الفصول السابقة

11

قوة المرأة تكمن في ضعفها .. فهي بهذا الضعف تتسلل بخفة في دهاليز الرجل الخفية وتمتلك كل مفاتيحه .. تفتح أي باب أرادت في قصره حتى الغرفة المحرمة .. ما سر هذا الضعف الجميل؟ .. لما يحمل كل هذه اللذة التي تسقط على الرجل وترديه صريع أوامرها المخفية تحت ستار الخضوع

أنظر للفتاة تلتف حول نفسها على سرير المستشفى ..

إنها كائن لطيف ناعمة براءة الأطفال ظاهرة عليها .. لم أقتنع يومًا بتشبيهها بالأفعى كما كان يحلو للكثير بتسميتها ..  انه إجحافا بحقها .. فهي طعم الكون الحلو.. وتعطي حيوية لأي مكان تمر به , ولكن مع الوقت علمت سر هذه التسمية .. المرأة كائن مستقل جدا وذكي .. لكننا تعودنا على معاملتها بأنها الجزء الأضعف  في حياتنا هي التي تحتاج دوما لحمايتنا .. نحن الستر لها والسند  ألبسناها الدور واقتنعنا به دون أن نعطيها فرصة للتعبير عن ذاتها وإظهار مواهبها كاملة , ولأننا نحمل تلك الفكرة المسبقة عنها نتفاجأ عندما تقوم بأي فعل مخالف لما تشربناه وما تم حشونا به من أفكار لاستعبادها  .. فلا نلبث سوى أن نختار لها أسوأ التسميات كالأفعى والشيطان والملعونة .. لأننا تعلمنا منذ الصغر بأنها لعبتنا ..  دميتنا المفضلة خلقت لإرضاء غرورنا وإشباع شهواتنا .. وتناسينا بأننا خلقنا أحرارا من نفس الطين.. تناسينا بأنها كائن لا تختلف عنا تفكر تحلل تناقش وتصعد إلى القمم .. رغم كل هذا دائما ننساق إلى نفس الفكرة التي تنمو في داخلنا مهما ادعينا  التوازن والرقي في التعامل.. التطور الطبيعي للأزمنة لم يمحو أبدا كل ما ألصق من صفات بالمرأة .. يحتاج  عقل الرجل أجيال ليمحو أفكاره المرضية  المتوارثة حتى  تستقيم الحياة ويقتنع أنها شريك وليست تابع

قد يستغرب البعض أن من يطرح هذه الأفكار رجل .. رغم أنها ستسحب البساط من تحت أقدام رجولتي ولن أصبح المسيطر العظيم الحامي الأول والأخير والناهي الآمر المطاع .. لكنها بالفعل قناعاتي .. لا أعلم هل ستتغير حين أرتبط فعليا بامرأة ويصدمني  ذلك الرجل البدائي المتخفي بشخصيتي الذكورية الذي أحاول ركنه جانبًا  ولا أسمح له بالتلاعب بي , لكن الأفكار الإنسانية التي حبانا بها خالق الكون مازالت  تسيطر على  بالفعل وأنا أرى هذه المخلوقة الرقيقة الشفافة تنام ملتفة حول نفسها كجنين في بطن أمه .. أشعر نحوها بالتعاطف .. لا زلت أتساءل ويتملكني فضول لأعرف ما حدث لها كي تتنازل عن حياتها وتهدر أنفاسها وتقرر الانتحار .. ومن ذا الذي يستحق منها كل هذه التضحية أو الفناء من أجله ..تقطع أفكاري الممرضة غليظة الملامح :

” إنها الآن بحالة جيدة .. لا داعي لوجودها أكثر في المستشفى .. سيمر الدكتور لفحصها للمرة الأخيرة ويكتب ورقة الخروج من المستشفى .. يومين أو ثلاثة وستعود أفضل مما كانت .. انتبه فقط لطعامها .. فهي ضعيفة تحتاج للكثير من الاهتمام .. هل هي زوجتك ؟ “

انظر لها باستغراب .. لم تتعلم بعد عدم التدخل بشؤون الآخرين ولا زالت تطرح الأسئلة الفضولية .. ستجعلني هذه المرأة أغير وجهة نظري عن كل نساء الكون

” شكرا لك عزيزتي .. سأهتم بها وبطعامها .. أتمنى لك يوما سعيدا “

تنظر لي نظرة حانقة تخرج سهاما من عيناها ..  تخترق جسدي .. لكني أصمد بوجهها مبتسما ابتسامة بلهاء , تنفض نفسها .. ترد على بابتسامة صفراء ..

” يوم سعيد لك ولزوجتك .. “

تضغط على كل حرف في كلمة زوجتك .. لا فائدة .. امرأة بليدة , تنصرف من الغرفة .. أتفاجأ بعدها بالمرأة الملاك  تجلس معتدلة على السرير .. أقف وأذهب نحوها ..

“حمد لله على سلامتك .. ستخرجين بعد أقل من ساعة على ما أعتقد .. سأحضر لك بعض الطعام الممرضة قالت أنه يجب ..”

تقاطعني

“نعم سمعت .. لو سمحت لا أريد طعامًا .. أريد فقط بعض الماء ..”

