على موقع Arabooks ننشر في فصول رواية غيمة عشتار للأديبة الفلسطينية ديانا الشناوي , فراءة ممتعة .

المرأة الشبح .. هي أيضا امرأة مجنونة .. لحظة رؤيتها تقفز في الماء توقف قلبي عن النبض لحظات, سكنت كل حواسي, حتى عقلي غاب, وقفت لم أعرف ماذا أفعل؟ كيف أتصرف؟ تمنيت لو أن يدًا خفية انتشلتها, وأيقظتني لتقول أفيق أنت تحلم !

لكن بعد لحظات أيقنت بأنها تغرق بالفعل وهي بحاجة إلى, قست المسافة بيني وبينها, أحتاج خمسة دقائق سباحة متواصلة , قفزت إلى الماء بعد أن صحوت من صدمتي وأفاق عقلي من غيبوبته

سبحت متلهفًا وكلي أمل أن أصل للمرأة الشبح المجنونة وأنقذها من موت أكيد, كل ما بي ينبض خوفًا.. تتعلق عيناي بها أراها ترفع يداها تحاول طلب النجدة أو التعلق بسلم وهمي يصعد بها للشاطئ .. ها أنا أقترب .. الجسد يطفو على وجه المياه.. استسلمت للموت .. انتظري يا صغيرتي

تخنقني رائحة الموت, هذا الصديق المخلص الذي أصبح ظلي ورفيقي في فرحي وفي حزني..

تمردي على ضعف يستعبدنا, كوني مختلفة,  إياك أن تستسلمي .. أشعر بأنني أهذي ..  لا لن تموتي .. ها قد وصلت .. أسحبها بكل جنون, أتذكر ما تعلمته عن إنقاذ الغريق في زمن سابق .. أبذل قصارى جهدي .. ألعن سني ولهاثي .. لكنني أصمم على إنقاذها

أجرها إلى خارج الماء .. هي لا تتنفس, لكن قلبها ينبض, يعتريني أمل, أبدأ بإسعافها

يلتف بعض الأشخاص ممن رأوا الحادث ويتصل أحدهم بالإسعاف

أنسى لماذا جئت هنا, أنسى السمك ويصمت نداء معدتي .. أنتظر الإسعاف وأنا أفكر كيف يستطيع إنسان أن يختار نهايته بيديه؟!

هل هي شجاعة أم جبن هل هناك متعة وأنت تدرك أنك بعد ثواني ستنتقل من عالمك لعالم مجهول غريب, يحتاج الموضوع لكثير من الشجاعة أو كثير من الخيبة !

أصعد إلى الإسعاف أتأملها .. يا الله كم هي جميلة  .. كل ما بها نابض حياة .. لوحة مكتملة متناسقة الألوان والخطوط, ما الذي يدعوها للموت ؟

الموت ذلك المجهول الأكبر .. تدور حوله كل التساؤلات منذ بدأ الخليقة .. ما جدوى الحياة إن كان آخرها موت وطريق آخر لا نعلم عنه شيء .. هل هو السبب باللاشعور لإحساسنا بحزن مجبول مع أجزائنا .. ما فائدة كل هذه الصراعات ما دام مصيرنا الفناء .. كل من سبقونا لم يكونوا عبرة لنا .. ما السر الذي غرسه الله فينا لنسيان هذه الحقيقة ونحن على قيد الحياة فنظن بغرورنا أننا سنعيش للأبد وأنه بعيد لا يرانا الآن، ومهما تقدمنا بالسن نظل نتناساه متعمدين !

 من كثرة رؤيتي للموت يتبختر في شوارعنا وعائلاتنا وقلوبنا لم أعد أميز بينه وبين ما نحيا واعتقدت دومًا أنهم وجهان لعملة واحدة الموت الحياة .. الحياة الموت .. لا اكترث له هو جزء من حياتي كالطعام ..الشراب ..  الأنفاس .. الموت .. الفقد .. الوجع …

تساؤلات تنخر في رأسي …

هل شعرت باللذة وهي تموت ؟ هل اشتاقت بالفعل للرجوع من حيث أتت ؟.. لعلها عاشت التجربة واكتفت !

إنها تلبس الأبيض .. جهزت كفنها واختارته أم أنها تودع الحياة بالبياض كما استقبلتها

تفتح عينيها جاحظتين .. يحيط بهما لون أزرق .. أرى ميت يعود للحياة لأول مرة

تهذي بكلمات لا أفهمها .. أمسك يدها لتشعر بالأمان فأنا أدرك أنها عاشت العتمة

فاختارت بين موت وموت هذا الموت !

تذكرت جدتي وشجرتها…وكم كنت متعلقًا بها وبحكاياتها .. كيف كنت أجلس تحت ظل الشجرة الوارفة على قبرها أظن جدتي هي الشجرة أسقيها كل يوم وأربت على رمالها .. أرسم وجهها على جذعها .. أتخيل جذورها ملتصقة بها .. تحكي لي حكاياتها المشوقة يخرج صوتها مع الريح من بين الورقات .. صوت جدتي الحنون يتصاعد وأسمعها تقص قصة السعد وعد .. أنا بطل القصة أمسك الرمال فيتحول ذهبًا ..

الصوت يسكنني .. أحدثه

“وماذا فعل يا جدتي .. هل قتله الملك “

” بالطبع لا .. لقد كان ملكًا رحيما برعيته قال له .. السعد وعد يا فرج والسعد من عند الله .. خذ هذا الخاتم هدية لك “

“هل  كان اسمه فرج “

“كل أبطال الحكايات الجميلة اسمهم فرج يا صغيري “

أبتسم ..وأعود وكلي أمل بغد أفضل

لم تمت جدتي .. كانت معي ،صوتها لم يفارقني .. حكاياتها جمال لحظات طفولتي ..وشجرتها كانت تزداد تألقًا كلما مر الوقت

لكن موت أبي كان أصعب, هزني وأنساني شجرة جدتي .. أنساني فكرتي الصغيرة التي كبرت في رأسي مع مرور الوقت .. تغيرت, أصبحت أكثر وجعًا ..

الموت هو أصعب ما يمكن أن نمر به .. نعتقد أنها كلمة سهلة لكن عندما نواجهه وجها لوجه نختبئ منه ونهرب بأسرع قوتنا نمشي في الطريق المعاكس له ندعوا الله أن يتجاهلنا وينسى عنواننا ..  لأنه ببساطة النهاية .. المجهول

أنقلها إلى سرير المستشفى وأجلس بجانبها .. يظهر عليها الإعياء الشديد.. أخبر الجميع بأنها فقدت وعيها وسقطت عن غير قصد في الماء ..

تغير طعم اليوم .. تغيرت كل اللحظات وانقلبت إلى النقيض ..

يا له من يوم !

يتبع

تعليقات على فيسبوك