نعمه العبادي

لا يمكن قراءة الحدث اللبناني بوصفه انفجار ترك أضرراً بشرية ومادية جسيمة مهما كانت المبالغة في توصيف هذه الاضرار، بل لا بد أن يقرأ في ظل اللحظة التي يعيشها لبنان منذ اكثر من سنة والترتيبات التي تجري في المنطقة، والموقف الاقليمي والدولي من شكل النظام والاوضاع في لبنان.
بعد أن وقعة الكارثة، وحل الخراب، صار الجميع في لبنان وبمستويات مختلفة من المسؤولية من وجود هذه الكمية من المواد الخطرة، وكأن بيروت صحراء التبت او مساحتها بحجم قارة، لذلك خفي امر هذه الشحنة، التي يعمل الى جانبها يومياً مئات العمال، وهي موجودة بمرآى ومسمع من معظم السلطات الامنية، وكما ذكرت في نص سابق، لقد صدرت تقارير وتحذيرات عن خطورتها.
مثلما تم اعادة تشكيل رماد انفجار رفيق الحريري بطريقة دراماتيكية، فتشكل عقبه مشهد مختلف في لبنان، وسمح الحدث (الى الآن) بالتلاعب بالكثير من مجريات الامور تحت سقيفة دم الحريري، يراد تكرار نفس السيناريو مع انفجار مرفأ بيروت.
اتابع عن كثب بجوار الركام وجثث الضحايا، تطلعات ورغبات وسيناريوهات الاستثمار السياسي (الداخلي والخارجي)، حيث تتصاعد احلام معظم الاطراف لاعادة تشكيل مرفأ بيروت بطريقة ربما تشبه ما جرى في امريكا عقب سقوط برجي التجارة العالميين في نيويورك، وما تبع ذلك من احداث عبرت المحيطات الى افغانستان والعراق ومسلسل الارهاب ومتعلقاته، وهي رغبات تتحرك باكثر من سرعة الانفجار تجاه وجهات خارجية، للعمل على انتاج سيناريوهات مناسبة لاعادة تشكيل رماد المرفأ في ظل اجواء نفسية منكسرة تسمح للمستثمرين سياسياً وتجارياً تحقيق امنياتهم.
من الحماقة والجور، ان يعاد رماد بيروت في طائف جديد او شيء مثله، كما انه من العار على كل طرف وجهة، أن تجعل من مواسم الموت كرنفالات للاحتفاء بمكاسب نفعية تقرب هذه الجهة وتبعد ذاك الطرف، وعلى الجميع، ان يفهم ان اللبنانيين سئموا هذه المسرحيات وهذا السجال غير الاخلاقي، والذي استباح دمائهم منذ عقود، ودمر كل شيء جميل في هذا البلد.
التحقيق الشفاف والعادل والموضوعي، وتحميل المسؤوليات، أمر ضروري ومطلوب لا مناص منه، وتدارك الاضرار وتعويض الناس مسؤولية اخلاقية وقانونية لكن الاهم من ذلك ألا يتم اعادة تشكيل حطام بيروت في مشهد سياسي جديد قائم على اساس فكرة تغالب جديدة، بل مقتضى الحكمة، ان يعاد النظر في كل الاوضاع والمسارات في ظل احتياجات وتحديات حاضر لبنان ومستقبله، وفي ظل هذه القراءة لا بد ان تنتهي الخصومة مع حزب الله ومن معه في اطار مشروع سياسي وطني، يقوم على اساس رضا اللبنانيين وخياراتهم الحرة بعيداً عن تاثير هذا الطرف الخارجي او ذاك، وفي هذا المشروع لا بد من اعادة قراءة الدور الذي ينبغي ان يلعبه لبنان (اقليميا ودوليا)، وان تكون وجهة لبنان الجديد مصلحة الداخل اللبناني بعيدا عن التورط في توازنات ترهق البلد واهله.
ان المساعدات الانسانية والتضامن امر مهم للبنان، لكن تبصير العقلاء فيها، وفتح اعين الناس على ما يجري من مكر خلال هذه الساعات، اهم من ذلك بكثير.

تعليقات على فيسبوك