يا الهي إنها تتكلم برقة .. يا للعجب ..هؤلاء النساء لا يستطيع الشيطان حتى إن يعرف بما يفكرن أو يشعرن , ها هي تتحول إلى نقيضها كيف سأتعامل معها .. بأي طريقة هل أكلمها حسب وجهها القاسي أو وجه الملاك

أظنني سأكلمها الآن على أنها ملاك لقد خلعت الوجه الآخر وتخلصت منه

” يجب أن تأكلي شيئا .. فأنت تحتاجين للطعام حتى تستردي عافيتك “

“شكرا لك .. لا شهية لي .. أريد فقط بعض الماء”

لو أنني مكانها لكرهت شكل الماء لفترة طويلة ..بعد أن ابتعلت برميل منه قبل ساعات , أحضر لها الماء .. تعتدل في جلستها وتبدأ بارتشافه , أنظر لوجهها الباكي الضاحك .. ما سر هذا الحزن يا موناليزا العصر

النساء أجمل هدايا الأرض .. مذاق أحلى النوتات الموسيقية .. حنين النايات ..جنون الفصول وشهقات اندهاشها الحبلى بالأمنيات .. كيف لرجل أن يحتوي كل هذا ..مساكين نحن الرجال رغم تجربتي القليلة معهن إلا أنني أخاف منذ بداية الحلم العبث معهن .. وأفضل الصدق في العلاقة بين الرجل والمرأة ..لا يمكن العبث مع امرأة مهما كان مستوى ذكائها ..فكلهن بارعات في اصطياد الرجل المخادع العابث ..كأنهن جبلن منذ بداية التكوين بحاسة الصياد المحترف

لا يمكن أبدا الفرار منهن .. الرجل الذي يتباهى بمغامراته وكثرة علاقاته دون اكتشاف زوجته له أسخر منه في داخلي ..أعلم بأنها تعرف بطريقة ما .. حتى لو كان مجرد هاجس يسكنها ..لكن تخونها شجاعة المواجهة ..فيفخر هو ويتباهى بصمتها وليس بذكائه في الفرار من المصيدة .

تلك المرأة أمامي بكل ضعفها وشفافيتها .. تثير شهيتي لفرشاتي وألواني .. وأنا الذي ظننت أن لن يقوما من مرقدهما مرة أخرى .. لكن ضوء مفاجئ يسطع داخلي ورغبة في رسمها وهي تحمل كل هذه التناقضات الإنسانية من ضعف وقوة ..نعومة وعنف .. هذا الجمال يكسوه حزن ووجع زادها جاذبية وجعل أصابعي تداعب المنظر وترسمه داخل وجداني ..

” أنا آسفة ..”

أسمع كلماتها فانتبه لها ..

“لم الأسف يا سيدتي “

تنظر لي نظرة تحمل من الأسى والحزن ما جعل قلبي ينفطر

” أعلم أن لا ذنب لك بما حدث .. كان على أن أشكرك على فعلك الإنساني .. لكنني لم أكن في حالة ذهنية جيدة “

أتفاجأ من أدبها ..

” لا عليك .. ولا داعي للأسف .. فأنا أعذر ظروفك .. ثم أنني لو كنت غضبت منك لما وجدتني الآن هنا “

تهز رأسها موافقة ..

“أريد أن أسألك .. إذا كان سؤالي لا يضايقك .. “

” تفضلي .. طبعا “

” ما الذي جعلك تنتظر كل هذا الوقت بجانبي .. أنت لا تعرفني .. ألم تخف أن أجلب لك المشاكل”

أقف أمامها عاجزا عن الرد .. يباغتني السؤال وأعيده على نفسي , ما الذي جعلني أنتظرها كل هذا الوقت لتفيق ؟ ألا يمكن أن تكون هنالك مصيبة ما بانتظاري من هذه القصة .. ألم أفكر بأنها قد تكون هاربة من كارثة تنتظرني  .. سارقة أو قاتلة , تزعجني الفكرة أنظر لها بارتياب .. أحاول انتقاء كلماتي

” لا أعرف .. لكن السبب إنساني بالتأكيد .. فكيف لي أن أرى إنسان بحاجتي وأتركه .. إنه واجبي على كل حال “

استدرك الأمر وأباغتها بسؤال

“هل لي أن أسألك أنا أيضا سؤال .. إن لم يكن سيتسبب بإزعاجك “

تنظر لي وتبدو عليها علامات الإرهاق والملل

“ماذا ستسأل .. لم رميت نفسي في الماء؟ .. لعلك تظن أنني أحمل أكبر مصائب الكون على كاهلي .. وتخاف الآن من تدخلك في قصتي .. لا عليك ستنتهي علاقتك بي بعد ساعات وسأصبح مجرد ذكرى عابرة “

استغرب ردها .. فأنا بالفعل كنت أنوي أن أسألها هذا السؤال ! لكنني لا أريد أن أشعر بالهزيمة أمام تلك المرأة القوية على ما يبدو

” لا لم يكن هذا سؤالي .. ما حدث أمر يخصك لا يعنيني التدخل في أمورك الخاصة .. كنت أريد أن أسألك إن كنت تحبين أن أهاتف أحدا من أقاربك .. معارفك .. أصدقائك .. حتى يهتم بك بعد الخروج من المستشفى “

“لا عليك .. شكرا لك على ما فعلت .. لا أريد لأحد أن يعلم بما حدث .. سأتولى أمر نفسي بنفسي”

“حسنا .. كما تريدين .. ولو أنني كنت أفضل أن يرافقك أحدًا ويساندك وقت خروجك .. سيكون من الصعب عليك بعد ما مررت به أن تواصلي يومك دون مساعدة “

تهز رأسها مبتسمة وتشكرني مرة أخرى على اهتمامي ..أسمع صوت مظاهرة وهتافات , أتركها وأمشي إلى النافذة المجاورة .. أتأمل حركة الناس في  المستشفى يتمشى بها بعض الزوار والمرضى ، تتصاعد أصوات المظاهرة يخفيها و يبتلعها العلم الأخضر .. أقرأ على الجدار المقابل ” قبوركم تنتظركم فلا تموتوا وأنتم أحياء.. العبودية لحظة الصمت ..  ان لم تكن ندا في السلم وفي الحرب فأنت ميت “

أعرف هذا الخط جيدا , انه خطي  .. مفردات وجعي , انظر للسماء أسراب النورس تمضى إلى الأمان

” ما أجمل هذه الطيور .. تمنيت يوما أن أكون طيرًا .. أحببت دائما ألفتهم وتجمعهم .. خوفهم على بعضهم وترابطهم .. كل ما خلق على هذه الأرض يعلمنا درسا .. لكن الإنسان لا يرى غير نفسه ..”

