نعمه العبادي

تجاوز (المحمدون) جميع التحديات والعوائق والحساسيات والخلفيات التاريخية والثقافية التي كانت تشكل الموقف العام من اسرائيل، ودخلوا بشكل صريح وواضح ومنظم في مرحلة علاقات تتجاوز تسمية الاتفاق والحلف، وبينما ينشغل محمد بن سلمان بشكل دائب في أمرين، يتصل احدهما بالآخر، وهما (تسميته بشكل رسمي ومطلق ملكاً على المملكة، وإقامة علاقة كاملة وتامة مع أسرائيل بشكل علني ومتقدم)، تقدم محمد بن زايد ليعلن اتفاق (ابراهيم) بين اسرائيل والامارات برعاية امريكية، حيث تم توقيع الاتفاق يوم امس الخميس، ومن المزمع ان يعلن عن اتفاق تفصيلي لكل مستويات العلاقة خلال لقاء بين نتنياهو وابن زايد في البيت الابيض خلال الخمسة عشر يوم المقبلة، ويتم التسويق لخصوصية التسمية (اتفاق ابراهيم) ، بوصفها مشتركاً بين الاديان الثلاثة، تصلح ان تكون جامعاً ملائماً للصلة بين الدولتين، ومع ان هذه الخطوة ليست مستغربة ولا مفاجئة في ظل تحرك منتظم تشهده المنطقة لسنوات مضت، وقد زادت وتيرته بشكل كبير في ظل الثلاثي (ترامب-نتنياهو-المحمدون)، إلا انه في ظل هذه الخطوة الجديدة، قطع المسافة الاطول في منطقة الالتقاء بين الطرفين، وأورد على (أبراهيم) الملاحظات الآتية:

  • إن هذا الاتفاق (حقيقة) غير معني بالقضية الفلسطينية، وأية مشاكل بين فلسطين واسرائيل، ولم يوضع الفلسطينيون كمتغير اضافي ضمن المعادلة مطلقاً، فهو يتحرك على اساس انه ترتيب اسرائيلي- اماراتي، وقد اثبتت تجارب من العلاقة مع اسرائيل كما هو الحال في مصر والاردن والمغرب، انها لن تقدم اية تحفيزات إيجابية للتسوية مع الفلسطينيين، بل رجعت اسرائيل لتضم غور الاردن على الرغم من عمق العلاقة مع عمان، لذلك، لا ينبغي لحالم نائم او متحذلق خرق، ان يتحدث عن ربط هذا الاتفاق بالشأن الفلسطيني.
  • كل الاتفاقات السابقة والحالية مع اسرائيل في حقيقتها (اتفاقات امنية)، اي ان الأمن محورها الحقيقي، فلا الامارات ولا السعودية بحاجة لتعاون اقتصادي مع اسرائيل، ولا هي معنية بالاقتصاد كأولوية في هذه العلاقة، ومرتكز الامن في هذا التوافق يقوم على فكرة التحالف في مواجهة الاضداد، وبشكل واضح وصريح، انه يدور حول مواجهة ايران وثقلها ونفوذها في المنطقة، إذ تمثل اسرائيل حليف استراتيجي للخليج في هذا العداء، لذلك فان جوهر النشاطات التي سيتم توظيفها ضمن هذه العلاقة تقوم على اساس الفعاليات الامنية والعسكرية، والتي تتضمن بالضرورة خلق المزيد من التوتر والحساسيات في المنطقة.
  • تعتقد مجموعة المحمدين واتباعهم، ان بسط نفوذهم في دولهم بشكل تام ومحكم وضمان قوة عروشهم ترتبط بشكل وثيق بعلاقة واضحة وقوية مع اسرائيل، الامر الذي يضع امريكا والغرب بالتبع كضامن وحليف ومحامي عن هذه العروش.
  • منذ زمن ليس بالقليل، أوصلت الاحداث المتراكمة والملتبسة، والماكنة الاعلامية المنتظمة، والضخ العقائدي المتصاعد، والاخطاء في هذا الملف وذاك، معظم الشعوب في المنطقة العربية الى خيار الانحياز تجاه قبول اسرائيل في معادلة الضد مع الطرف الايراني، وهي حالة جعلت خيار العلاقة مع اسرائيل (على الاقل في منطقة الخليج) شعبياً.
  • قد يتصور الطرف الاماراتي، ومن بعده الاطراف التي ستلتحق ب (ابراهيم)، ان المنظور الاسرائيلي الفكري والديني ل (ابراهيم) متشابه مع المنظور القرآني او حتى مع المنظور المسيحي، وهو اشتباه وجهل، فالرواية الاسرائيلية للابراهيمية مختلفة مطلقاً، وهي العقيدة العليا التي تقوم عليها دولة التفوق الديني اليهودية، وتحوي في مضمونها الكثير من السرديات التي تجعل الحديث عن وحدة الاديان الثلاثة من المنظور الاسرائيلي مجرد خرافة.
  • تعاني اطراف التقارب مع اسرائيل من تحديات اطراف لها ثقلها في المنطقة تتمثل في ايران والعراق وسورية وبعض لبنان، ويجري الاشتغال على مقاربات متنوعة لاخراج هذه الاطراف من المعادلة، فمقاربة الانهاك بالمشاكل الداخلية في ظل اوضاع اقتصادية صعبة هي السبيل لمواجهة ايران وسورية، بينما يتم الاشتغال على لبنان والعراق بطريقة التطويع المرن وتحييد الاضداد او اخراجهم من المعادلة بطرق مختلفة، وهي عمليات ادخلت المنطقة في صراع ومشاكل وتداعيات تكاد تحولها الى قطعة من جهنم، ومن الراجح ان يتزايد هذا العمل بشكل اكبر مع استكمال الاتفاق مع الامارات والسعودية لاحقاً.
  • يتصور الكثيرون ان العقدة الاصعب في مواجهة قبول اسرائيل تتمثل في الموقف الايراني منها، لكن الحقيقة هي، ان الموقف الفكري والعقائدي عند شيعة العراق، والتوجه القومي عند معظم سنة العراق، هو العقدة الاكبر في هذا الموضوع، واسرائيل مدركة جيداً لهذه الصعوبة، لذلك فإن المواجهة الحقيقية والشرسة ستكون مع العراق وليس مع ايران.
  • على الجميع ان يفهموا، ان اسرائيل الفكرة والدولة قائمة ودائمة في ظل سردية دينية وتاريخية محددة، تتضمن موقفاً واضحاً من التاريخ السابق، وتقتضي اجراءات محددة لضمان مستقبل مرسوم طريقه في اطار بشارات دينية ثابتة، الامر الذي يجعل احلام بعض المتخرصين، ان تتحرك اسرائيل بمنطق الدولة والمصالح ومجريات السياسة التقليدية، هي مجرد اوهام، لذلك من يقرر قبول اسرائيل، عليه قبولها بسرديتها الدينية كما هي.

اتمنى ان تفتح هذه الملاحظات آفاقاً لنقاش اوسع واعمق..

تعليقات على فيسبوك