهي الآن ويرفع الجندي يده عن الزناد يضحك مع  باقي الجنود ويخبطون أكفهم.. لقد استمتعوا جدا بهذه اللعبة الجميلة.. ورأوا شبح الموت على وجهي الأصفر , سيروون هذه القصة لبعضهم ويحملوها لأطفالهم.. قد تصبح من قصص تراثهم..

كيف أخافوا فتاة فلسطينية وجعلوها تشعر بالموت وهي تمشي على قيد الحياة ! يا للروعة !

أنتفض.. كل ما بي يصرخ.. منهكة أنا جدًا.. أريد السلام لروحي.. أريد الوصول بعد التعب , يلوح لي بيتي من بعيد.. ها أنا أقترب.. لم أحب هذا الشارع في حياتي كما أحببته اليوم .. أحتضنه بعيوني.. وأتنفس كل ذرة أكسجين به.. أحب جدرانه وأطفاله.. وهمس الجيران

أريد أن أسمع صراخ أمي ومصنع الحجارة .

أمي حبيبتي !

لم أعرف أنك تملكين حنان الدنيا قبل اليوم وأنك الأمان والراحة

شخص ملثم.. يقترب مني.. لا يظهر منه سوى عينيه .. لا أدري أين كان وكيف ظهر فجأة أمامي؟

” شعرك يظهر من تحت المنديل.. غطي شعرك جيدًا يا بنت.. في المرة القادمة سألقي على وجهك ماء النار.. هل فهمت؟ “

لا طاقة لي للرد عليه فكل ما رآه هو خصلة شعري المتمردة من تحت الحجاب أو التي سقطت بعد تعب اليوم وكأنني لم يكن لي هم سوى معرفة هل تغطى شعري جيدًا في هذه الرحلة أم تكشف بعضه , أنظر له نظرة جوفاء.. وأستمر في المشي , أصل لبيتي.. أبحث عن أبي.. أسأل عنه وأنا أبكي

” أين أبي ؟ “

” في غرفته.. ما بك.. لما تبكين ؟ “

أدخل غرفته أراه يجلس في خلوته.. يقرأ القرآن

يرفع رأسه يراني مضطربة.. يعرف من شكلي أن شيئًا ما حدث لي

” تعالي.. اجلسي بجانبي.. ما بك ؟ ! “

” أبي.. لا أريد الذهاب للمدرسة بعد اليوم “

أغرق في دموعي .. وتسمع أمي صوت تشنجاتي من الغرفة الأخرى !

أبحث في الجرائد التي تخبئها أمي لتمسح بها زجاج المرايا.. عن صورة ياسر عرفات وأقصها , أعلقها أمامي بجانب صورة صدام حسين ..

أنت الآن أملي  في حياة أفضل.. أشعر بالغبطة وأنا أراه

أنام وأنا مرتاحة لن أذهب للمدرسة بعد اليوم.. ولن أمر ثانية بما مررت به.. ولي شخص أعلق عليه حلمي.. أنا بخير !

يتبع

تعليقات على فيسبوك