أسمع صوتها ترد على كلامي

“ما نفع أن يتفكر ويتعلم من غيره .. إن كان إنسانا ضعيفا .. لا يملك التغيير “

ترتسم نظرة استهزاء على وجهها .. وتبتسم ساخرة , يعلو الضجيج  في الخارج

وطني بعين واحدة اختفى الأسود والأبيض والأحمر وحضر على السطح  اللون الأخضر عار عليك يا وطني أن تصغر وتصغر أين علم فلسطين ؟ أين الله أكبر؟ أرتعش أصرخ بجنون

“أيها الناس من أي الكهوف أتيتم .. من أي فئة أنتم ..  أين اختفت ظلالكم .. من الأمين العام الذي بعث فيكم “

يرد على الصوت الأنثوي خلفي بانفعال

” أنت نعم  أنت ..  المجنون سمعت صوتك  من قبل .. قرأت  كلماتك .. أين اختفيت ؟ بحثت عنك مرارا  .”.

انحنيت لها انحناءة مسرحية

” نعم يا سيدتي .. صحيح .. أنا المجنون .. شوارع غزة تعرفني .. اسألي الجدران والأرصفة اسألي الأسواق عني .. الأطفال .. الشباب.. الشيوخ ..النساء”

تنظر لي مليًا تتساءل بلهفة

” لماذا هربت لا يعقل أنك المجنون ..المجنون كان أعقل الرجال في مدينتي .. فدائي  بطريقته لا يخاف أحد ، لقد تغير شكلك كثيرا .. انتصر عليك الخوف فهربت من المعركة “

أنظر لعينيها مباشرة :

” يا سيدتي .. حين يعلو صوت السلاح على إنسانيتنا وتزيف الحقائق  يكون الصمت قوة لترتيب نفسك من جديد وللانطلاق مرة أخرى “

“آسفة .. لم أقصد الإساءة لك “

تشخص في وجهي يرتسم على وجهها دلع طفولتها  .. فرحت باكتشاف سر بحثت عنه وسط الفوضى والزحام .. تملكني سرور وأنا أراقب اندفاعها.. وأرى فضول يشع من عينيها وعلامات استفهام ترتسم على جبهتها .. تسألني

“لم كنت تفعل ما تفعله .. إنها شجاعة لا يقوى عليها إنسان

لقد كانت عباراتك التي تكتبها تستفز أفكاري .. كنت أحب قراءتها .. وأقول لنفسي  من المستحيل أن يكتبها إنسان عادي لا بدَّ أنه مجنون بل عبقري فذ ..لطالما حيرتني شخصيتك .. وقد لمحتك مرات عديدة تمحو عبارات التنظيمات وتكتب عباراتك الإنسانية الملهمة .. كنت  شغوفة لقراءة أفكارك على الجدران حين أذهب للسوق أفتش عنك بين أزقته لعلني أراك ذات صدفة .. فأستمع لبعض كلماتك وأراك تمثل وتغني وترقص وتحكي لنا حكايات قديمة وحديثة .. أتعلم أنك  معلمي أنا تتلمذت على رؤيتك.. من خلال أفكارك كونت ثقافتي.. رغم أن خروجي من البيت كان يحدث بالصدفة و بالمناسبات أو لأقضي حاجة ضرورية .. كنت ألتهم كلماتك ..أخزنها في عقلي  ويعزفها قلبي .. أعود لأحللها وأحاول فهم رسالتك منها .. إلى أن اختفيت  .. وبدأت صورتك تخبو .. حتى تبخر شكلك من ذاكرتي المرهقة .. يا سيدي المهموم .. تغيرت واستعبدك الخريف ..كنت تبدو أحسن حالا من الآن “

أبتسم لها .. وأصغي لكلماتها باهتمام .. ها هي تتحدث براحة وتنطلق في حديثها .. تنشغل بأحداث حياتي وتتناسى ما جرى لها .. يشدها الفضول .. وتسعدني ثرثرتها .. أنا الذي أكره كل ما يثرثر في هذه الحياة وأشعر أن كثرة الكلام هو فعل يفقدني عقلي ..

“قصتي طويلة بعمر هذه الأرض وعمق وجعها .. لا أريد أن  أضيف لك مأساة أخرى لا أريد أن أزعجك “

” وهل بعد الموت موت أضحكتني فضفض يا عزيزي لنواسي بعضنا بعضا , أرجوك أخبرني لاكتشف أين نحن الآن .. إنها تساؤلات قديمة كانت تجتاحني كلما رأيتك أو سمعت عنك أو قرأت شيئا من كتاباتك “

