على موقع Arabooks ننشر في فصول رواية غيمة عشتار للأديبة الفلسطينية ديانا الشناوي , فراءة ممتعة .

(1)

يوم آخر على قيد الحياة .. بدليل تنفسي المستمر .. الضوء الذي يداعب عيني .. جلستي فوق صخرة منذ الصباح أحمل صنارتي على أمل اصطياد سمك من هذا الأزرق الفسيح .. حتى ضربات قلبي المنتظمة  دليل آخر على كينونتي

تتشابه الأيام ..ثقب كبير في رأسي تتساقط  منه الكلمات والأحداث ..أسير في فراغ بوهيمي 

لا أحسب حسابًا للزمن, أعلم جيداً أنني تخطيت الاهتمام به .. لا أذكر متى قمت بترتيب شعري آخر مرة أو فكرت في تهذيب  ذقني المتمردة .. هذه الملابس  التي اخترتها دون عناية من خزانتي المكدسة لم أرى انكماشها وبهتان ملامحها..

الآن  يطاردني الجوع أفكر بوجبة سمك يهديها لي البحر بعد أن تمردت معدتي على الروتين اليومي .. وصرخ الملل الإنساني في وجهي بأن أترك الفول والفلافل والزعتر وأهبها وجبة برائحة مختلفة تثير شهيتها وتدعمها لتعمل بنشاط مرة أخرى وتتخلص من انكماشها ولوكها بملل لكل ما أقذفه داخلها.. أجلس متحديا نفسي صابرا مستسلما لا مناص..

ليس أمامي خيار آخر سوى الصبر.. أرسم أحلامي فوق المياه المالحة, المكان مشبع برائحة  سمك مختبئ  في مكان ما  .. وأنا مصر على أن أعود ببعضه

أيها السمك إما أن تأكلني أو آكلك ! أريد أن  أكون ولو للحظة سيد الوقت..

ما الذي تغير, مضى العمر وأنا صابر أجلس على حافة الدهشة.. أحمل راية المنتظر الأعظم.. مواطن مسحوق مقهور يواسي نفسه بمفردات غابت وذكريات معلقة  أصبح الصبر جزء من شخصيته.. لا ضير لو انتظرت عمرًا آخر والهدية سمكة  !

البحر صافٍ هادىء على غير العادة, لم يخدش اليوم جماله كثير من الزوار, الميناء خالٍ من الناس, يبدو أنه يوم إجازة جامعية أو ما شابه فهذا المكان مكتظ دائما بالهاربين من المدينة لأفق آخر.. أو المتواعدين على أمل  خطف ضحكات الصخور الملونة على الجانبين والتوغل في اكتشاف مشاعرهم الجديدة بعيدًا عن أعين لصوص متطفلين يرصدونهم ليسرقوا منهم الفرح

سألت أمي في يوم ماطر وأنا أتدفأ بجانبها أمام كانون الفحم  والدخان يعبق في المكان ورائحة القهوة فوق النار تعشعش في رأسي ” لمَ أسميتني فرج .. هذا الاسم لا أحبه ؟!”

تنهدت بحسرة كانت تحملها داخلها ضمن تركيبتها ..” ولدت يا ولدي  في أثناء حرب 67 .. ظننت سيأتي الفرج على وجهك ..!”

لم يكن لي نصيبٌ من اسمي إلا الهزائم .. لم أقف يوما إلا لأسقط شهورا.. شخت يا أمي, كبرت ولم تكبر الخيمة عن كونها خيمة

البحر عنواننا .. آخر ما تبقى لنا من الحكايا، أسقط عليه جنوني فيحتويني .. ألجأ إليه بعد التعب.. أرمي به صنارتي ووجعي .. أفقد ذاكرتي ، ألبس أخرى مؤقتة ترسمني كائن آخر يسكن جسدي يبحر بي بعيدًا .. ما الذي يحدث لي وأنا في حضرته  كيف يصبح أناي وأنيني، فراغ نفسي وراحتي .. لا أدري كيف مضى بي العمر .. كم مر بي من الوقت وأنا في وحدتي تفترسني رتابة أيامي, ليال أصارع دقائق الصمت, بريق الشهوة أو حاجتي لزهرة تنبت في صقيع القلب !