” حسنا .. سأخبرك باختصار .. إن كنت مهتمة “

تهز رأسها وتصغي لي باهتمام

” لقد كنت أعيش حالة التيه والهذيان .. وأرى أيام عمري تتساقط كأوراق شجرة خريفية .. ورقة تجر أخرى .. أقف وحدي في ظلمات يأسي ووحدتي عاري من كل شيء في مواجهة رياح أفكاري وعواصف نفسي التي لا تهدأ , أفكاري التي تنتصر للإنسان فخالق هذا الكون أحب الإنسان وسخر كل جمال الكون لخدمته لكنه سخر نفسه للقمع والموت , غزة فقيرة  .. بلد لا تصمت أبدا .. دائمة الثرثرة والغليان .. فما  تكاد تخرج من متاهة إلا لتغرق  بأخرى .. كما ابتلعتنا اتفاقية أوسلو وابتلعت معها رمزنا ياسر عرفات.. أصبح وجهنا معتم ضبابي  ..  طحنا أنفسنا بأنفسنا غرقنا بالأكاذيب احترقنا غرقنا بالتيه وتفرقنا بين الأحزاب   ونحن نصرخ ولا نميز ما بين الواقع والحقيقة ..منحنا الاحتلال شهادة تقدير

يا سيدتي شعرت بالخزي بكيت حتى النهايات انهرت استسلمت وقفت على شرفتي التي تطل على عالم صغير وشوارع حائرة تابعت حركة الناس المذبوحة .. كنت أتمنى أن أرى وجه ضاحك ..الوجوه متجهمة حزينة .. ترتسم عليها الحيرة من أيام قادمة لا تعلم حقيقة ماهيتها.. ووجع أيام فائتة جرت أحداثها عكس توقعاتها , كنت أسمع أخبار التشكيل الجديد للشرطة والنزاع الدائم على صاحب القوة الأعظم ..

بدأنا نشعر بغربة التغيير .. كانت خطواتنا جنائزية نمشي على جمرات لا نعلم من  يغيثنا ويأخذنا لبر الأمان , نزلت للشوارع جدراننا مليئة بالفئوية والحزبية تخجل من نفسها  .. على مدى الطريق وأنا أقرأ بيانات واعتراضات وتفخيم .. أرى علما أخضر معلق هنا وآخر أسود هناك , أحمر .. أصفر .. أخضر ..غاب علمنا الفلسطيني وتمزقت ألوانه .. كيف ستكتمل اللوحة بلون واحد .. لوحة بلا ملامح .. بلا محبين .. لا مستقبل لها ولا حاضر..

أصبحت حياتنا سياسة نتنفسها مع الهواء الكل يغني لفلسطين حتى أصبحت فلسطين مجرد حروف صامتة وعشنا التيه مع ثورة الألوان , من هو المتآمر ومن يريد حمايتنا

الجميع يحب فلسطين والجميع يريد استرجاع الأرض .. الكل يحلم بالعودة .. ويعد بخروج الأسرى من السجون الإسرائيلية

كلهم على حق .. كلهم مناضلين باسمنا .. إذن أين الخطأ .. كنت أشم رائحة حرب أهلية تلوح بالأفق بعد موت عرفات والتنازع على سلطة غزة والضفة .. وتربص عدو بعيون لا تنام .. يخطط باستمرار لضربنا وتفرقتنا.. كنت أرى كل هذه الأشياء بأم عيني وترسخ في قلبي “

تهز رأسها وتنظر لي بشغف .. شجعني على الاستمرار

” ومن هنا كان أعظم قراراتي .. صراخ الصمت في أعماقي يحدثني .. ما هذا الهراء .. وما ذنب المواطن البسيط الذي يسعى ليل نهار لنيل لقمة العيش أن يرى كل ما يشوش رأسه فلا يستطيع تحديد وجهته , لم لا يتركوننا وشأننا ويتنازعوا فيما بينهم دون أن يصدعوا رؤوسنا ويلوثوا أعيننا بخربشات على الجدران لا يلبث أحدهم بمسحها وكتابة أخرى عليها “

تهز رأسها موافقة

” ومن هنا ابتدأت حكايتي يا سيدتي وجدت نفسي أسرع في طريقي .. ألهث ويعتريني غضب .. يشدني جسدي وعقلي يتحرك الفنان القابع في الجزء الخفي الخلفي لشخصيتي المستكينة .. ينتفض كل ما بي ويجري دم حار في عروقي النائمة .. تصرخ الكلمات في رأسي الملتهب بحمى الأفكار المتسارعة ..أسرع خطاي قبل أن تخبو حرارتي .. اشتريت طلاء أبيض .. وآخر أحمر “

” صحيح .. أذكرها عباراتك .. كانت دائما باللون الأحمر .. لم اخترت اللون الأحمر .. هل هو لون الدماء .. لقد كنت أسمع منذ طفولتي أن اللون الأحمر هو دم الشهيد “

ابتسم  لبراءتها .. وانفعالاتها

” كلامك صحيح .. كل ما في حياتنا منذ طفولتنا يعود دائما لدم الشهيد .. عشنا العمر كله مابين المقاومة والأرض والوطن المغتصب .. لكنني لم أقصد أبدا باللون الأحمر دم الشهيد أو أي دم .. على العكس “

” ماذا قصدت إذا “

” لقد كتبت بصخب اللون الأحمر على هدوء الأبيض وصفائه .. الأبيض هو النفس الإنسانية دون شوائب .. والأحمر هو نارية التفكير ولفت النظر لقراءة ما كتب في صحيفتي “

“صحيفتك ! “

” نعم .. صحيفتي .. وماذا ينقصني ليكون عندي صحيفة .. لقد تم استغلال هذه الجدران منذ الانتفاضة الأولى حتى يومنا هذا لم تسلم أبدا من خربشات الصحفيين العشوائيين , فلما لا يكون لي حق بامتلاك بعض من صفحاتها “

تبتسم لكلامي

” ليتك كتبتها كلها باسمك .. وليتنا منذ طفولتنا تربينا على كلماتك .. لا زلت أذكر كم كانت جميلة ورائعة تلك الكلمات “

أهز رأسي ممتنا لإطرائها

”  لقد عدت يومها  في طريقي وكلما صادفت جدار مكتوب عليه عن بطولة أو تخوين أو تآمر .. أقرأ ما كتب عليه .. وأمسحه بطلائي الأبيض حتى تختفي حروفه تماما .. وأبدأ بكتابة شعاراتي , شعارات مواطن فلسطيني يعيش تيه المرحلة وتذوق حلاوة الحلم ..عاش الأمل في لحظات كثيرة .. وضربت رأسه هلوسات بصرية وسمعية .. غرق في تأملاته بدلا من أن يرى هؤلاء الأشخاص كتابات تشوههم وتشتتهم وتجرعهم خوف ونزاع .. سأهبهم خلاصة أفكاري .. أخلق من جدار السياسة .. جدار لبناء الإنسان .. يصبح ضمن عاداتهم اليومية قراءة جريدتي الصباحية في شوارع غزة وبدأت  من شارع عمر المختار .. حيث الناس تتدافع جيئة وذهابا .. حيث تقطن الأسواق والمقاهي .. وجدران على مرمى البصر , كانت أول عباراتي

” الله محبة .. الله سلام .. فتش عن الله فيك .. وانتصر لإنسانيتك “

تتهلل مبتسمة

” أتعلم أنني كنت أسكن في شارع عمر المختار .. المفاجأة أن هذه العبارة كانت على جدار في أول الشارع الذي أقطنه .. وكنت أقرأها كلما مررت من جانبها .. بلونها الأحمر.. لكنني للأسف لم أفعل بنصيحتك “

” لا تقولي هذا الكلام .. تأكدي أن الله موجود بداخلك .. وتأكدي بأنه غفور وسيمنحك سلامك النفسي حين تعرفين الطريق إليه”

” لقد استعذبت عباراتك .. كانت تعطيني قوة على مواصلة حياتي في وقت ما .. أرجوك أكمل لي ما حدث معك “

“حسنا يا عزيزتي .. لقد استمر بي الحال حيث أنتقل من جدار لآخر وأكتب كل ما يجول بخاطري كتبت حروف كانت تتراقص في عقلي وترسمها يدي على أحد الجدران

” قيمة الإنسان هي في حقيقة وجوده .. بعيدا عن كل ما تم حشو دماغه به .. من عادات وتقاليد أساطير وخرافات ..وأفكار مسبقة جاهزة للاستسلام “

وعلى جدار آخر

“الخروج من القوقعة لا يحتاج للكثير فقط انفض رأسك وابدأ باكتشاف الأشياء من جديد “

 وكان الناس يتجمهرون حولي  .. يبدأون بقراءة ما أكتب .. أبتسم لقد بدأت أنجح فيما أخطط له , وها هم يقرأون عباراتي لعلها تنمو بذرة خير في داخلهم وتكون نقطة ضوء تشتعل بها آفاقهم الجديدة وهذا ما شجعني لأواصل سيري في شوارع غزة أختار أكثر الشوارع ازدحاما وجدار ملئ بالشعارات الحزبية .. أمحوه وأكتب كلمات جديدة

“حرر ذاتك وامنحها كثيرا من الوعي “

“حارب كل من يتلاعب بك باسم الدين والعقيدة .. الحرية والوطن .. الحزبية والقبلية .. وكن أنت أينما وجدت “

“يخادعون .. يظنون أنَا لا نرى .. الله في قلوبنا يرى “

بقيت على حالي شهور أتنقل من شارع لشارع .. واكتب كل ما يجول بخاطري حتى أصبحت الناس تعرفني .. وأصبح اسمي يتردد في الأماكن التي أتواجد بها , منهم من كان يحترم كلماتي ويناقشني بها .. ومنهم من كان ينعتني بالمجنون”

تبتسم ..

” مجنون .. كانوا جميعا يقولون عنك مجنون “

” وما أجملها من كلمة استعذبتها , إن اتهامي بالجنون له وقع جميل على نفسي .. كم هو شيء جميل أن ينظر الناس لأفعالك على أنها أفعال تصدر من مجنون فتكون بمثابة جواز مرور لك كي تفعل كل ما تحب تحت هذا المسمى الرائع .. فلا عتب على مجنون إذن , داعبت الفكرة خيالي .. مجنون .. لم لا استغل هذه الكلمة .. أفكر في تجربة صغيرة أخرى , أتواصل بها مع الناس بشكل مباشر .. وأنفذ فكرتي , وقفت فوق أحد الجدران …. وبدأت بالصراخ ألتف الجميع  حولي  كانوا ينظرون لي وأنا فوق الجدار أصرخ بهم.. بعضهم يضحك والبعض الآخر يلوح لي .. أصرخ

“أيها الناس”

أحدهم يتكلم بصوت عالي

“انظروا هذا المجنون ”

أنظر له وتنمو الفكرة أكثر داخلي

” أيها الناس “

ينتبه الناس لي أكثر ويتجمع عدد أكبر .. أبدأ بتمثيل مسرحيتي على خشبة مسرح الحياة .. مسرح حقيقي بجمهور كادح عشوائي , أشعر بمتعة خفية تتسلل لي .. أتذكر فنون المسرح التي كنت أبدع بها , أقف أمام المرأة الملاك وأبدأ بتمثيل مسرحيتي وهي تنظر لي باهتمام

“المسرح طعام الفقراء وفاكهة الأغنياء  .. لقد وجد لكل البشر ..  يكون في أي مكان وأي زمان , أنا  مثلكم مقهور .. جائع .. لا أنام  أحلامنا تسرق , أعرق باحتياجاتي اليومية , أحصل على إيجار غرفتي بعد أن أنزف دما .. أيها الناس .. من منكم مثلي “

“يا أخي كلنا مثلك .. نعيش غصبا، أنت جاي اتضحكنا ولا تبكينا”

” إذن تعالوا لنحضر الأكفان .. ونبدأ بحفر المقابر .. أو قوموا من مرقدكم ..هل تعلمون بأن الله يرانا .. نعم أعلم أنكم تعلمون .. لقد درسنا في مدرستنا الابتدائية أن الله يرانا جميعا .. درسنا لا يعني أننا يجب أن نؤمن !