أنا المجنون الضائع في  لوحة سريالية, خطوط الوهم تعتصرني ما بين الصورة والظل تربطني  بمسرحية هزلية لكومبارس فاشل يقود واقع مزيف.. أنا المتعب من قصائدنا البكائية, من تعب وتنهدات المخيم , أقف على شرفة بعيدة وأنظر لكل ما يحدث حولي كأنه لا يعنيني ولست جزء منه.. أتوه في غياهب عشق قديم  نمت على ضفافه, تذوقت حلاوته ولم يكن ملكي يومًا ولو يومًا 

استيقظت من وهمي لاكتشف أن لعابي تحول لعلقم, امتلأت أجندتي بحكايات الوجع اليومي

عائلتي بسيطة أب مزارع علمني أن الأرض هي الحب, تأملتها منذ صغري

قال لي :

” يا ولدي الفدائي هو إنسان مخلص لأرضه يحب بيته وأهله لا يفرق بين إنسان وآخر يحميهم في حياته  ويهبهم حياة بعد موته “..

كانت جدتي فدائية بطبعها .. امرأة صلبة قوية معطاءة كالأرض الأم .

عندما  رحلت  إلى خالقها وواريناها التراب بكيت وكنت أزور قبرها فاكتشفت أن هناك زرع ينمو فوقه  قلت لنفسي ستكون جدتي شجرة وأحتمي تحت ظلها.. ومن هنا اكتشفت الحقيقة ..

أننا ندفن بالأرض لنزيدها خصوبة , وهذا سر خصوبة أرضنا  وتنوع محاصيلها, كثرة  حروبنا وموتانا, منذ الأزل  ندفن  كبذرة,  نصبح ثمرة تنضج لتهب حياة لأناس آخرين سيصبحون يوما بذرة جديدة 

عندما سمعني أبي أقول ذلك غضب غضبًا شديدًا :

” ألا تعلم بأنك تكفر .. نحن نموت ونذهب عند الله .. لا نتحول لبذرة ما هذا الكلام ؟”

” أرواحنا تحلق يا والدي .. لكن الجسد  هو بذرة في التراب “

لم يقتنع ولم أقتنع ولكن صمت كلانا .. الفكرة ظلت تكبر في رأسي الصغير

كنت أحبه, أحب بساطته، تلقائيته وعشقه للأرض .. أبي كان متيم  بجمال عبد الناصر, قال لي أنه أسطورة, حلمٌ عربيٌ قتل في المهد  وأن عينيه تورمتا من البكاء يوم رحيله..

” يا  ولدي نحن البشر نجيد فن القتل نغتال كل نظيف على وجه الأرض ليبقى دائما من يخدم وجهة نظرهم ..وكأننا خلقنا عبيدًا نحتاج دومًا لأسياد ”

أحب كلامه  يوحي بحكمة ونضوج وبأنه  قرأ أبجدية الحياة  جيدًا, لا أستغرب تحليله للواقع  رغم بساطته المفرطة ففي بلادي كل إنسان يفهم ويتكلم بالسياسة وكأنه رئيس دولة, ولنا مفارقات غريبة عجيبة, نحن في بلد الأحزاب يخلق المرء وكتابه في يمينه وحزبه يسري في دمه

كل شخص له وجهة نظره وفصيل سياسي ينتمي له, تختلف الألوان والطقوس لكن يجمعهم الحب.. فلسطين بالنسبة لنا  أكبر من قيمة جسدنا, هي أرواح عشقت الموت من أجل الحياة

آه يا أبي لو كنت تعلم أنك ستموت على يد فلسطيني مثلك !

ينفطر قلبي كلما تذكرت نهايتك, أعتذر لهذا الوطن ويجف كل شيء من حولي, قتل ياسر عرفات فبكينا وانشطرنا نصفين وفي يوم إحياء ذكرى موته قلت له :

“لا تذهب يا أبي”

ابتسم قائلاً “ما بقطع الرأس إلا خالقها “

“الوضع صعب يا أبي الغيمة سوداء والحزب الحاكم يتوعد  ويحذر من سيخرج اليوم  ونحن في غنى عن المشاكل فيكفينا فواجع  “

” ماذا يريدون من عجوز مثلي.. سأذهب محبة لياسر عرفات.. إنه يوم ذكراه.. الرئيس وحدنا في حياته وسيوحدنا في موته ”

خرج مبتسما  لوح لي بيده وهتف من بعيد :

“يا جبل ما يهزك ريح “

 شعرت بالاختناق, القتامة تشل حركتي .. كل ما يحدث ينذر بالشؤم وقد كان !

لعل الرصاصة التي أصابته من فلسطيني مثله  يجلس الآن بين أبنائه ويحدثهم عن البطولة والإنسانية والمحبة، يؤكد أن فلسطين لا تحب ألوان الطيف لذا يفضل أن لا تحلق سوى رايته في فضاء غزة ..

صغر الوطن فصغرنا معه !

مشاهدنا الموجعة أدخلتني في حالة اغتراب, روحك يا أبي تطوف حولنا  تتنفس بعد السنين  العجاف ، انكسار ودخان الحروب, لروحك السلام يا أبي ..ما زال الدمع  تفيض سيوله الساخنة  تحرق قلبي كلما تذكرتك

تموجات هذه المياه وصنارتي الفارغة.. كعبق ماض طويته ووضعته في ركن قصي من الذاكرة, نقيضي الآخر الذي عاش في زمن ملئ بحروب وانتفاضات متكررة.. ورغم ذلك كان يرسم الفرح على وجه السماء.. يرقص أينما أراد .. يحلق في فضاء يخصه ..

لا يهم المكان أو الزمان, لم أختر مكان وجودي ولكني أختار أن أكون أنا.. ما دمت على قيد الحياة سأعيش ما استطعت وكيفما أردت

ما أجمل أن تكون لك ذاكرة.. وتحبها

كنت معشوق النساء كان يلتف حولي الفتيات, شاب مجنون يلعب بالألوان والكلمة خيل فوق المسرح ..

يبتكرن وسائل لأقع في شباكهن أتذكرها منال ذات النظرة الجريئة وهي تسأل محاولة لفت نظري :

” ما سر إبداعك في الرسم اشعر بأن لوحاتك تداعب أفكاري هي ليست مجرد دوائر وألوان”

أبتسم وأسبح  في لوحتي الجميلة فليس من عادتي جر النساء إلى بلاطي :

“أنا لا أعرف من يرسمها .. هي خليط من المشاعر تنتصر للحياة  ترسمني ولا أرسمها.. هي روحي يا عزيزتي لم أدرك يومًا  سر فرحي وحزني كي أدرك  سر هذه اللوحات

خطوط لوحاتي هي أنا وأنت ، هي نحن نراها كيفما نشعر وحسب حالتنا النفسية لا إجابة محددة لها سوى ما تشعرين به تجاهها “

“قالوا لي أنت مبدع في مدينة موجوعة غير قادرة على أن تهبك الانطلاق فنحن ندعوك لفرنسا هناك ستجد نفسك” ,

رفضت السفر إلى بلد الأحلام

“أنا من هنا وسأموت هنا أخاف على روحي من البرد .. من سيدفئها هناك !”

غزة محبوبتي, بل معشوقتي, نفس واحد, روح واحدة تسكن كل  المخلوقات.. كل ما بي معلق بها.. شوارعها, بساطة أهلها,  انفعالاتهم الزائدة, ثرثرتهم, عصبيتهم ..ضحكاتهم ونكاتهم ..

الناس هنا  أشجار تعمقت جذورها بشدة  كلما قٌلعوا نبتوا مرة أخرى  وكلما حرقوا خرج الثمر أكثر نضوجًا.. الناس هنا مزيج لا أشعر أن لمثلهم وجود في الكون ! قوتهم وصبرهم  سر إلهامي, كان الرحيل يعني نهايتي.

كم قضيت من ليالٍ أحدق في السماء, أعد نجومها وأرسم قصصًا على وجه القمر ..

آه يا جدتي أين حكاياتك  فقدنا كل شيء نعيش بين أجهزة حاسوب, أفرادا في غرف مغلقة

نعيش العزلة, تبعثرت أرواحنا لا نستطيع لملمتها, ننساق إلى الرتابة نحلم أن نعود للطبيعة,  نمارس تلقائيتنا لتبث في الروح نفحة حياة

ليس كل من على قيد الحياة  يشعر بها ثمة أحياء أموات ولا يعلمون.. كنت في أعلى قمة الرضا والسعادة لا أحتاج لأكثر.

تشدني حركة الصنارة من ذكرياتي, تخرج بفراغ جديد, أين ذهب السمك لا بحر لنا ولا سماء لعل الغول  قام بخدعة خطف عروس البحر وأسكنها عمق البحر, جعلها تغني وتصدح فانجذب لها السمك وترك لنا الجوع..

عروس البحر.. هي عروس طفولتي بجسدها الانسيابي شعرها الطويل وبياض جلدها وعينيها الواسعتين

جميعهن طلبن مني رسمهن, كنت أهرب, لا أريد سلسلة ناعمة حول عنقي, الارتباط وبأي شكل سيقتل إبداعي ويمحو مخيلتي, سأغرق في الواقع وأهتم بما يخص غيري, أريد التحليق إلى ما لا نهاية.. ثم إنني أريد أن يتلقفني الحب ويعصرني, يخرج خلاصتي دون أن أبحث عنه, أؤمن بالمصادفات القدرية التي تضعنا أمام المفاجآت المذهلة حقا