هل تؤمنون .. أجيبوا .. هل الله يرانا “

يصرخ الناس بالإجابة

“نعم يرانا .. ماذا تسأل أيها المجنون .. بالطبع يرانا “

يلقي أحدهم على حبة بندورة .. أتلقفها وأقضمها .. يضحك الجميع وأكمل أنا

” تعلم انه يرانا ..لم تسرق .. لم تزن .. لم تقتل ..لم تظلم .. ما دمت تعلم أن الله يراك .. وتتناسى حين تمتلكك الرغبة , لم تفتش عن الله لو مرة  واحدة.. ابحث عنه داخلك  حتى تراه .. وتعلم انه يحبك ولا يرعبك .. إنه أمان وليس خوف .. سلام وليس رهبة .. ساعدوا بعضكم بما تمتلكوا ..”

 أنزل مسرعا من فوق الحائط وأشير لأحدهم تظهر عليه علامات الفقر

“أنت هناك ماذا تملك “

ينظر الشاب ضاحكا ..

” أنا على باب الله .. لا يوجد معي فلسًا واحدًا “

“أرأيت لا تعلم قيمة ذاتك .. انظر لنفسك تمتلك ابتسامة جميلة .. أعطي من حولك ابتسامتك لتمنحهم الأمل والحب .. داوي كآبتهم .. تمتلك الكثير يا حبيبي ولكنك لا تعلم “

وأنت هناك .. تحمل الكثير من الأكياس .. تمتلك كثير من النقود على ما يبدو .. أعط فقيرا أحدها وازرع سعادته فيك ..لم يخلقنا الله هباء كل منا يحمل جوهرة في داخله .. مهما شعر بأنها بسيطة هي كنز لغيره , اكتشفوا أنفسكم أيها الناس .. اكتشفوا جمالكم الداخلي .. حتى نرى الألوان من حولنا بدل كل هذا السواد “

تعالى التصفيق والهتاف

“أحسنت .. رائع “

أنحني لها مبتهجا ..

“لقد كنت أسمعهم يتحدثون عنك .. ويقولون يظهر أننا نحن المجانين .. أي مجنون أنت ؟ “

” أريد أن أصل للناس .. لم يهبني الله تلك الموهبة حتى أنام عليها أو أنتظر من يستطيع أن يدفع ثمن تذكرة المسرح حتى يراني .. الفقراء الجائعون منهكين بالبحث عن قوت يومهم عدد قليل من الناس يهتم بالمسرح .. أريد أن أصل للبسطاء المطحونين .. هؤلاء الأشخاص في الشوارع لعل رسالتي تصل وأمحو بعضًا من عتمتهم “

” لكنك كنت تضيع وقتك .. فلا شيء تغير .. كان الأجدى بك أن تعمل عملا لمستقبلك .. من أن تضيع عمرك مع أناس لن يعودوا بالفائدة عليك مطلقا “

” من قال أنني أضعت عمري .. ليتني بقيت هكذا حتى آخر العمر .. حينها كنت أشعر بذاتي وبقيمتي .. امتلكتني سعادة لا أستطيع وصفها لكن حتى هذا الحلم البسيط لم أستطع إتمامه فحياتي عبارة عن حروف باهته غير مكتملة أطير في أولها وأغرق بالنهاية “

” يبدو أنك متعب أجهدتك الذكريات .. لم أكن أعلم بأنك تحمل حزن الكون “

” لا أبدا .. أنا بخير .. لقد كانت أوقات ممتعة من شدة جمالها أشعر الآن بقبح اللحظات دونها “

” ماذا حدث .. لماذا اختفيت فجأة ؟ .. لم نعد نراك في الشوارع .. لم نعد نرى كلماتك على الجدران .. “

يوجعني سؤالها .. لا أريد تذكر هذه الأيام فأنا أحاول منذ سنين إسقاطها من ذاكرتي .. نظرت إليها مليا كانت تحمل علامات فضول زادتها جمالا وطفولة .. ما جعلني أغير رأيي فلا بأس بأن أفضي ببعض من وجعي لغريبة قد تختفي  بعد اليوم .. ربما البوح يمنحني راحة لو للحظات , أتنهد ..

” إنها الخيبة يا عزيزتي .. لقد تم طردي من كل مكان ذهبت إليه .. طردت من المساجد .. ونعتوني بالمجنون الكافر.. شنوا حربا ضروسا لا تهدأ  في المدرسة التي أدرس بها وكلما حاولت زرع الفن وخلق الجمال داخل تلاميذي وجدت من يسخر مني .. ويطالبني بالالتزام بمنهج وزارة التربية والتعليم دون إضافة عليه .. كل هذه الأشياء لم تؤثر بي كنت أزداد صلابة وقوة  و إصرارا على تصميمي .. خصوصًا مع ازدياد حب الناس البسيطة وتلاميذي لي  كانوا مصدر قوة تدعمني في مواصلة طريقي ..إلا أن حدث الانقسام .. لعلك تتذكري تلك الأيام “