يا لجنوني, كنت أرى في انتفاضة شبابي دفء اللُحمة, رسمتها من قلبي في أولى لوحاتي.. لم أرسم قيد أومفتاح أو عيون تبكي لقد مللت السواد، رسمت خيولًا ترقص وتصهل تموج مع الأفق تخرج من أصواتهم ورود تحتضن الشمس وأسميت لوحتي الانتفاضة الأولى.. أثارت تساؤلات كل من رآها.. الفن يتوغل في خلايا جسدي.. عشقت المسرح كان بيتي ومأوى روحي كنت أمارس بطولتي الحقيقية فوق الخشبة  وقبل عرض المسرحية بساعات  يلتف حولي بعض الشباب والفتيات فمسرحنا يتيم فقير نهض بعد وصول السلطة الفلسطينية إلى أرض غزة حسب اتفاقيات أوسلو.. وهو مكان جذاب لشباب عاشوا كل طفولتهم محاصرين بين جدران بيوتهم

هو اكتشاف جديد, أتفهم انبهارهم, أغوص في داخلي, أنظر للأفق, أتخيل حبيبة قديمة كانت قد سلبت عقلي وقلبي في أيام الشباب الأولى في أثناء دراستي الفن في جامعة عراقية.. أرفع يداي للسماء, أغيب في عالم يخصني .. أغني, أنسجم.. يفيض الحب يأخذني إلى هناك

أردد أغنية عراقية لطالما خطفتني من نفسي في أثناء تحليقاتي العديدة يخرج صوتي ملئ بالشجن الجميع سكون تام

أمل منك

أصد عنك

أحبنك

كذب من قال أعوفنك

لو حطوا بدربي النار بدمع عيني لاطفيها

وأدك بابك وأشوفنك

 تصفيق حاد يعيدني من هذياني.. أعود  لعالمهم ..

كنت هكذا تائه مسحور أدور حول نفسي أبحث داخلي عن جمال إحساس أشبع به روحي الثملة, ها أنا الآن أشعر باللاشئ وأوهم نفسي بالرضا.. أستسلم للكم الهائل من الخيبات التي انصبت فوقي,  تنحيت عن كل شيء, قررت العيش على هامش الحكايات بعد أن اكتشفت أن كل الحكايات لم تكتب بحبر قلمي ولم تكتب لي .

امرأة وحيدة هي من بقيت معي تلك التي أرسمها في أحلامي ترافقني في نهاري، أهديها سريري في ليلي, أشكلها كيفما أشاء, أحضرها متى أردت وأصرفها متى مللت  دون أن أسمع اعتراض أو تأفف.. أظنها ودون أن أدري تشبهها  كانت بيضاء ناعمة راقية طويلة مبهرة.. كانت أجمل نساء الأرض.. هكذا رأيتها دومًا

تسربت الأيام من بين أصابعي..  يغزوني بياض الشعر وضعف البصر..  أشعر بالثقل.. عبث هي الأيام.. ساعات تمضي تمشي بنا لطريق لا نعرف نهايته.. أحداث كثيرة رسمها لنا غيرنا وجلسنا ساكنين مستسلمين لها نلقي باللوم على الزمن ونؤمن بأنه قدر نخاف الاعتراض حتى لا يغضب الله علينا .

كم كان أجمل هذا الشاطئ حين كان على سجيته, كنت أجري على رماله, أعبث بطفولة مياهه, كان له براءة أيضا.. اغتصبتها تلك المباني المتزاحمة الصاعدة إلى السماء بكثرة أكلت وجهه كثرة الاستراحات والمنتجعات حتى لا تكاد تجد مكان تمشي به وتشعر بفضاء البحر ولا نهائيته.. كل ما هو جميل داخلنا وخارجنا تم استغلاله بنجاح.. بنوا كل الحجارة على كل مساحة متاحة ونسوا أن يبنوا الإنسان

رفضت دائمًا الدعوات في الأماكن الراقية, أشعر بغربتي معها, كنت أفضل أن أهبط إلى الشاطئ أخلع حذائي وأدس قدمي الحافيتين في رماله.. يتسلل سر الكون إلى دمي, أداعب المياه, أتنفس ملء روحي عطر البحر وأنتشي, أشكو له ويسمعني..  يكاد ينطق يواسيني

هاهي امرأة تمشي على طرف الميناء المقابل أمامي, سمك من نوع آخر اشتهيه, هل هي حقيقة أم شبح في هذا اليوم النحس, جميل, وجودها يعطي بعض الرطوبة للمكان, تواسي لحظاتي الجوفاء

كم تمنيت لو كان لي امرأة كهذه المرأة الشبح, أعيش معها تفاصيل حياة حقيقية, أحبها تخفف عني وجعي ..

 لكن من يعلم لعلني هكذا أفضل !

يتبع

تعليقات على فيسبوك