تتنهد بحسرة 

“ومن لا يذكرها لقد كانت بداية جديدة لحياة أخرى .. لقد عشت أيام رعب و.. أسمع طلقات النار من كل اتجاه .. وأنا أعلم تماما أن الصراع بين فلسطيني وآخر .. لم تكن الطلقات هذه المرة من العدو .. وهذا أقسى ما في الموضوع “

” كنت أقف على شرفتي كعادتي وأشاهد فزع الناس واختبائهم .. أجلس في بيتي مشلول  عاجز لا أستطيع تغيير الواقع حتى لو بكلمة .. أرى أحدهم يحرق الآخر بوحشية  ويقتله .. يرميه من فوق أعلى بنايات غزة .. أو يضرب رصاص على قدميه .. امتلأت الشوارع بالرصاص ولم نفرق بين دم ودم ..لا أريد أن أعلم من ضد من .. من مع القاتل ومن القتيل  .. من الذي ظلم ومن المظلوم .. كانت رائحة الموت بشعة خانقة تبشرنا بالانهزام .. تمنيت أن لا أسمع آهات في شارعي من شاب يصرخ ويستنجد لأن أخاه قتله .. آه كم كانت كل المشاهد تؤلمني .. حتى أشد إيلاما من أقصى ما مررت به يوما “

“ولذلك تنازلت عن جنونك وشغفك “

“بالطبع لا .. على العكس .. لقد صممت أن أكتب بشكل أكبر .. المهمة الآن أصبحت أصعب , أليس كذلك ؟ “

تهز برأسها موافقة

“تجمدت حتى تجرعنا  كابوس الانقسام وبدأنا نستوعب الصدمة ..عادت الحركة للشارع وعدنا أنصاف  .. أول ما فكرت بفعله بعد عاصفة التجزئة  أن أكمل رسالتي .. حملت فرشاتي والطلاء ونزلت كعادتي للشوارع , مسحت أول جدار قابلني وكتبت عليه عبارة

“ليت الشتاء لا يحل أبدا على هذا الكون إن كانت مياهه ستغرق أخي “

ثم كتبت على جدار آخر

” الفقد هو أن تشعر بغربتك وأنت تسكن بيتك  .. الفقد هو موت آخر “

رائحة كلماتي أزعجت البعض تجمع حولي أفراد من الشرطة وألقوا القبض على “

يتعالى صوت اندهاشها وفزعها

“هل قاموا بسجنك ؟ “

” بل أسوأ من ذلك .. يبدو أن الكلمة النظيفة تزعزع أمن رجال الكراسي لقد جروني وضربوني  ثم حبسوني في غرفة صغيرة عدة ساعات ..كانوا يسخرون مني رفضوا أن يصغوا لي , حاولوا تجاهلي وكأنني حشرة .. كانت فلسطين ترحل من مخيلتي وتتحول لسراب أصابني الهذيان صرخت  بجنون “يا مجانين الكعكة التي نتصارع عليها مجرد وهم ونحن تحت نعال الاحتلال” .. لكن لا مجيب لصرخاتي .. خرج من المذبح أصوات تزلزل المكان تخيلت مصيري القادم .. إلى أن أتى شرطي وجرني لخارج غرفتي التي سجنت بها ..وألقاني بأخرى لأعيش القلق , حتى سمعت صوت أبي يأتي من خارج الغرفة كان يتكلم معهم .. يحاول إخراجي من هذا المكان ويبدو أن محاولاته باءت بالفشل..  آلمتني توسلات أبي لهم كان يخشى أن يحدث مكروه لي خصوصًا وأن وضع المدينة على فوهة بركان , كانت خيبتي الكبرى .. أعلم أنه كان يحبني كثيرا .. أعلم أن خوفه على جعله يتصرف هكذا “

” ماذا حدث .. هل حدث لك مكروه “

ترتسم الحيرة على وجهها .. أقترب منها قليلا وأخفض صوتي وكأن أحدا ما يتلصص بالسمع علينا

“لا يا سيدتي ما حدث لي ليس مكروه .. إنها محاولة لنزعي من نفسي .. لخلق إنسان جديد .. وقد قاومت ليال عديدة ولكن صدقيني ما حدث لي كان يفوق احتمالي .. جعلني بعدها أستكين وأرمي كل شيء خلفي وأنام للأبد داخل جدران غرفتي “

” يا الهي .. ماذا حدث ؟! “

“لقد حاول أبي إنقاذي فلم يجد طريقة أفضل من أن يخبرهم  بأني مجنون ..  وفاقد للأهلية وأنه على استعداد ليأتي بشهود ويشهدوا على جنوني وأنت تعلمي أن ما أكثرهم “

” نعم صحيح .. وماذا حدث بعدها “

” ماذا تتوقعين “

“أفرجوا عنك طبعا “

“يا لطيبتك يا صغيرتي .. بالطبع لم يحدث هذا .. ما حدث هو أنهم بالفعل أخرجوني من سجني وأدخلوني إلى مصحة للأمراض العقلية .. سجن أقبح لقد قضيت شهرا كاملا بين مجانين  حقيقيين .. وتناولت أدوية وعقاقير بالإكراه .. كلمت الجدار واستحلفته بعشرتنا أن يخبرهم بالخارج أني عاقل وأشتهي الرجوع لغرفتي .. بكيت طويلًا وحدي وأنا أسمع همهمات من حولي وكلماتهم الغريبة وأفعالهم الأعجب.. لقد قضيت أسوأ أيام في حياتي .. حتى مات كل ما كان ينبض بداخلي .. تعلمت كيف أصمت وخرجت جثة دون روح .. وابتعدت عن كل ما له صلة بالشارع والناس وحتى ابتعدت عن أمي وأبي .. وكانت تلك نهاية مغامرتي مع الحياة .. توقفت بعدها عن التنفس والكلام وعشت داخل نفسي وحدي حتى في أشد الأوقات حلكة كنت وحدي إلى أن التقيتك “

“أراك تبتسم وكأنك التقيت بالحياة .. ولم تلتق بموت آخر .. وخيبة أكبر “

“إن كنت تريدين حقيقة الأمر .. بالفعل التقيت بالحياة .. لقد حركت استكانتي .. ورددت الإنسان لي .. قلبت موازين يومي وجعلت لنبضه شكل مختلف .. كنت أبحث عن سمك كهدية من البحر لأوهم نفسي بـأن لي رغبة استمتاع بطعام .. والحقيقة أنني فقدت الرغبة ما عاد شيء في الكون يمتعني لكنه حب الاستمرار والبقاء الفطري “

” أتعتقد أن تلك الجثة التي التقيتها وهبتك أمل جديد “

تضحك بصوت عال ..

“لا زلت تحتفظ بجنونك .. فأنا لم أهب يومًا الحياة لأحد .. أنا دائمة الضعف والخضوع .. حتى اختياراتي سيئة .. أنا إنسانة تعيسة .. فقدت كل البريق لم يتبق لدي شيء لأعيش من أجله ”

تنهار باكية .. استغرب انفعالاتها السريعة المجنونة تبكي وتضحك في نفس اللحظة ..

“أتعلمين أنه لا يوجد إنسان ضعيف بالفعل .. أنت من أقنعت نفسك بأنك ضعيفة .. على الأقل فكرت وقررت ونفذت ما تفكري به .. ومجرد تنفيذ ما تفكري به حتى النهاية ومواجهة شبح الموت بكل غموضه تلك شجاعة لا يمتلكها الكثير .. ليتني كنت يوما أمتلك قوتك لكنني إنسان ضعيف بائس ..

 كل منا بداخله قوة عظيمة نحتاج فقط لاكتشافها .. هنالك بعض الناس يعيشون ويموتون دون اكتشاف مكامن قوتهم وهذا يندرج تحت بند الغباء وليس الضعف..”

” تقصد بأني غبية ؟ فليكن .. لا تفرق معي كثيرا المسميات “

” لا اقصد قطعا بأنك غبية .. لا تظهر عليك سمات الغباء على كل حال “

تبتسم بلطف  من خلال دموعها ..

” آخر ما كنت أحلم به أن أجلس وأتكلم مع رجل .. لا أعلم كيف استجبت لك بهذه السهولة “

” أنت إنسانة طيبة .. لماذا تنعتين نفسك بهذه الكلمات القاسية .. ضعيفة .. الرجال لعنتي أكرههم .. هل تحاولين هزيمة نفسك ؟ “

” لست بحاجة لهزيمة نفسي .. إنها مهزومة منذ خلقت “

تدخل الممرضة غليظة الملامح وبصحبتها طبيب.. تنظر لي الممرضة نظرة خبيثة حين ترانا نتحدث , أحاول تجاهل نظراتها .. يقوم الطبيب بفحص المرأة أمامي .. ويدون في ورقته حالتها

يبتسم :

“زوجتك بحالة جيدة .. تمسك بها جيدًا في المرة القادمة ولا تتركها تقع في الماء .. سأكتب لها الآن خروج من المستشفى لم تعد بحاجتنا .. إنها سليمة معافاة .. حمد لله على سلامتها “

 أعلم بأن الطبيب يعرف تمام المعرفة أنها محاولة انتحار ولكنه يحاول إخفاء الأمر وتجاهله محافظة على سمعتها .. وقد قدرت موقفه واحترمته , يخرج هو والممرضة .. أحاول مساعدتها لتنهض لكنها ترفض بأدب .. تقوم وترتب هندامها وحجابها .. أشعر بقرب وداعي لها وتتأثر نفسي .. كأنني سأضيع طفلي في الطريق ولكنني أعلم أنها نهاية المطاف لا محالة

” هل تودين أن أوصلك لمكان ما .. أنا مستعد للمساعدة “

” لا أشكرك .. سأتدبر أمري “

” هل تسمحي لي بأن أسألك عن اسمك ؟ “

” بالطبع .. اسمي سلمى “

“.. وأنا فرج “

تبتسم

“فرج !!”

“أعلم انه اسم لا يليق لي “

تستدرك

” إنه مجرد اسم .. ليته كان مقياس على إنسانية الإنسان “

“هل ستذهبين مباشرة إلى منزلك .. أم ستسمحين لي بأن أدعوك على كأس ذرة يرد لك صحتك .. ولا يرهق محفظتي “

تضئ وجهها ابتسامة , تقف قليلًا وتفكر .. أنظر لها  وأشجعها

“لن تخسري أنا الذي سأخسر بعض النقود ..”

 تضحك

“فقط بعض الوقت حتى تعود نفسيتك لجمالها قبل العودة لمنزلك .. لن أزعجك أبدا .. سأعتبرها لحظات وداع أخيرة “

تتردد بالقبول .. يغطيها الخجل .. فأقرر أنا عنها

” شكرًا لك على قبول دعوتي .. كنت أعلم أنك إنسانة كريمة .. هيا تفضلي “

تبتسم ويبدو أنها حسمت أمرها .. ووافقت , تمشي أمامي وأتبعها .. لن يكون هنالك الكثير من الوقت أمامي حتى تنتهي  هذه الصدفة القدرية وأعود مرة أخرى لغرفتي وشرفتي .. وعزلتي الأبدية !

يتبع

تعليقات على فيسبوك